هانز كنج والبحث عن عالمية الأخلاق

إميل أمين – كاتب مصري –
emileamen@gmail.com –

لعل المتأمل لحال العالم في حاضرات أيامنا يدرك إلى أي مدى تبدو هناك أزمة بل أزمات جوهرية، تكاد تسبب حالة من الاختناق المؤدي إلى الموت، أزمة اقتصاد عالمي، وأزمة بيئة عالمية، أزمة سياسة عالمية، ويشكو الناس في كل صوب وحدب من غياب الرؤية الكبرى والتراكم الرهيب للمشاكل غير المحلولة، والشلل السياسي، فليس هناك إلا قيادات متوسطة المستوى غير متميزة على الصعيد الأممي، تعمل بلا وعي، وتدفع العالم بدون قدرة حقيقية على الاستشراف للمستقبل، ناهيك عن ضحالة الإحساس بالخير العام عموما.

لقد باتت الكرة الأرضية موضعا وموقعا غير طيب للعيش فيه، لا سيما أن الملايين يعانون بصورة متزايدة من البطالة والفقر والجوع وتدمير الأسرة، كما أن الأمل في السلام الدائم بين الأمم والشعوب يكاد يتلاشى من جديد، والكل يزعم أننا نقترب من حرب عالمية جديدة، لا سيما بعد ان بلغت التوترات بين الجنسين وبين الأجيال حدا مخيفا.
في ظل أجواء رمضان شهر الصوم والصلاة، الدعاء والتأمل، يعن لنا أن نتساءل: هل من طريق روحي وأخلاقي يمكن للعالم من خلاله الإفلات من قبضة المادية القاتلة الخانقة التي أحكمت حصارها على الروح الإنسانية؟
أحد أهم الذين أعطوا من أعمارهم وعصارة أفكارهم الكثير لهذا الطرح كان المفكر السويسري واللاهوتي الكبير «هانز كنج»، الذي دعا منذ نحو عقدين أو أزيد إلى فكرة مشروع عالمي للأخلاق، ولم يلتفت إليه الكثيرون حول العالم، ولهذا ربما جاء الوقت لإعادة قراءة أوراق هذا المشروع الذي يمكن أن يعتبر وعن حق طوق نجاة للعالم من واقعه المأزوم الحالي. يخبرنا هانز كنج أن هناك إجماعا موجودا بالفعل بين الأديان يمكن أن يشكل أساسا لمقاييس عالمية للأخلاق، إجماع أساسي في الحد الأدنى من القيم الرابطة، والمعايير الثابتة، والمواقف الأخلاقية المبدئية.
ولعل السؤال الجوهري الذي يمكن للمرء أن يطرحه للنقاش في هذا الإطار: هل يمكن أن يقوم نظام عالمي جديد من غير مقاييس عالمية للأخلاق؟
يمكن القطع بأن البشرية برمتها رجالا ونساءً تقع عليهم مسؤولية إقامة نظام عالمي أفضل، وعليه فإن جهود الجميع المبذولة من أجل الدفاع عن حقوق الإنسان والحرية والعدل والسلام والمحافظة على الأرض، هي ضرورية لا محالة، كما أن تقاليدنا الدينية والثقافية المختلفة جدا لا يجوز أن تمنعنا من أن نكافح معا كل أشكال اللاإنسانية بفاعلية، والسعي لإحلال مزيد من الإنسانية.
إعلان الأخلاق العالمية في حقيقة الأمر يمثل نوبة صحيان لأصحاب الأديان الإبراهيمية بداية الأمر، ولكل أصحاب المذاهب الوضعية تاليا، ذلك أنه باعتبارنا أشخاصا متدينين ذوي توجهات روحانية، ونؤسس حياتنا على حقيقة أخيرة، نستمد منها قوة روحانية وأملا، بالتوكل والصلاة أو التأمل الروحي، نطقا أو صمتا، فنحن لدينا التزام خاص جدا لتحقيق خير الإنسانية جمعاء، والاعتناء بكوكب الأرض، نحن لا نعتبر أنفسنا أفضل من الآخرين، لكننا على ثقة بأن حكمة أدياننا العريقة في القدم يمكن أن ترشدنا إلى سبل المستقبل.
ما هو وضع الإنسانية اليوم وإلى أين تمضي؟
الشاهد أنه بعد حربين عالميتين، ونهاية الحرب الباردة، وبعد انهيار الفاشية والنازية، وزلزلة الشيوعية والاستعمار، دخلت الإنسانية مرحلة جديدة من تاريخها.
ولعله من المفترض أن الإنسانية تمتلك اليوم موارد اقتصادية، ثقافية، وفكرية كافية لتأسيس نظام عالمي أفضل، إلا أن توترات إثنية، وقومية، واجتماعية، واقتصادية، ودينية قديمة وحديثة، تهدد التأسيس السلمي لعالم أفضل.
صحيح أن عصرنا شهد تقدما علميا وتكنولوجيا أعظم من أي وقت مضى، إلا أننا نواجه رغم ذلك حقيقة أن معدلات الفقر، والجوع، ووفاة الأطفال، والبطالة، والإملاق، وتدمير الطبيعة على مستوى العالم، لم تتراجع، بل زادت.
تواجه شعوب كثيرة خطر الدمار الاقتصادي، والتفكك الاجتماعي، والتهميش السياسي، والكوارث البيئية، والانهيار القومي.
وفي مثل هذه الأوضاع العالمية المأساوية لا تحتاج الإنسانية إلى برامج سياسية وأفعال فحسب، بل تحتاج أيضا إلى رؤية تعايش سلمي بين الشعوب، وبين الجماعات الإثنية والأخلاقية، وبين الأديان، بمسؤولية مشتركة تجاه كوكبنا الأرض. لكن عن أي رؤية يتحدث هانز كنج؟ مؤكد انه ينشد رؤية مبنية على الآمال والأهداف، والمثل العليا والمعايير، بيد أن كثيرا من الناس في جميع أنحاء العالم قد فقدوا كل هذا، لكن تبقى الأديان في كل الأحوال قادرة على الإبقاء على مثل هذه الآمال، والأهداف، والمثل العليا، والمعايير، حية وتسويغها، بل والأهم معايشتها.
هذا ينطبق بصورة خاصة على كيان الدولة الحديثة، إن ضمانات حرية الأديان وحرية الضمير ضرورية، لكنها لا يمكن أن تحل محل القيم الرابطة والمبادئ والمقاييس التي تسري على البشر جميعا، بصرف النظر عن الأصل الاجتماعي، والجنس، واللون واللغة أو الدين. لقد تعلمت البشرية من خلال رحلتها الطويلة عبر آلاف السنين، أنه لا يمكن بالقوانين والمراسيم والاتفاقات وحدها، إيجاد نظام عالمي أفضل، ناهيك عن فرضه، كما أن تحقيق السلام والعدل والمحافظة على الأرض يتوقف على وعي الناس، واستعدادهم لاحترام أحكام القانون، ناهيك عن أن العمل من أجل الحرية والحق يفترض وجود وعي بالمسؤولية والواجبات، وأنه ينبغي لذلك مخاطبة عقول الناس وقلوبهم جميعا، عطفا على أن الحق بلا أخلاق لا يمكن أن يدوم ويستتب مع الوقت، وأنه لذلك لن يوجد نظام عالمي جديد بلا مقاييس عالمية للأخلاق.
هل يقصد هانز كنج بالمقاييس العالمية للأخلاق خلق أيديولوجية عالمية جديدة، أم الدعوة إلى سيطرة دين واحد على سائر الأديان؟
الثابت أنه لا هذا ولا ذاك بل يقصد بالمقاييس العالمية للأخلاق إجماعا أساسيا فيما يخص القيم الرابطة الموجودة، والمعايير الثابتة، والمواقف الأساسية الشخصية، دون إجماع أساسي على المقاييس الأخلاقية يواجه كل مجتمع خطر الفوضى أو الديكتاتورية، وسيصاب البعض باليأس عاجلا أو آجلا.
لكن ماذا عن الأديان واتباعها وكيف لها أن تلعب دورا تقدميا مهما للغاية في سياق الصراع البشري الحالي ولكي تقدم وسائل إنقاذ فاعلة حقيقية؟
أفضل ما يقدمه لنا المفكر السويسري الكبير هو أنه يذكرنا بأننا جميعا ناقصون، غير معصومين من الخطأ، لنا حدودنا ومثالبنا.
إننا نعي أن تقاليدنا الدينية والأخلاقية المختلفة تبين بالدليل بطريقة كثيرا ما تكون متباينة، ما ينفع الإنسان أو يضره، ما هو صواب أو خطا، ما هو خير أو ما هو شر. إننا لا نريد طمس الخلافات الجذرية بين الأديان أو تجاهلها. لكنها لا ينبغي أن تحول بيننا وبين الإعلان جهارا عما هو مشترك الآن بالفعل بيننا، وعما نشعر بالالتزام به، بناء على ما هو مشترك الآن بالفعل مما لدى كل منا من أسس دينية أو أخلاقية.
يؤكد صاحب رؤية الأخلاق العالمية على أننا نعي أن الأديان لا تستطيع حل مشاكل هذه الأرض البيئية والاقتصادية، السياسية والاجتماعية، لكنها تستطيع الوصول إلى ما لا يمكن التوصل إليه فيما يبدو من خلال الخطط الاقتصادية، والبرامج السياسية أو التنظيمات القانونية وحدها، وهو تغيير الموقف الداخلي للإنسان، والعقلية برمتها، أي قلب الإنسان، وحمله على العودة من الطريق الخاطئ إلى موقف جديد من الحياة.
أيهما تحتاجه الإنسانية في الأزمنة الحديثة بالأكثر إصلاحات اجتماعية وبيئية، أم تجديد روحي؟
مؤكد أن حاجتها إلى تجديد روحي لا يقل أهمية عن سابقيه، إننا كأشخاص ذوي توجهات دينية وروحية، نريد الالتزام بذلك بصورة خاصة، وذلك عن وعي منا بأن القوى الروحانية للأديان بالذات هي التي يمكن أن توفر للناس في حياتهم ثقة أساسية، موافقة لمعنى الحياة، ومعايير أخيرة، ووطنا روحيا.
لكن الأديان لا تستطيع إنجاز ذلك بمصداقية إلا إذا تغلبت هي نفسها على تلك الصراعات التي يتسبب فيها بعض أبنائها، وإذا قلل كل منهم غطرسته، وسوء ظنه وأحكامه المسبقة، بل مشاعره العدائية تجاه الآخر، وإذا أظهر كل دين احتراما تجاه تقاليد أصحاب الديانات الأخرى، ومقدساتهم وصيامهم وشعائرهم وصلواتهم.
يوجد مبدأ هو القاعدة الذهبية، يمكن العثور عليها منذ آلاف السنين في كثير من تقاليد الإنسانية الدينية والأخلاقية، التي ثبتت صلاحيتها: الذي لا تريد أن يفعله الآخرون بك، لا تفعله أنت أيضا بالآخرين، أو بصياغة إيجابية: ما تريد أن يفعله الآخرون معك، افعله أنت أيضا مع الآخرين. ينبغي أن تكون هذه القاعدة هي المعيار الثابت الحتمي لجميع مجالات الحياة، للأسرة، والجماعات، للأجناس، والأمم والأديان.
إن الأنانية بكل أشكالها، أي تطلع نحوها، سواء أكان فرديا أم جماعيا، سواء أظهر في صورة التفكير الطبقي أم العنصرية، أم القومية، أم اضطهاد الرجال النساء، إننا ندينها، لأنها تعوق المرء أن يكون إنسانا حقيقيا. إن تقرير المصير وتحقيق الذات من الأمور المشروعة جدا، مادام أنهما لا ينفصلان عن المسؤولية الذاتية، ومسؤولية الإنسان تجاه العالم، والمسؤولية تجاه الأخوة في الإنسانية وكوكب الأرض. لقد تنبأ بعض علماء السياسة للقرن الحادي والعشرين بحدوث صدام للحضارات، وفي المواجهة وحتى لا يصبح الأمر نبوءة منحولة تحاول أن تحقق ذاتها بذاتها، فإن الأديان واتباعها يمكن لهم أن يقفوا صفا واحدا في المواجهة والمجابهة، وبالتفاعل مع أصحاب النية الحسنة كافة المساعدة في تحاشي مثل هذا الصدام، بشرط تحقيق القناعات التالية التي تم التوصل إليها:
** لا سلام بين الأمم، بلا سلام بين الأديان.
** لا سلام بين الأديان، بلا حوار بين الأديان
** لا حوار بين الأديان، بلا معايير أخلاقية.
** لا بقاء لكرتنا الأرضية في سلام وعدل بلا نموذج جديد للعلاقات الدولية على أساس مقاييس عالمية للأخلاق.