الأيديولوجيا هي الأسبق وحجر الأساس في بنية الإرهاب

طارق الحريري –

لا تغيب الأيديولوجيا عن أي نوع من الإرهاب فأي عمل إجرامي لا تحركه منظومة أفكار ومفاهيم ينحصر جنائيا في عالم الجريمة العادية مهما بلغت قوة إيذائه وفي الحالة الأوروبية مثال ثاقب يفصل بين الإجرام والإرهاب

تزايدت بدرجة ملحوظة في العقود الأخيرة حركات الإسلام السياسي التي تجنح إلى العنف وتبني الإرهاب المسلح الذي اتخذ أشكالا متعددة من الممارسات الفتاكة اتصف فضاء القسوة فيها بالخروج عن المألوف إلى حد الوحشية وأردأ درجات الخسة عند نفي الآخر سواء كان هذا الآخر مسلما يختلف في المذهب أو الرأي والاجتهاد أو من ديانة أخرى وكلاهما يصنف في خانة الكفر، ما يعني التجاسر عليهم دون أدنى وازع من الشفقة أو الرحمة في سبيل إقامة دولة الخلافة والرضوخ لمفاهيم وأفكار تجاوزها التاريخ وانحسرت عنها الجغرافيا وقد تمدد نطاق عمل الإرهاب وانتشر ليشمل دول أوروبا وجنوب شرق آسيا والولايات المتحدة وقد زادت في السنوات الأخيرة وتيرة العمليات الإرهابية في كثير من الدول الأوروبية التي تحوي جاليات مسلمة تنعم بحماية من حكوماتها رغم تشدد بعض هذه الجاليات ودعاتها.
تطورت أساليب ممارسة الإرهاب في أوروبا من تجنيد خلايا يتم إعدادها عقائديا وعسكريا بعد عمليات تدريب في مناطق خاضعة لسيطرة الجماعات الإرهابية ثم يتم إرسالها بتكليفات لتنفيذ مهام في مواقع تم الاتفاق عليها وبمرور الوقت نجحت أجهزة الاستخبارات في إطار من التعاون بين الدول الأوروبية ومن خارج القارة العجوز في تحقيق عمليات اختراق حجمت من قدرات التنظيمات الإرهابية وقلصت جهودها وفرصها.
لكن عناصر أخرى للإرهاب استجدت على هذه الساحة السوداء تمثلت في عناصر فردية تعمل بتوجيه مباشر من التنظيمات الإرهابية وهذا هو الأغلب بدافع شخصي من أفراد يعتنقون الفكر المتطرف للتنظيمات الإرهابية وتوجهات بيئة عريضة من الدعاة المتشددين ومن ثم كان المنطقي بعد اكتشاف هذه الظاهرة أن يصك لها مصطلحا استقر على تسمية «الذئاب المنفردة».
لا تقتصر الذئاب المنفردة على البعد الفردي لعناصرها فمن الممكن أن تتكون من أكثر من عنصر وتعتمد الذئاب المنفردة لوجستيا في جلب احتياجاتها على التمويل الذاتي دون أن تثير ريبة أجهزة الأمن وإمعانا في التمويه على هذه الأجهزة يتبعون أسلوب التقية فهم حليقو الذقن ولا يترددون على المساجد ويحصلون على المواد الكيماوية التي تدخل في صناعة المتفجرات من السوق المحلي على مراحل زمنية متفاوتة ومن أكثر من مكان ويمكن أن يرتادوا الملاهي الليلية والمرحلة العمرية السائدة لهذه العناصر من الشباب ونسبيا الأكثرية منهم ذوو أصول عربية من المقيمين أساسا في الدول الأوروبية، وقد نشأ هذا النوع من العمليات كرد فعل لمواجهة سقوط الكثير من القيادات الميدانية للتنظيمات الإرهابية وعدم القدرة على إحلال أجيال جديدة بعد توجيه ضربات قاصمة لقواعد الإرهابيين خارج أوروبا وللتغلب على مشاكل نقص التمويل، وأظهر تقرير صادر عن المركز الدولي لمكافحة الإرهاب في لاهاي أن منظومة الإرهاب انتقلت إلى لامركزية عملياتية انعكست في ظاهرة الذئاب المنفردة ومن المعروف إن أخطر العوامل التي أثمرت هذه الظاهرة هي شبكة الإنترنت التي فتحت نافذة متاحة بصفة دائمة تستهدف الشباب في المجتمعات الغربية من خلال التواصل مع الأشخاص القابلين للتأثر بفكر التنظيمات الإرهابية ومن أجل تعزيز هذا الدور في أوروبا أنشأت هذه التنظيمات مواقع باللغات الألمانية والفرنسية والأسبانية ومن قبل بالطبع الإنجليزية ورغم اتباع اجراءات التقصي السيبرانية أدى إلى توفر الكثير من المعلومات من خلال المراقبة والمتابعة إلا أن التكتيكات المضادة المتبعة من الذئاب المنفردة ومن يماثلهم تعتمد على ايقاف الاتصالات قبل فترة التنفيذ وإيقاف اتصالات الهواتف وغلق الحسابات مثل الفيس بوك وتويتر على شبكات التواصل الاجتماعي.
لكن في مرحلة تالية ظهرت في أفق أنشطة الجماعات الإرهابية وتحديدا من داعش تهديدات تعكس مرحلة جديدة محتملة في إدارة وتنشيط العمليات على الأرض في أوروبا اعتمادا على نوع مستحدث من خلايا ذات قدرات نوعية تفوق في تأثيرها الذئاب المنفردة تستمد قوة دفعها من الأفراد الأجانب الذين ينخرطون في تنظيم داعش وتحديدا من مجموعة في هيكل التنظيم يطلق عليها تسمية الفيلق وهي وحدة النخبة من المجندين الغربيين الذين يتولون بدورهم تجنيد الأوروبيين والأجانب من غير الأصول العربية للالتحاق بداعش من خلال تدربيهم ميدانيا أو باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي والتطبيقات المشفرة لشن هجمات تخريبية ولقد تعرضت وحدة النخبة من أجانب هذا الفيلق إلى خسائر كبيرة أثناء القضاء على التنظيم في سوريا إلا أنها في واقع الأمر لم تتم تصفيتها تماما ولا زالت لها فلول نشطة.
تبعا لصحيفة «ذى صن» اكتشف عند العثور على وثائق خلفتها عناصر داعش في أرض المعركة في سوريا بعد هزيمتها مصطلح جديد يعكس تطور منهجي مبتكر في أساليب التنظيم- طبقا لما صكته داعش نفسها في هذه الوثائق – هذا المصطلح هو «خلايا التماسيح» وقد ربطت المخابرات البريطانية بين ما أفشت به وثائق داعش وقائد الجماعة المتطرفة التي نفذت الهجوم الدامي في سريلانكا إذ كشفت التحريات أنه قام بعمليته بناء على أوامر تلقاها من إرهابيين بريطانيين متواجدين في سوريا بمن فيهم الداعشي المعروف باسم «جون» أحد قيادات وحدة النخبة الأجنبية المسماة بالفيلق لذلك انصب اهتمام خبراء الأجهزة الأمنية بنتائج التحليلات الاستخباراتية تحسبا لوقوع حوادث مشابهة لتلك التي زلزلت سريلانكا بعد أن سعت داعش لتطوير استراتيجية عملياتها الإرهابية في أعقاب اندحارها في كل من العراق وسوريا وتبنى التنظيم مبدأ الاعتماد بصفة أساسية على المنتسبين الموجودين في خلايا نائمة منتشرة حول العالم.
خلايا التماسيح محاولة لاستعادة قوة تأثير العمليات الإرهابية بتطوير العمل الفردي الذي ينحسر في إطلاق النار بشكل عشوائي أو القيام بتفجيرات أغلبها بدائي والانتقال للاعتماد على خلايا قادرة لتنفيذ مهام على نطاق واسع لأن التوقف عند مرحلة الذئاب المنفردة سوف يؤدي إلى تناقص قوة الدفع العملياتي على الأرض بمرور الوقت والتنظيمات كداعش تحاول أن تنفذ عمليات كبيرة تستعيد بها الروح المعنوية لفلولها المنهزمة في سوريا والعراق وقرب القضاء المبرم فلولها في شمال سيناء ويولي التنظيم اهتماما خاصا للعمليات الإرهابية في أوروبا تحديدا لعدة أسباب يمكن إجمالها في التالي:
أولا: محاولة الانتقام من مشاركة الدول الأوروبية في محاصرة التنظيم والتضييق عليه لوجستيا في الجوانب المالية والحصول على السلاح ومحاولة تجنيد عناصر جديدة .
ثانيا: الثأر من قيام الأوروبيين بالهجوم عسكريا على داعش من خلال عمليات القصف التي نفذها طيران التحالف ودعم القوات التي حاربت داعش على الأرض.
ثالثا: تجد العمليات التي تنفذ في أوروبا صدى أوسع عالميا في وسائل الإعلام التي يحرص التنظيم على أن يظل موجودا في فضائها.
لا تغيب الأيديولوجيا عن أي نوع من الإرهاب فأي عمل إجرامي لا تحركه منظومة أفكار ومفاهيم ينحصر جنائيا في عالم الجريمة العادية مهما بلغت قوة إيذائه وفي الحالة الأوروبية مثال ثاقب يفصل بين الإجرام والإرهاب فعلى سبيل المثال توصلت الدراسات إلى أن منفذي الإرهاب في أوروبا لم يكن العنف جديدا عليهم لأن 57 % منهم هم من ذوي ماض إجرامي ولهم سجلات لدى الشرطة، لكنهم لم يكونوا يصنفون كإرهابيين إلا بعد التحاقهم بداعش أو ما شابهها وبصفة عامة كان 92 %من إرهابيي أوروبا من المتأثرين بفكر داعش أو ذوي صلة مبهمة بالتنظيم أو من الذين تصرفوا بمفردهم استلهام الدعاية الإرهابيين أما 8 % الباقون فقد نفذوا عملياتهم بأوامر وتحريض مباشر من داعش ومن هذه الإحصائيات يظهر جليا أن الأيديولوجيا التي يتبناها داعش والقاعدة وغيرهما سوف تبقى حجر الأساس في بنية الإرهاب وإن اختلفت المسميات ذئاب منفردة أو خلايا التماسيح.