خطط داعش الجديدة والسباحة عكس التيار

د. صلاح أبونار –

في الثالث والعشرين من مارس 2019 نشرت صحيفة صنداي تايمز البريطانية العريقة تقريراً مطولا، كتبته مراسلتها في شمال سوريا لويز كالاهان عن التوجهات السياسية الجديدة لتنظيم داعش. وكانت مادة التقرير كلها مأخوذة من أوراق سرية داخلية للتنظيم، قيل إنها وقعت تحت يد القوات السورية في مرحلة اجتياحها لآخر معاقله في سوريا، الأمر الذي دفع بالتقرير وموضوعه على مدى أسابيع متواصل إلى بؤره الاهتمام السياسي. ويثير هذا الموضوع أكثر من سؤال.

ما هو مدى صدقية المادة المنشورة؟ وبافتراض صدقيتها ماهي دلالاتها السياسية الحقيقية؟
لا شيء في مادة التقرير والوثائق التي يستشهد بها ونشر صورا لبعضها يثير الشك حول انتمائه لعالم داعش.
فاللغة لغتها المعروفة، والأفكار أفكارها المعلنة، والسياسات ذات سياساتها المعهودة والموثقة في أدبياتها. وإذا كان الأمر كذلك ما الذي يدفع لطرح سؤال صدقية المادة المنشورة؟
نشر التقرير في 23 مارس أي نفس اليوم الذي جرت فيه آخر المعارك مع داعش في سوريا وفقدت آخر معاقلها، وفي صلب التقرير جاء إن المادة مكتشفة قبل شهر أو أكثر، الأمر الذي يعني أنها مادة قديمة مترجمة إلى الانجليزية ومجهزة للتعامل الإعلامي قبل هذا التاريخ، وخُطط للإفراج عنها في تاريخ لاحق. مادة قديمة لا نستطيع معرفة تواريخ وقائعها بدقة، ويمكن أن تكون متراكمة لدى من أعلن عنها على مدى عدة سنوات، وتم تجهيزها للتوظيف السياسي في انتظار لحظة معينة. والمشكلة في هذا النوع من التوظيف هو نزعته الانتقائية. فهو قد يأخذ بعناصر ويهمل أخرى، ويمكن أن يستشهد بأوراق قديمة في سياقات احدث منها، وقد يلتقط أفكارا قديمة طبقت عبر سياسات معروفة لكي يطرحها وكأنها سياسات وخطط مستقبلية. وكل ذلك لا يعني أنه يقدم وقائع مزيفة، بل ببساطة حقائق معادة تشكيلها وترتيبها بما يمنحها دلالات جديدة وأوزانا ليست حقيقية، سعيا نحو خلق تأثيرات سياسية في اتجاهات محددة، لا يمكننا الآن تحديدها بدرجة كافية من الثقة.
ما الذي تخبرنا به تلك الوثائق المكتشفة؟
هناك أسماء حركية لقادة، ونصوص مراسلات، ومعلومات عن اجتماعات داخلية منتظرة وأخرى لم تتم، وأحاديث عن مشاكل مالية ومستحقات مالية للكوادر وأسرهم، ومقترحات تطوير تنظيمي، وتصورات لخطط حركية تجاه مناطق محددة وبالتحديد أوروبا، ومقترحات لتطوير قدرات التنظيم المالية، وأشارة إلى خطابات لأعضاء خلية أو خلايا أوروبية تجدد ولاءها لقيادة التنظيم. والأمر الملفت للنظر في كل هذه المعلومات، والذي يقف خلف كل الضجة التي قامت من حول هذه الأوراق،، هو اقتراح قيادي يدعي ابوطاهر الطاجيكي بإنشاء مكتب للعلاقات الخارجية لإدارة العمليات في أوروبا، وتشجيع عمليات لضرب الاقتصاد الأوروبي عبر أساليب مختلفة، والإشارة إلى تكوين ما يدعوه الطاجيكي «بخلايا التماسيح» في أوروبا وهو مجرد اسم جديد للخلايا النائمة.
وبالنظر إلى كل ما سبق سنجد الوثائق لا تخبرنا بالكثير، فنحن أمام شذرات من هنا وهناك من مخلفات قيادي هرب من موقعه أو مات، ولسنا أمام منجم عن حياة وخطط التنظيم. وفيما يتعلق بأهم ما تخبرنا به أي خطط التنظيم الأوروبية، لا تخبرنا بأي شيء جديد. كل هذا قديم ومعروف، فداعش من المعروف أن لها من سنوات خلايا نائمة، وأنها تعمل على الإضرار بالاقتصاد الأوروبي، وانه لاتزال لها قواعد متعاطفين داخل أوروبا، وأنها في أعقاب هزيمتها في دولة خلافتها الوهمية قررت توجيه جزء كبير من عملها إلى مناطق أخرى أهمها شرق آسيا وأوروبا الغربية. ولم ينخدع أحد بمشهد الهدوء الظاهري في أوروبا، وأدرك الجميع أن قدرات التنظيم في العالم وفي أوروبا أصيبت بأضرار فادحة، لكنها تمر بمرحلة تجمع ما بين التراجع المخطط والابتعاد عن المواجهات الحادة والواسعة، والانغماس في الذات لمعالجة جراحها وتعويض ما فقد من قوتها، والتفكك التنظيمي المصحوب بمحاولات لإعادة البناء، والترقب السياسي في التحول في اتجاه التيارات والموازين لكي تطل برأسها من جديد.
وتحت ايدينا مادة علمية تؤكد صحة التحليل السابق، بل على ماهو أكثر وأخطر منه. في مارس 20016 كتب كريستوفر رويتر في الجاريان ينوه أن أحداث بروكسل وباريس الدامية أثبتت قدرة داعش على بناء «الخلايا النائمة»، وأن التنظيم يقوم على إمرة أناس يتمتعون بالصبر وطول النظر وحسن التخطيط»، وأن شهادات الذين هجروا داعش تقول انه بدأ منذ فتره في تأسيس خلايا نائمة في العديد من دول أوروبا.
وفي أبريل 2018 تحدث ديفيد بريسلي رئيس البرنامج الغذائي للأمم المتحدة إلى الجارديان بما هو اخطر، إذ أشار بناء على ملاحظاته خلال عمله في الساحل الأفريقي، إلى أن قادة داعش الهاربين من سوريا والعراق إلى تلك المنطقة، بدأوا في استغلال أزمة الغذاء هناك عبر التحالف مع منظمات متطرفة مثل بوكو حرام والقاعدة، من أجل الدفع بمهاجرين أفارقة صوب افريقيا يحملون فكرها ويشكلون قاعدة لها، وأن أزمة المجتمعات في تلك المنطقة المهددة بانهيار شامل يشبه التفكك السوري والعراقي توفر إمكانية لدرجة من نجاح هذا المخطط.
وفي مارس 2018 صرح جورجن ستوك مدير الانتربول الأوروبي للجارديان أيضا، أن داعش تخطط لتجنيد المتعاطفين الأوائل معها الموجودين الآن في السجون الأوروبية، بعد انقضاء مدة عقوبة اغلبهم خلال العامين القادمين، والذين سيخرجون من سجونهم بعد تعرضهم المرجح لعملية تجذير سياسي متشدد. علاوة على خطر المقاتلين الأوروبيين الذي حاربوا معها، وسيعودون إلى أوروبا تسللا في الأغلب واكثرهم لايزال على صلة تنظيمية بها.
وهل يعني ما سبق أن هناك موجة إرهاب داعشي قادمة لا محالة إلى أوروبا؟
قطعا كلا. المؤكد أن داعش تسعى وستبذل المزيد من المحاولات من أجل هذا، تعويضا لانهيارها في الشرق الأوسط. لكن هناك عاملان ينشطان ضد هذا الاتجاه.
يتصل العامل الأول بنجاح الدول الأوروبية في مواصلة وتطوير سياساتها المناهضة للإرهاب والتي حققت حتى الآن قدرا كبيرا من النجاح. وهناك بعد أمني في هذه السياسات يتعلق بالمراقبة والملاحقة وسرعة رد الفعل والتعاون الدولي وتطوير القوانين، وإصلاح نظام السجون بما يمنع تحولها إلى وسيط لنشر الراديكالية المسلحة. هذا البعد هو البعد الأكثر سهولة، لأنه تحت السيطرة الكاملة لمؤسسات الدولة الأوروبية، وقابل لتنسيق عميق عبر المؤسسات الاتحادية. ولكن البعد الأكثر صعوبة، يتعلق بمناهضة انتشار التطرف المسلح، داخل أوساط المهاجرين الأوروبيين ذوي الأصول الإسلامية. تنوه إحدى الدراسات باتساع القواعد الاجتماعية للمتشددة الإسلامية في أوساط المهاجرين المسلمين، وتقدر بحوالي 25000 في كل من بريطانيا وألمانيا و20000 في فرنسا. وتقدر نفس الدراسة أن تلك القواعد ليست مجرد مؤيدين، إذ يوجد بها متشددون بالفعل غير منظمين يصل عددهم في ألمانيا إلى 2240، وفي بريطانيا إلى 3000 وحوالي 500 تحت المراقبة وفي فرنسا 4000. وهنا تواجه الدول الأوروبية تحدي منع تغلغل داعش في صفوفهم، والأخطر منع تحول بعضهم إلى ذئاب وحيدة.
ولقد تبنى الاتحاد الأوروبي استراتيجية لمكافحة هذا الاتجاه على المحور الفكري والإعلامي، ولكن المشكلة الأساسية هنا هي أن التشددية تتغلغل تحت تأثير الاغتراب الاجتماعي وصعود الشعبوية ومعها العداء للمهاجرين، الأمر الذي يعني أن السياسات الفكرية في حاجه لسياسات اجتماعية مرافقة تستأصل جذور الاغتراب.
ويتصل العامل الثاني بدخول الإرهاب الدولي في مرحلة تراجع تاريخي، في سياق تطوراته منذ مطلع القرن الجديد. وفقا لأرقام «قاعدة بيانات الإرهاب العالمية» مر الإرهاب العالمي بأربع مراحل متتالية.
مرحله صعود 2002 – 2007 ارتفع فيها عدد الاعتداءات من 1333 إلى 3242، والقتلى من 4805 إلى 12854.
وتلتها مرحلة هبوط 2008 -2011، انخفض فيها القتلى إلى 8246 لكن ارتفع عدد الاعتداءات إلى 5076.
ثم جاءت مرحلة صعود 2012 -2014، ارتفع فيها عدد القتلى من15497 إلى 44490، والاعتداءات من 8522 إلى 16903.
وفي المرحلة الرابعة والأخيرة 2015 – 2017، هبطت أعداد القتلى من 38853 إلى 26445، والاعتداءات من 14965 إلى 10900.
ويمكن رصد نفس المراحل في الإرهاب الذي تعرضت له أوروبا، لكننا سنهتم فقط بالمرحلة الرابعة والأخيرة. وصل عدد الاعتداءات المكتملة والفاشلة والمجهضة عام 2015 إلى 193، انخفض في العام التالي إلى 142، وارتفع في عام 2017 إلى 205، ولكنه في ارتفاعه ظل قريبا من مستوى 2015، وأقل كثيرا من مستوى 2014 وهو 256، والأهم انخفاض القتلى إلى 81 و كان 168 في 2016. ومن المتوقع وفقا للنيويورك تايمز أن تكون نسبة 2018 حوالي 20 قتيلا. وهذا التراجع الأوروبي الحاد في الموجة الرابعة، سنجد تفسيره في التحولات في الشرق الأوسط أي تصفية داعش والتهدئة السياسية في العراق وسوريا، وبالتالي انحسار اختراقات الإرهاب المسلح المسؤول عن اغلب الاعتداءات الإرهابية والضحايا.
ويترتب على العامل الثاني نتيجة واضحة وهي أن الإرهاب المتشدد في الشرق الأوسط هو المنبع الأساسي للإرهاب في أوروبا خلال العقدين الأخيرين، وأن دخوله في مرحلة انحسار يقود بالضرورة إلى انحسار في الإرهاب في أوروبا. ويمكن للقائمين على هذه المنظمات أن يخططوا لنقل أعمالهم إلى أوروبا وان يحققوا نجاحات. ولكن هذا النجاح سيكون محدودا بالضرورة لندرة الموارد، والأخطر ستكون تكلفته باهظة لغياب السياقات الداعمة والحامية.