إدارة ترامب.. بين ماضي فيتنام ومستقبل أفغانستان

مروى محمد إبراهيم –

على مدار 17 عاما، تابع العالم تفاصيل الحرب التي تقودها الولايات المتحدة في أفغانستان، ما بين قناعة بأنها تقضي على فلول الإرهابيين بين جبال وصحاري هذه الدولة الفقيرة، وما بين مساع للخروج من المستنقع الأفغاني الذي غاصت فيه الولايات المتحدة حتى العنق، وأصبح من بين أحلامها الخروج منه.

ومن هنا ظهرت فكرة التفاوض مع طالبان لحل الأزمات والصراعات الداخلية سلميا حتى تعلن واشنطن بكل أريحية النصر والانسحاب النهائي من أفغانستان.
على مدار الأعوام الماضية بدأت سلسلة من المباحثات المتفرقة والفاشلة – بعضها سري والبعض الآخر لا- بين طالبان وأمريكا. ومع صعود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى السلطة بدأ بجدية سلسلة من المفاوضات مع طالبان، الهدف الأول منها تحقيق وعد انتخابي بالانسحاب، إلى جانب استغلال المخصصات المالية للحرب بشكل مختلف لخدمة أغراضه، وأخيرا تحقيق إنجاز يحسب له تاريخيا يستطيع التفاخر به واللعب عليه خلال حملته للانتخابات الرئاسية 2020.
في البداية، لابد من الإشارة إلى أنه خلال الحملة الانتخابية الأولى للرئيس الأمريكي جورج بوش الابن في نهاية التسعينيات من القرن الماضي اعترف بأنه لا يعرف الكثير عن أفغانستان أو موقعها الجغرافي، لكن سرعان ما تحولت هذه الدولة الواقعة وسط جنوب آسيا إلى محور رئيسي في فترة رئاسته الأولى في أعقاب اعتداءات 11 سبتمبر 2001. ليعلن الحرب على أفغانستان في 12 أكتوبر 2001 أي بعد شهر واحد من الاعتداءات، وذلك بدعوى الحرب على الإرهاب والقضاء على عناصر القاعدة. وأول مهمة قامت بها القوات الأمريكية هناك هو القضاء على حكومة حركة طالبان المتشددة. واستغلال الصراعات على الأرض لإشعال النيران ونشر الدمار في هذه الدولة الفقيرة لتضاعف معانات أهلها وأزماتهم.
وبطبيعة الحال، فشلت القوات الأمريكية في القضاء على أي شيء نظرا لأنها خاضت حرب شوارع مع فلول القاعدة الذين نجحوا في الاختباء بين المدنيين، فكانت النتيجة بحرا من دماء آلاف المدنيين والأبرياء على مدار 17 عاما. ونظرا للطبيعة الجبلية للمنطقة، فكان من الصعب على القوات الأمريكية تتبع الإرهابيين أو القضاء عليهم.
ومنذ ذلك الحين خشيت الإدارات الأمريكية المتعاقبة الخروج بدون تحقيق أي أهداف أو القضاء على النزاعات، خاصة أن أحدا لا يعرف حتى الآن مصير أموال إعادة الإعمار في هذا البلد الذي يعاني من الإرهاب والصراعات القبلية وتجارة المخدرات.
الواقع أن ترامب وصل إلى السلطة بسلسلة من الوعود، مفادها أنه سيقلص الاهتمام بالخارج إلى أدنى حد لتوفير الملايين بل المليارات التي يتم إنفاقها على الحروب أو الصراعات الخارجية، وإعادة توجيهها إلى المصالح الداخلية. ولا أدل على ذلك من إعلان باتريك شانهان وزير الدفاع الأمريكي بالوكالة الذي أكد أنه خصص 1.5 مليار دولار من أموال الجيش لبناء عدة أميال من جدار ترامب الحدودي مع المكسيك، والذي أثار الكثير من الجدل والأزمات على الصعيد الداخلي. وكشفت التقارير الصحفية عن أن 614 مليون دولار من هذا المبلغ كانت مخصصة لتمويل الحرب في أفغانستان. وهو ما يعني صراحة أن ترامب قرر رفع يده عن أفغانستان. فلم تعد هناك جدوى من الاستمرار في هذه الحرب اللانهائية، والتي في واقع الأمر تستهلك من أمريكا أكثر مما تفيدها. ومن ثم أصبح السبيل الأمثل هو وضع حد لها. ومن ثم كان قرار الاستمرار في المفاوضات مع حركة طالبان إلى حين الوصول إلى نتائج من شأنها حماية الحكومة الأفغانية الحليفة لأمريكا، إلى جانب إنهاء الصراع هناك قدر الإمكان حتى يتسنى للولايات المتحدة الخروج من المستنقع الأفغاني بكرامة، أو على الأقل وهي تحفظ ماء وجهها.
في واقع الأمر فإن الرؤية الأمريكية للمفاوضات، لا تأخذ في اعتبارها إطلاقا ما تحتاجه أفغانستان لتحقيق مستقبل آمن خال من الحروب الأهلية والنزاعات القبلية المدمرة. فالهدف الأمريكي الرئيسي وربما الوحيد هو الأسهل لتحقيقه: يتمثل في التوصل إلى اتفاقية مع طالبان تقضي بعدم استضافة الإرهابيين الدوليين، وبذل قصارى جهدهم لمنع أفغانستان من التحول مرة أخرى إلى قاعدة للإرهاب ضد الغرب بشكل عام والولايات المتحدة بشكل خاص.
وفقا للتقرير الذي وضعته مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية، فإن حركة طالبان لن توافق فقط على مثل هذه الاتفاقية ولكنها أيضا ستقدم الضمانات اللازمة لتنفيذها. فقد اعترفت الحركة بأن استضافتها لتنظيم القاعدة الإرهابي في الفترة التي سبقت هجمات 11 سبتمبر كان خطأً فادحًا كلفهم حكم أفغانستان. هذا أيضًا لأن طالبان تواجه الآن قتالا مريرا ضد قوات داعش الإرهابية، التي تسعى للسيطرة على أجزاء من أفغانستان لإعادة تشكيل صفوفها واستعادة قوتها. إن دور طالبان كعدو لداعش، وكذلك استعداداتها المتأنية لاستغلال الانهيار المحتمل للنظام المدعوم من الولايات المتحدة في كابول، دفع روسيا والصين أيضا إلى بدء محادثات مع طالبان.
أما الدافع الأمريكي الثاني والمهم من هذه المفاوضات هو ما تطلق عليه واشنطن «المصداقية»، ولكن في واقع الأمر الاسم الأكثر واقعية وصدقًا هو الـ«هيبة»، وهو ما يعني في هذه الحالة تجنب هزيمة واضحة ومهينة لأمريكا، وهو ما قد يقوض الاحترام لقوة الولايات المتحدة ويعطي دفعة لأعداء أمريكا في كل مكان.
ونقلت «فورين بوليسي» عن جنرال أمريكي قبل عقد من الزمان تأكيده أنه لم يتمكن هو وزملاؤه من تحديد كيف سيبدو النصر في أفغانستان، لكنهم يستطيعون جميعًا أن يقولوا كيف ستبدو الهزيمة. يبدو الأمر كما لو كانت في فيتنام في عام 1975.
في حالة أفغانستان، فإن هذا على الأرجح لن يأخذ شكل انتصار طالبان التام بل انهيار الدولة الأفغانية، يليه سيطرة طالبان على مناطق واسعة وانتصارها في حرب أهلية عميقة ودائمة مع القوى العرقية الأخرى.
ولكن في الوقت ذاته، هناك أيضًا مصلحة أمريكية واضحة في منع مثل هذه النتيجة، فمثل هذه الحرب الأهلية الواسعة النطاق من شأنها أن تؤدي إلى زيادة كبيرة في تدفق اللاجئين الأفغان إلى أوروبا. بالنظر إلى ما حدث بسبب أزمة اللاجئين السوريين، فإن هذا يمكن أن يشكل ضربة قاضية للديمقراطية الليبرالية في أوروبا، وستؤدي ردود الفعل القومية الأوروبية الناتجة إلى سحق الصورة الكاملة للديمقراطية التي تقودها الولايات المتحدة في العالم. إلا أن منع ذلك يتطلب اتفاقًا مع تركيا وإيران وتنازلات كبيرة، مما يقوض موقع أمريكا الجغرافي في الشرق الأوسط.
وهو ما يعود بنا في النهاية إلى نقطة رئيسية، ألا وهي ما إذا كان يمكن التوصل إلى اتفاق مع طالبان فيما يتعلق بالسيطرة على الدولة الأفغانية، ومدى إمكانية تحقيقه، وما إذا كانت ستتمسك به.
السؤال الرئيسي هنا ليس الثقافة أو الأيديولوجية – ولكن القوة.
أفغانستان لديها بالفعل دستور إسلامي، يمكن تعديله لتبدو أكثر إسلامية.
لكن فيما يتعلق بالسلطة الحاكمة، فإن طالبان ستطالب حتما إما بحكومة مركزية قوية سيكون لها فيها نصيب الأسد أو حكومة محايدة (ربما بموجب دستور برلماني جديد) مع سلطة حقيقية ضئيلة للغاية.
إن أمريكا تهدف من وراء مفاوضاتها، المتعددة الجولات، مع طالبان إلى خروج آمن من أفغانستان يحفظ لها ماء وجهها، ويحميها من كارثة تكرار التجربة الفيتنامية الأليمة ولكن بملامح أفغانية.