نوافذ :نصيبنا من أعمارنا

بقلم: أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

كل منا يعيش معترك العمر في بعديه الزمني، والبيولوجي، ولمزيد من التوضيح؛ فالعمر الزمني مرتبط بمسألة الحياة أو الموت، وهناك عمر ممتد بين لحظة الميلاد، ولحظة الموت، قد يطول وقد يقصر، حسب ما كتبه الله عز وجل للإنسان منا، أما العمر البيولوجي فهو المرتبط بمسألة العجز والهرم، وتحدده أكثر الحالة الصحية عند الإنسان، ومدى النمو الجسماني السليم طوال سنوات العمر الزمني، فهناك من يموتون بيولوجيا وهم لا يزالون في عمر الشباب، حيث تجد الواحد منهم منهك القوى، ضعيف الجسم، وكأنه ابن الستين، ويحدث ذلك غالبا؛ إما أنه يعاني من أمراض مزمنة؛ أو يعاني من مشاكل أخرى جانبية تقضّ عليه مضجع حياته اليومية، فتسوء حالته، وقد تجد آخر في عمر الستين أو أكثر وهو لا يزال يتمتع بالصحة والجسم السليم.
والمهم في كلتا الحالتين مدى استفادة الإنسان من أي العمرين المتاحين في حالتيهما الطبيعية، والملموسة، وهذه الاستفادة ليست يسيرة أيضا حيث يقف مساندا ومعززا لها مجموعة عوامل نفسية، وميكانيكية (مجتمعية) حيث تتباين المكتسبات بين الأفراد في المجتمع الواحد، فشخصان؛ على سبيل المثال؛ في عمرين مختلفين، تجد صاحب العمر الأقل محققا إنجازا ماديا ومعنويا كبيرا، متجاوزا الآخر، وإن كان أكبر منه سنا، مع أن الاثنين يعملان، لما هو متاح لهما في ميدان الحياة.
قد ينظر البعض الى هذه المسألة على أنها مسألة حظ، والحظوظ؛ تأتي هكذا هدايا، دون أن يلعب المحظوظ ذلك الدور الكبير من الجهد، وإعمال العقل، وقد ينظر إليها آخر، على أن الفرد المنجز يتمتع بقدرات سقفها أعلى من الآخر الذي لم يحقق نفس المستوى من الإنجاز، وثالث يقيّم المسألة على أن فيها جانبا «تسويفيا» فالمتأخر في إنجازه المادي والمعنوي يسوف إقدامه على الإنجاز والعمل، ولا يهتم، وربما؛ يقول في نفسه: «كل شيء مقدور عليه في حينه» أو «ملحوق عليه» وهذه من أخطر المواقف التي يكون عليها الإنسان في التأخير من تحقيق ذاته، لأنه، والحالة هكذا هو يعيش بين مفترقي العمرين (الزمني/‏ أو البيولوجي) فإن أعطاه العمر الزمني متنفسا في المساحة الزمنية (30 أو 40 أو 50 أو 60) سنة فإنه لن يضمن هجوم الأمراض والمراوحات النفسية طوال هذه السنوات (محصلات العمر البيولوجي) والتي قد تهلكه، وتقض مضجعه، وإن سلم؛ في المقابل من منغصات العمر البيولوجي، فإنه لن يضمن العمر الزمني، فقد يغادر الحياة مبكرا، دون أن يضع أثرا له في الحياة، وقد يكون الأثر زادا داعما له في ميزان حسناته، وكما جاء في نص الحديث: «عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» رواه مسلم – حسب المصدر -.
كلنا نعيش مع الزمن بمفهومه العام، معركة حامية الوطيس، وتشبيهه كـ (السيف القاطع) لم يأت من فراغ، حيث تنسل الأيام والشهور والسنين من بين أيدينا دون أن نحس بثقل إنجازنا فيها، ومع ذلك نعيش في كل مرة حالة التسويف «إذا ضاق رزق اليوم فاصبر إلى غد: عسى نكبات الدهر عنك تزول» وهكذا نستمرئ هذه الحالة، ونعتمدها منهجا نفرّط من خلاله أزمانا تمر علينا، وهذا الأمر لا يتصادم مع القضاء والقدر اللذين نسلم لهما تسليما مطلقا، شريطة أن لا يثنينا ذلك عن البحث والجهد في تحصيل الرزق، وكما قيل: «من أبطأ به عمله، لم يسرع به نسبه» وفي العمل الصالح (فليتنافس المتنافسون).