هل تتحول أمريكا إلى الأوليجارشية؟

مايكل توماسكي – نيويورك تايمز –
ترجمة: قاسم مكي –

بيتر بوتيجيدج الذي أظهر براعة مثيرة في دقة التعبير عن الأشياء خلال هذه الأيام المبكرة من مرحلة السباق الرئاسي في الانتخابات الأمريكية للعام 2020 أصاب القول مؤخرا. فحين سأله تشك تود مذيع شبكة إن بي سي الإخبارية عن الرأسمالية رد قائلا: بالطبع أنا رأسمالي، أمريكا «مجتمع رأسمالي». لكنه أضاف: «عليها أن تكون رأسمالية ديمقراطية».
ففي نظر بوتيجيدج حين لا تتقيد الرأسمالية بالكوابح والبديهيات الديمقراطية لن تكون ذلك النوع من الرأسمالية الذي سبق أن أنتج ازدهارا عريضا في هذا البلد. وقال:« إذا أردت أن ترى رأسمالية بدون ديمقراطية يمكنك أن تراها بوضوح شديد في روسيا. فهي تتحول إلى رأسمالية محاسيب. وهذه بدورها تتحول إلى أوليجارشية (حكم القلة)».
إلى جانب تمكينها له من الإجابة المفحمة لسؤال أقلق البعض تذكرنا «لغة» بوتيجيدج، عمدة مدينة ساوث بيند بولاية انديانا الأمريكية، بنقطة بالغة الأهمية وهي أنه «يوجد أو ينبغي أن يوجد عنصر ديمقراطي للرأسمالية». (أو بعبارة أخرى) عنصر اقتصادي لكيفية تعريفنا للديمقراطية.
فبعد كل شيء، للأوليجارشية حقا عنصر اقتصادي. بل هي في الحقيقة اقتصادية بوضوح.
الأوليجارشية تعني حكم القلة ومن المفهوم منذ عصر أرسطو أن هذه القلة تعني أصحاب الثروة والأملاك والنبالة. لكن مع انحدار تعريف الديمقراطية إلينا عبر السنين صارت هذه الكلمة، بطريقة ما، تعني وجود وممارسة حقوق أساسية ومبادئ قليلة. فكلمة الشعب أو الديموس (المقطع الأول من كلمة ديمقراطية ومعناها حكم الشعب – المترجم) لم تضف عليها أية خصيصة اقتصادية معينة. وهذا خطأ. فتعريفنا للديمقراطية يجب إلى أن يتغير.
لا يمكن للديمقراطية أن تزدهر في سياق التركز البشع للثروة. وهذه الفكرة ليست جديدة أو راديكالية أو غريبة. إنها قديمة قدم توماس جيفرسون وتنتمي إلى صلب الفكر السياسي الأمريكي كانتماء هذا الرجل له. (جيفرسون 13 أبريل 1743- 4 يوليو 1821 أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة وثالث رئيس لها. تولى مهمة كتابة إعلان الاستقلال عن بريطانيا العظمى ـ المترجم).
أشرت إلى جيفرسون لسبب. فكل أحد يعرف كيف كان يشغل وقته في صيف عام 1776. كان يكتب إعلان الاستقلال. لكن ما الذي نوى أن يفعله في خريف ذلك العام؟
كان عضوا في مجلس ممثلي فيرجينيا وكان آخذا بزمام المبادرة في كتابة ورعاية تشريع إلغاء قوانين الكومونولث التي حافظت على توريث المنحدرين من شجرة النسب المباشر (أبقت الملكيات العقارية الكبيرة في حيازة العائلات عبر الأجيال) وعلى حق الابن البكر في الإرث كله دون إخوته.
هل كان مجرد مصادفة أن جيفرسون انتقل بتلك السرعة من كتابة وتأسيس الوثيقة المؤسسة للديمقراطية في الولايات المتحدة إلى إعداد مشروع قانون يلغي قوانين الوراثة التي جيء بها من بريطانيا؟
من الصعب القول بذلك. لقد اعتقد كما اعتقد مؤسسو الولايات المتحدة عموما أن الثروة الموروثة الزائدة عن الحد لا تتواءم في الأساس مع الديمقراطية.
كان هؤلاء الآباء المؤسسون أكثر انشغالا بالثروة الموروثة كما كان أيضا الاقتصادي الإسكتلندي آدم سميث الذي ينوه به اليوم المحافظون على الدوام والذي في الحقيقة كان سيرتاع من ضريبة الموت «يقصد بها ضريبة التركة في الولايات المتحدة- المترجم». ففي زمانهم كانت الثروة الموروثة هي المشكلة الاقتصادية الضاغطة.
لكن انشغالاتهم الاقتصادية لم تقتصر على ذلك. لقد لاحظوا بوضوح الرابط بين العافية الديمقراطية والازدهار الاقتصادي العام.
كتب مرة جون آدمز، وهو ليس تماما أفضل أصدقاء جيفرسون، أن على كل عناصر المجتمع التعاون في (تطبيق) المبدأ الديمقراطي الذي ينص على أن «هدف الحكومة بأجمعها هو سعادة الشعب» وكذلك المبدأ الآخر الذي يرى «وجوب تحقيق أعظم قدر من السعادة لأكبر عدد من الناس»، فالسعادة كانت تعني لمؤسسي الولايات المتحدة الرخاء الاقتصادي. وينبغي الانتباه إلى أن آدم سميث أطلق على هذا الرخاء صفة «الديمقراطي». (آدم سميث مؤسس علم الاقتصاد الحديث ومؤلف كتاب ثروة الأمم 1776ـ المترجم).
لذلك نعم، الديمقراطية وذلك النوع من اللامساواة الاقتصادية الذي شهدناه في الولايات المتحدة في العقود الأخيرة لا يجتمعان. سيسارع البعض بالقول إن هنالك بلدانا عديدة أشد افتقارا للمساواة من بلدنا لكنها لا تزال بلدانا ديمقراطية مثل جنوب إفريقيا والبرازيل والهند. لكن هل هذه الدول نماذج على الولايات المتحدة الأمريكية أن تتطلع للاقتداء بها؟ طرح عدد من العلماء هذه الحجج في السنوات الأخيرة وخصوصا جانيش سيتارامان في كتابه «أزمة دستور الطبقة الوسطى». كل هذه الأفكار كانت بالغة الأهمية. لكننا الآن في ظل تردادها من جانب بعض الساسة لدينا ذلك الحوار الوطني الواسع الذي ظللنا في حاجة شديدة له على مدى سنوات.
اقترح بيرني ساندرز (ترشح عن الحزب الديمقراطي في انتخابات الرئاسة عام 2016) فرض ضريبة تركة كانت ستجد هوى في نفوس الآباء المؤسسين للولايات المتحدة. واقترحت أليزابيث وارن (ديمقراطية مترشحة للرئاسة الأمريكية في الانتخابات القادمة) ضريبة ثروة من المؤكد أنهم كانوا سيصادقون عليها. لكن لا يلزمنا أن نؤيد أيا من هذين المرشحين أو خططهما لدعم الفكرة العامة التي ترى أن التركز الشديد للثروة غير ديمقراطي.
لن تجعل السياسات المبنية على هذه الفكرة من أمريكا اتحادا سوفييتيا أو صيغته العصرية المتمثلة في فنزويلا. بل ستجعلها هذه السياسات البلد الذي كان يستهدفه الآباء المؤسسون. هذه هي، حسبما تشير عبارات بوتيجيج، الكيفية التي يجب أن يرد بها المرشحون الديمقراطيون على سؤال الاشتراكية (باستثناء الاشتراكي ساندرز). نعم أنا رأسمالي. وهذا هو السبب في أني أريد من الرأسمالية أن تتغير.