ترامب في مواجهة آبي.. نهاية لعبة التجارة

إدوارد أولدين – نيكاي آيشان ريفيو ومجلس العلاقات الخارجية – ترجمة قاسم مكي –

وسط كل الجعجعة وعبارات الإلهاء ظل هناك دائما زعم واحد في قلب السياسة التجارية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب. فهو في مقدوره إبرام صفقات أفضل للولايات المتحدة من تلك التي تفاوض بشأنها من سبقوه في سدة الرئاسة. إنه، حسب هذا الزعم أيضا، سيستخدم قوة الولايات المتحدة في مفاوضات منفردة مع أكبر الشركاء التجاريين لبلاده لانتزاع تنازلات كان الرؤساء الآخرون أعجز من أن يطالبوا بها.
والآن، بعد انقضاء أكثر من عامين ونصف من فترة رئاسية أبدى فيها الكونجرس والشركات الأمريكية صبرا غير عادي على ترامب حتى يفي بوعده من الواضح أنه لم يستطع تغيير قوانين «فيزياء» التفاوض التجاري. فالمفاوضات أحادية الجانب من ذلك النوع الذي يفضله غالبا ما ستفشل لأنها أحادية الجانب.
لم يكن هذا أشد وضوحا كما في حال العلاقة التجارية للولايات المتحدة مع اليابان. فلا يوجد زعيم آخر بذل أكثر مما بذله رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي لإرضاء دونالد ترامب والسماح له بادعاء تحقيقه انتصارات في قضية التجارة. فحين فرضت الولايات المتحدة رسوما جمركية على واردات الصلب والألمونيوم في مارس 2018 كانت اليابان أكبر شريك تجاري لها من بين البلدان القليلة التي لم ترد بالمثل. بل مضت إلى أبعد من ذلك باتباع خطى الولايات المتحدة في حظر شركة هاواوي الصينية من الدخول في عطاءات عقود مستقبلية. حدث ذلك في حين لجأت إلى المراوغة بلدان مثل ألمانيا وبريطانيا وكندا وغيرها. كما قبلت اليابان بطلب ترامب ابتدار المفاوضات التجارية الثنائية مع الولايات المتحدة على الرغم من تفضيلها الشديد لعقد اتفاقيات تجارية إقليمية ودولية.
لكن ليس لدى الشركات الأمريكية والمزارعين الأمريكيين شيء يقدمونه في مقابل هذه المبادرات اليابانية. بل بدلا عن ذلك وبسبب قرار ترامب في العام الماضي بالانسحاب من الاتفاقية التجارية لشراكة «عبر المحيط الهادي» بزعم أنه يمكنه الحصول على اتفاقيات ثنائية أفضل يخسر المزارعون الأمريكيون بسرعة حصة سوقية في اليابان.
فمع خروج الولايات المتحدة من الشراكة عبر المحيط الهادي ودخول اتفاق الشراكة الاقتصادية بين اليابان والاتحاد الأوروبي حيز التنفيذ في الأول من فبراير تحصل بلدان أخرى الآن على حصة سوقية من الولايات المتحدة. ففرنسا وإيطاليا وأستراليا وشيلي تستولي على مبيعات النبيذ من منتجي كاليفورنيا والتي لاتزال تواجه رسما جمركيا بنسبة 15% في اليابان. كما ارتفع حجم واردات لحم الخنزير اليابانية من الاتحاد الأوروبي وكندا والمكسيك فيما في المقابل تتدهور المبيعات الأمريكية. وتخلي صادرات لحوم الأبقار المجال لكندا ونيوزيلندا واستراليا. وتشمل الصادرات الأمريكية الخاسرة الأخرى القمح ومنتجات الألبان وتشكيلة من صادرات الفواكه والخضروات.
أوضحت قمة آبي – ترامب في واشنطن مؤخرا كيف أن ترامب دفع بالسياسة التجارية الأمريكية إلى طريق مسدود. فبعد أن تركت الولايات المتحدة «شراكة عبر المحيط الهادي» تريد الآن عقد اتفاق ثنائي سريع توافق بموجبه اليابان على خفض الرسوم الجمركية ويجعل المزارعين الأمريكيين مرة أخرى على قدم المساواة مع أوروبا وبلدان شراكة عبر المحيط الهادي. لكن إدارة ترامب رفضت تقديم أية مبادرات تجارية في المقابل.
من جانبه، أبلغ السفير الأمريكي في واشنطن ويليام هاجيرتي الفاينانشال تايمز أن هدف المفاوضات هو «تحقيق علاقة أكثر تبادلية مع اليابان». هذه هي شفرة إدارة ترامب للاتفاق أحادي الاتجاه. سيضع ذلك آبي في موقف «مستحيل سياسيا» يتمثل في محاولة إقناع الجمهور الياباني بقبول اتفاق أحادي الجانب. وهذا شيء غالبا ما سيرفضه قبل الانتخابات البرلمانية في يوليو ومن المحتمل أن يرفضه بعدها كذلك.
كان آبي قادرا على أن يقدم للولايات المتحدة فرصة تاريخية للنفاذ إلى السوق الزراعية في شراكة عبر المحيط الهادي لأن مفاوضاتها كانت مفاوضات «أخذ وعطاء» تقليدية وازنت فيها الولايات المتحدة تنازلات اليابان بفتح سوقها للمزيد من صادرات السيارات اليابانية. وعلى نحو شبيه بذلك ستتقلص الرسوم الجمركية على السيارات اليابانية في اتفاق الاتحاد الأوروبي من 10% إلى صفر % خلال 10 سنوات. وكان ترامب يرى أن الولايات المتحدة إذا، فقط، شددت من ضغطها يمكن أن تفوز بتنازلات من دون أن يتوجب عليها تقديم تنازلات من جانبها. لكن حتى الآن لا يوجد شريك مطيع لها مثل اليابان على استعداد للقبول بذلك.
لا يبدو سجل ترامب عموما حول التجارة أفضل حالا. لقد تمكنت الإدارة الأمريكية في الاتفاقية الجديدة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا من إجبار جارتيها على تقديم بعض التنازلات التي كانتا تفضلان عدم تقديمها. لكن الكونجرس الذي يهيمن عليه الديموقراطيون لم يبت بشأن تلك الاتفاقية حتى الآن. كما أن المكسيك وكندا غير راغبتين في التصديق عليها ما لم ترفع الولايات المتحدة رسومها الجمركية المفروضة على الصلب والألمونيوم.
كما تدخل الآن الولايات المتحدة مع الاتحاد الأوروبي في مفاوضات ثنائية جديدة. لكن بروكسل رفضت إدراج الزراعة في هذه المفاوضات ما لم تفعل الولايات المتحدة شيئا حول قضايا أخرى مثل قيودها على المشتريات الحكومية المعروفة باسم «باي أمريكا» أو اشترِ المنتجات الأمريكية.
«الانتصار» التجاري الوحيد الذي حققته سياسة ترامب حتى الآن هو مع كوريا الجنوبية. فتحت ضغط الولايات المتحدة، وافقت في العام الماضي على حصة من صادرات الصلب وأفسحت مجالا جديدا ومتواضعا لصادرات السيارات الأمريكية كما سمحت للولايات المتحدة بالإبقاء على رسمها الجمركي بنسبة 25% على الشاحنات الخفيفة لعقدين آخرين (20 عاما) بعد انقضاء فترة الاتفاق التي سبق التفاوض حوله مع إدارة أوباما.
سيقول مؤيدو ترامب بأن اللعبة لم تنته بعد. فالمفاوضات التجارية الأوسع نطاقا مع الصين لا تزال قائمة وربما تحقق نتائج هامة. ويمكن أيضا أن يفضل ترامب زيادة الضغط على اليابان والاتحاد الأوروبي. إذ عليه أن يقرر بحلول منتصف مايو إذا ما كان يلزمه فرض رسوم جمركية جديدة على واردات السيارات في أعقاب تحقيق تم بموجب البند 232. وهو نفس النص القانوني الذي استخدم في حالة واردات الصلب. لكن ترامب تلكأ في فرض الرسوم لنفس السبب الذي دفعه إلى التراجع في مايو ولم يفرض رسوما إضافية على الواردات الصينية. إن الأسواق المالية الأمريكية تكره الحروب التجارية والرئيس ترامب الآن في بداية حملة إعادة انتخابه ويشكل الاقتصاد الأمريكي القوي أفضل ورقة له في هذا الصدد.
من المقرر أن يجتمع ترامب مرتين مع آبي خلال الشهر الحالي والقادم أولا في أثناء زيارة الدولة إلى طوكيو في مايو ثم مرة أخرى في يونيو لحضور قمة العشرين في أوساكا. ربما أن آبي سيتراجع في محاولة أخرى لتهدئة الرئيس فيما يخص موضوع التجارة. والمرجح أكثر أن قوانين فيزياء التجارة ستفوز. فاتفاقيات التجارة تنطوي دائما على شيء من التوازن في التنازلات لأن ذلك يمثل الضرورة السياسية لعقد أية اتفاقيات. العبارة التي كان يسهل على أي مفاوض تجاري أمريكي التلفظ بها على مدى عقود هي «عدم التوصل إلى اتفاق أفضل من الاتفاق السيئ». لقد اتضح أن البلدان الأخرى لديها نفس هذا الاعتقاد.