وقفة مع ظاهرة التسول…

سالم بن سيف العبدلي –

ظاهرة التسول تعد من الظواهر الغريبة والدخيلة على مجتمعنا فهي لم تكن مألوفة من قبل إلا إنها بدأت في الانتشار مع مرور الوقت ومع تزايد عدد القوى العاملة الوافدة وبسبب القلاقل التي تعاني منها المنطقة، هذه الظاهرة أصبحت مزعجة ومزرية للجميع، حيث يستخدم بعض المتسولين طرقا ووسائل متعددة من أجل الحصول على المال ويستغل البعض منهم المناسبات الدينية من أجل أن ينال استعطاف الناس وتزداد هذه الظاهرة في شهر رمضان المبارك هذا الشهر الفضيل الذي تكثر فيه العطايا.
هناك العديد من الآثار الاجتماعية والأمنية والاقتصادية لظاهرة التسول وفي هذه الوقفة سوف نركز على الآثار الاقتصادية المترتبة على هذه الظاهرة خاصة إذا ما اتخذ بعض المتسولين هذا العمل كمهنة يتكسب منها لقمة عيشه، وبالتالي يصبح عالة على غيره وعلى مجتمعه بينما يركن هو إلى الدعة والكسل والراحة والخمول، هؤلاء المتسولون يكونوا عبئا على المجتمع وعلى الاقتصاد الوطني على اعتبار انهم يستهلكون ما يحصلون عليه دون مقابل ولا ينتجون شيئا يخدم المجتمع هذا من ناحية أما من ناحية أخرى فإن بعض المتسولين خاصة الوافدين يجمعون مبالغ طائلة يتم تحويلها إلى خارج البلد.
هناك عصابات متخصصة تقوم بتشغيل بعض هؤلاء المتسولين مقابل حصولهم على نسبة بسيطة من المال ونذكر قبل فترة وفي أحد الدول العربية قامت السلطات المختصة هناك بالقبض على متسول ووجد أنه يمتلك ملايين الدولارات جمع أغلبها من خلال تسوله ونصبه واحتياله على عامة الناس وهذا يؤكد أن بعض من امتهن هذه الحرفة الدنيئة يستفيد منها على المستوى الشخصي إلا أنه يضر بها المجتمع.
من يقوم بمهنة التسول إن جازت تسميتها بذلك فهو مستعد أن يبيع شرفه وكرامته من أجل الحصول على المال ومن هنا نعلم أن التسول ظاهرة مرفوضة فهي غير حضارية كما أنها منافية للفطرة والكرامة، ومخالفة لتعاليم الدين الإسلامي الحنيف، من هنا يجب أن تتضافر وتتكاتف كافة الجهود لعلاجها والتعامل معها بأسلوب علمي مدروس وبشكل صحيح للحد منها.
للتسوّل أسباب عديدة ومتنوعة إلا أنها في النهاية جميعها تهدف إلى الحصول على المال، ومع مرور الوقت قد يتحوّل التسوّل نفسه إلى دافع ومشجع للآخرين، وإذا وصل المتسوّل إلى حد الاكتفاء والإشباع أو ترقّى ليصبح من طبقة الأثرياء فيتحول إلى ممتهن للتسوّل مدى الحياة ومن أهم أسباب التسول الفقر الذي يدفع بعض الناس إلى التوجه إلى هذه الوسيلة من أجل الحصول على لقمة العيش أيضا الكسل والخمول، وعدم بذل الجهد العقلي والعضلي بامتهان عمل أو حرفة معينة، فيجد المتسوّل له مجالاً للحصول على المال اللازم دون تعب أو جهد يبذله.
وغالباً ما يكون المال المحصّل عليه من التسول أكثر بكثير مما لو اتخذ عملاً عضلياً أو عقلياً، ومن أسباب التسول الحروب التي تمر بها بعض الدول والتي أدت إلى تشرد أبنائها وهجرتهم إلى الخارج للبحث عن لقمة العيش، كما أن نقص العقل والإعاقة التي قد تدفع البعض إلى امتهان هذه المهنة وفي بعض الأحيان الأشخاص الذين يفقدون المعيل كاليتيم والأرملة قد يلجأون إلى هذه الطريقة من أجل الحصول على المال، إضافة إلى التربية الخاطئة في مرحلة الطفولة، وتعليم الأطفال على طلب الحاجة من الغير قد تكون سببا لدفع هؤلاء الأطفال للتسول ويمكن أيضا أن يتوارث هذه المهنة بعض الأبناء من آبائهم.
الإسلام وضع تشريعاً كاملاً وشاملاً لمختلف مناحي الحياة الإنسانية، من شأنه أن يقي الإنسان من جميع الظواهر السلبية الخاطئة ويعالجها إذا حدثت في الواقع المعاش، وجعله نموذجياً لمعالجة مشكلة الفقر والحرمان وما ينتج عنهما من ظواهر سلبية كالتسوّل وغيره، واعتبره منهجا اجتماعياً قائماً على أساس علاقات التراحم والتعاون والحث على العمل والكسب لقوله تعالى: (وَآيَةٌ لّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ * وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنّاتٍ مِن نّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ * لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ )الآية 33-35 سورة يس، ورسولنا الكريم يقول: «أفضل الكسب بيع مبرور، وعمل الرجل بيده» وقوله صل الله عليه وسلم: «إن الله تعالى يحبّ العبد المؤمن المحترف».
الإسلام يحث على العمل والاستغناء عن الآخرين، ونهى عن السؤال لقول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: «استعفوا عن السؤال ما استطعتم» كما أن الإسلام يشجع على الكفاف والقناعة وعدم الطمع ويدعو إلى الاكتفاء بما هو موجود من مال، وسيد البشرية عليه أفضل الصلاة والتسليم يقول: «طوبى لمنْ هُدِيَ إلى الإسلام وكان عيشه كفافاً وقنعَ به» وأخيرا فإن الإسلام فرض الزكاة واعتبرها ركنا أساسيا من أركان الإسلام لقوله سبحانه وتعالى في محكم كتابه العزيز: (إِنّمَا الصّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيم)الآية 60 من سورة التوبة وسوف يكون لنا وقفة قادمة عن الزكاة والصدقة من منظور اقتصادي.