«رسالة النبي الكريم إلى «طهفة بن أبى زهير النهدى» «متحدين مترابطين متحابين.. وعظماء الخلق»

إعـــــــداد: مـــــــيرفت عزت –

يذكر الدكتور مصطفى الشكعة، في كتاب «البيان المحمدي»، هم بنو نهد بن زيد بن ربيعة بن سود بن أسلم بن ألحافي بن قضاعة، هاجروا من اليمن إلى حضرموت ولم يعرف بالضبط تاريخ هجرتهم. وتعد قبيلة نهد من أهم قبائل جنوب الجزيرة العربية منذ عصور ما قبل الإسلام، وحتى وقتنا الراهن جاء في الاشتقاق عند الحديث عن قضاعة : منهم بنو نهد بطن عظيم، والنهد في اللغة : العظيم الخلق من الناس والخيل، يقال فرس نهد، ورجل نهد، ويقال نهد القوم بعضهم إلى بعض إذا نهضوا للحرب أو غيرهــا، حيث تاريخ نهد عريق يبدأ منذ عصور الجاهلية. وشاركت نهد في أحداث التاريخ الإسلامي، فقد ذكر كثير من رجالها في قوائم الصحابة والتابعين، ومن المحتمل أنهم جاءوا إلى حضرموت في عهد ازدهار الدولة الحميرية، وسكنوا في كسر قشاقش، وكانوا وحدة لا تتجزأ وعروة لا تنفصم، كانوا متحدين مترابطين متحابين لدرجة التعصب، وكانوا أهل قوة ومنعة، وكانت الهضبة الواقعة في جنوب الفوهة والتي على مقربة من مدينة العروض معقلاً يرابطون فيه لصد غارات القبائل التي تأتي من أنحاء اليمن، وقد دحروا عدة قبائل كانت أرادت الهجوم على حضرموت وكسروها هنالك كما كانت المخينيق الواقعة بين حورة والعجلانية معقلاً آخر من الناحية الشرقية، وكانت بلادهم من العجلانية إلى العروض، ومن الخماس إلى أعلى حدود سدبة حدائق غناء، ومزارع خضراء لا يرى السائر فيها من جبل شراح إلى جبل حورة لكثرة النخل والكرم وأشجار السدر. وكانت حاصلات أرضهم وافرة تزيد من حاجتهم، ولذلك كانوا يرسلون كثيراً منها للبيع، ولم يكن هناك حاكم عام يخضعون لأوامره ويلجئون إليه في حل مشاكلهم ومشاغباتهم، بل كان لكل قبيلة واحد يتحاكمون إليه فيما شجر بينهم، وما أحتدم من نزاع أو خصام.
ثم اجتمعت كلمة نهد والجعدة على إيجاد حاكم منهم يدبر شئونهم العامة ويصلح أمورهم، ويقيم بينهم العدل وينشر السلام، فجعلوا ثابت بن محمد النهدي حاكماً عليهم، وهو أول حاكم نهدي خضعت له جميع قبائل نهد والجعدة.
يضيف الدكتور مصطفى الشكعة، وقد وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم طهفة بن زهير النهدى زعيم بنى نهد، بعد أن أسلم ومعه وفد من قومه النهديين فوقف بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم وألقى خطبة نيابة عن قومه في لغة وإن تكن سليمة البناء إلا أنها تطرق سمع الغريب عن جنوب تهامة كأنها لغة أخرى، لما تشتمل عليه من ألفاظ غريبة ومسميات غير معروفة ولا مأنوسة. قال طهفة طبقا لما رواه الصحابيان الجليلان عمران بن حصين، وحذيفة بن اليمان: «أتيناك يا رسول الله، من غورى تهامة، بأكوار الميس، ترتمى بنا العيس، نستحلب الصبير، ونستخلب الخبير، ونستعضد البرير، ونستخيل الرهام، ونستحيل أو نستجيل الجهام، في أرض غائلة النطا، غليظة الموطا، قد نشف المدهن ويبس الجعثن وسقط الأملوج، ومات العسلوج، وهلك الهدي، ومات الودي، برئنا يا رسول الله من الوثن والعنن، وما يحدث الزمن، لنا دعوة السلام وشريعة الإسلام، ما طما البحر وقام تعار، ولنا نعم همل أغفال ما تبض ببلال، ووقير كثير الرسل قليل الرسل، أصابتها سنة حمراء مؤزلة، ليس لها علل ولا نهل».
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم بارك لهم في محضها ومخضها، ومذقها وفرقها، وأبعث راعيها في الدثر بيانع الثمر، وافجر لهم الثمد، وبارك لهم في المال والولد، من أقام الصلاة كان مسلما، ومن آتى الزكاة كان محسنا، ومن شهد أن لا إله إلا الله كان مخلصا. لكم يا بنى نهد ودائعُ الشرك ووضائعُ الملك، لا نلطط في الزكاة، ولا نُلحد في الحياة، ولا نتثاقل عن الصلاة!».
لقد استمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خطاب طهفة برحابة صدر وابتسامة ثغر، ولم يقف الأمر برسول الله عند تزويد طهفة بكتاب إلى قومه النهديين، ولكنه دعا لطهفة وقومه بلسان قبيلة بنى نهد مع استعمال ألفاظهم ونهج أسلوبهم، وقد قصد رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك أن يجاملهم، ذلك أن حديث المرء بلغة ضيفه يحسب من قبيل التحية وباب التكريم، هذا فضلا عن قدرة الرسول صلى الله عليه وسلم على أن يتحدث لغات العرب جميعاً بأفصح مما يتكلمها أصحابها.
أما وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لنهد على النحو النبيل الذي سلف نصه، فإنه يزيد القوم تكريما، ويحمل طهفة كتابا إلى بنى قومه، فيه نصح لهم وحسن توجيه، بنفس الأسلوب وعلى نفس النهج، يقول فيه: «من محمد رسول الله إلى بنى نهد بن زيد: السلام على من آمن بالله ورسوله، لكم يا بنى نهد، في الوظيفة الفريضة، ولكم العارض والفريش، وذو العنان الركوب، والفلو الضبيسُ، لا يمنع سرحكم، ولا يُعضد طلحكم، ولا يُحبس دركم، ولا يُوكل أكلكم، ما لم تضمروا الإماق وتأكلوا الرباق، من أقر بما في هذا الكتاب فله من رسول الله الوفاء بالعهد، والذمة، ومن أبى فعليه الربوة».

ويبدو أن طهفة كان من أوائل القادمين على رسول الله صلى الله عليه وسلم في عام الوفود، لأن على ابن أبى طالب- وكان حاضرا الحوار- أخذه التعجب فقال: يا رسول الله نراك تكلم وفود العرب بما لا نفهم أكثره ونحن بنو أب واحد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أدبني ربي فأحسن تأديبي وربيت في بني سعد».