المرجعيات.. خط رجعة لتعزيز المواقف

أحمد بن سالم الفلاحي –
هل يصدمنا مصطلح الـ«مرجعيات» بتجريديته المنسلة من ذلك التاريخ البعيد؟
أم يعيد إلينا الرغبة في التفكير فيه من جديد؛ على أن مفهوما: علميا، إنسانيا، حياتيا، ظرفيا، يمكن توظيفه والاستفادة منه؟
لماذا ينتابنا شعور بالفخر؛ أحيانا؛ عندما نعرف أن هناك «مرجعية» يمكن الرجوع إليها لأي موضوع من موضوعات الحياة، أو يبعث فينا الاطمئنان، أحيانا أخرى؟
إلى أي حد تشكل الـ «مرجعيات» أهمية خاصة في أجندة كثير من الناس، خاصة فئة «النخب»؛ هل لأنها تنحو منحى تموضع المعرفة الأصيلة، أو الحقيقية؟
وماذا عن العامة من الناس؛ هل تكفيهم الـ «مرجعيات المتمثلة في أشخاص بعينهم؟
في أغلب الأحوال يظهر مصطلح الـ «مرجعيات الدينية» أكثر من غيره شيوعا بين الناس، وتتجاوز الثقافة العامة الـ «مرجعيات» الأخرى: السياسية، الاقتصادية، الثقافية، الاجتماعية، هل لأن هذه العناوين؛ في فهم آخر؛ ليست بتلك القوة حتى تكتسب مفهوم الـ «مرجعيات»؟
أسئلة كثيرة تحاول أن تفرض نفسها عند الرغبة في الحديث عن شيء اسمه الـ «مرجعيات» ذلك لأن المصطلح دسم، ونخبوي، ومن يتبناه ينظر إليه بشيء من الإكبار؛ ربما؛ ومع ذلك فهو مصطلح مخيف، وليس يسيرا الخوض فيه، ومن يتبنى الاقتراب منه، عليه أن يحيط بكثير من حيثياته ومعانيه، وأن لا يسلمه لزاوية وحيدة في الحياة، وإن تسلمه بذات الصفة والتقييم، لأن الواقع في كثير من مناخاته يراكم المعارف والمصطلحات، ولا يبحث فيها إلا عندما تلزمه الضرورة إلى ذلك، وهي إما ضروريات البحث في المعرفة، أو ضروريات تقلد المناصب في ذات موقع المصطلح، فالباحث، والمفتي، والمحاضر، والقانوني، والمنظر الاجتماعي، لن يصلوا إلى هذه المواقع إلا وهم على دراية تامة بذات الصفة التي يتصفون بها في مواقعهم التي يواجهون بها الآخرين، وإلا صنفوا في قائمة الجهال، إذ لا يعقل أن يتبنى الفرد صفة، وهو لا يدرك حيثياتها ومعانيها، وما تذهب إليه من توصيل رسائل معبرة عن حقيقتها المعرفية، والتاريخية، فقد لعب التاريخ الإنساني في تأصيل الـ «مرجعيات» وإعطائها الهالة التي تصل إلى القداسة؛ في بعض الأحوال، وخاصة الدينية منها، فالبعد التاريخي أصل مفهوم المرجعيات، ووضعها في موقع الخلاصة النهائية في كل ما يمكن القول فيه، أو الاجتهاد فيه، لذات الموضع الذي تعنونه الـ «مرجعية» دينية كانت، أو سياسية، أو اقتصادية، أو ثقافية، أو اجتماعية.
والسؤال أيضا: لماذا وجود الـ «مرجعيات» أصلا؛ هل لأن الأفراد لا يستغنون عن «مرجع» في أي شأن من شؤون حياتهم اليومية؟ يذهب التقييم هنا أكثر إلى أنه ينظر إلى الـ «مرجعيات» – أيا كان عنوانها أو تخصصها -على أنها نوع من المناخات الآمنة لتعزيز المواقف، أو الرؤى، أو الأفكار المستحدثة، لأنها تحتوي على «حمولة» معرفية أصيلة؛ كما يفترض؛ وبذلك فغالبا ما تكون الـ «مرجعيات» خط رجعة قبل اتخاذ المواقف النهائية، ومن هنا اكتسب قادتها الأهمية الكبرى، والمساحة الأوسع من اهتمام الناس بهم في الحياة العامة، والخاصة، بل ووصل الأمر إلى أكثر من ذلك من حيث التبجيل والتقديس، وخاصة عند الشعوب التي يتضاءل فيها الوعي الجمعي، ولا يكون للاستقلال الفردي نصيب واضح يمكنه من الاعتماد على نفسه في استجلاب المعرفة، ولعل الزمن الحاضر أكثر نصيبا في التحرر من كثير من الـ «مرجعيات» لوجود العلوم الحديثة المتاحة في كل شؤون الحياة العامة، ولذلك نظر إلى التسلسل التاريخي في التغذية الراجعة في ممارسة الـ «مرجعيات» على أنها منهج في حياة المجتمعات الإنسانية، واستوعبه العامة من الناس على أنه كذلك، ولا يصح التفريط فيه، بل أنزل الخروج عنه، على أنه يدخل ضمن الحلال والحرام، وهذه مسألة خطيرة في بينونة الوعي الجمعي عند الناس عموما، وذلك عندما تسلل الوعي لدى البعض في شأن الـ «مرجعيات» تصادم مباشرة مع مناهجها التقليدية، فقد عد ذلك خروجا عن الطاعة.
تمثل الـ «مرجعيات» الدينية أكثر حضورا في المجتمعات المختلفة، وهذا أمر ملموس، لا جدال حوله، حيث يقطف البعد الديني ثمار المرجعيات، أكثر من غيره، وربما قد يعلل البعض على أن المسألة الدينية تسود حياة الناس على كثير من مسائل الحياة الأخرى ومناخاتها، ولو أن المسألة الدينية تحاط بشروط قاسية وكثيرة، ليس يسيرا تجاوزها أيضا، ولكن مع ذلك يظل الاطمئنان إلى الـ «مرجعيات» الدينية أكثر من غيرها، ولعل في ذلك تلبية لنداءات الفطرة الإنسانية التي ترتكن إلى كل ما هو «ديني» وتطمئن إليه أكثر، خاصة إذا علمنا أن المسألة الدينية هي أول المسائل التي علقت في أذهان الناس بعد الطعام والشراب، وأخذت اهتماما خاصا عند العامة والخاصة سواء بسواء، وانعكاسا لهذا الاهتمام لعبت الـ «مرجعيات» الدينية دورا خاصة في حياة الناس في تأصيل الفكر الإنساني؛ ولا تزال؛ تحظى بذات الاهتمام.
يحتل البعد السياسي الأهمية الثانية في شأن تنظيم حياة الناس، ولذلك شكلت الـ «مرجعيات» السياسية أهمية أخرى في النظم السياسية، وعد من ينضوي تحت العباءة السياسية من النخب السياسية على أنه مرجعية مهمة، وتحظى بالتقدير والتبجيل، حيث تتيح له الـ «مرجعيات» السياسية القدرة على توجيه البوصلة ذات اليمين، أو ذات الشمال، وصنف اجتماعيا من النخب، وهذه الصورة أيضا ليست حديثة العهد، حيث نعايشها «مفاهيميا» طوال سنوات العمر، ولعل صورها تتعزز أكثر، وتستوعب أكثر، كلما قطعنا شوطا مكتسبا في هذا العمر، الذي يمتد إلى عشرات السنين، وتأتي أحداث العالم من حولنا لتؤصل فينا مختلف القناعات في شأن الـ «مرجعيات» السياسية التي تسير العالم وفق مرئياتها الخاصة أكثر، وهذا ما يضع فروقا جوهرية بين الـ «مرجعيات» الدينية، و الـ «مرجعيات» السياسية، فالمصلحة حاضرة في الثانية بشكل واضح، ونادرة في الأولى بشكل واضح أيضا،
وهنا أرجع إلى عبارة جميلة وواقعية أنقلها للقارئ الكريم عن الباحث (مايكل جونستون) من كتابه: متلازمات الفساد (الثروة والسلطة والديمقراطية) حيث يقول: «إن المجتمع المدني أيضا مستعمر من قبل الفصائل النخبوية، وأحزابها السياسية، أو تمزقه التقسيمات الإقليمية، أو العرقية أو غيرها التي تجمع بين كونها عميقة الجذور وذات استخدامات سياسية بين النخب الراغبة بتفريق مجموعات المعارضة المحتملة لإبقائها تحت السيطرة».
والسؤال المهم أيضا والذي يستلزم طرحه في هذه المناقشة هو: لماذا لم تستطع الدولة المدنية أن تتجاوز تأثير الـ «مرجعيات» على حياة الناس وسلوكياتهم، حيث لا زالت تعيش في مناخاتها التقليدية؟
فأيا كان عنوان هذه الـ «مرجعيات» كما سبق ذكره، تبقى الممارسة التقليدية لها هي المنهج الذي يطبق، وليست ضروريات الحياة واستحقاقاتها، وحاجيات الناس فيها، ولو ضربنا مثالا بـ «المرجعية السياسية» فالضرورة تقول: يجب أن يحصل كل الناس على الحرية، والأمان، والعيش بسلام، والغذاء والدواء، والرعاية الاجتماعية الشاملة في كل بقعة من بقاع العالم بلا استثناء، وهذه كلها نداءات أصيلة في كل منظمات الأمم المتحدة، ولكن عندما تقيس هذه الصورة على الواقع، فإن هذا الواقع يصدمك بالمآسي التي تعيشها الإنسانية، فكل من تتحقق عنده هذه الاستحقاقات الضرورية للبقاء لا يمثلون ثلث العالم، والبقية الباقية تعيش كل ما يمكن أن يطلق عليه مأساة إنسانية، مع أن منظمات الأمم المتحدة؛ حسب الفهم العام؛ تلعب دور الـ «مرجعيات» كل في سياق التخصص المعنون بها لأنها تمارس دور الحكم في ذات القضايا التي تتخذها عنوانا لها، وتمارس ضغوطا غير منكورة لتوجيه البوصلة نحو توجيه الدول، وفي المقابل الدول أيضا تتخذها «مرجعيات» عندما تضع قضاياها ومشاكلها على طاولة هذه المنظمات لمناقشتها ووضع القول الفصل فيها. أختم هنا؛ بالقول: مفهوم الـ «مرجعيات» لا يجب أن ينظر إليه على أنه مفهوم «نخبوي» محض، وأن تتبناه النخب لتحقيق مآرب خاصة، وإنما هو مفهوم يمكن القياس عليه في كل مستويات الحياة التي نعيشها، بعناوينها الكثيرة، ولكن الناس اعتادوا أن يتخذوا الـ «مرجعيات» كما قلت لتعزيز المواقف، وربما من جانب آخر للتنصل من المسؤوليات المباشرة، فالحياة بها عناوين كثيرة، وثقيلة، ومعقدة، وبالتالي متى وجدت مرجعية ما، كان ذلك أقرب إلى التخلص من مسؤوليات هذه العناوين مجتمعة.