ضربات الجزاء الاقتصادية

مصباح قطب –

تطور خطير ذلك الذي حدث مع إعلان ترامب ضم عملاق التكنولوجيا الصيني «هواوي» إلى القائمة السوداء بما يعنى منع الجهات الأمريكية من التعامل من تزويده بالأجهزة ومنعها من الاستفادة من خدمات شركات التكنولوجيا الأمريكية. ورغم العودة بعد ثلاثة أيام فقط للإعلان عن منح هواوي مهلة ثلاثة أشهر للاستفادة من خدمات الشركات الأمريكية لكن يبقى مغزى القرار كما هو: إنه من غير المسموح لأحد أن يقتحم العرين الأمريكي الخاص بالتفوق التكنولوجي . هل يستطيع ترامب تحقيق ذلك أم فات الميعاد ذلك موضوع آخر. جاء القرار وسط أجواء بدا فيها أنه يمكن إبرام اتفاق تجاري بين بكين وواشنطن بما يطفئ لهيب نيران الحرب التجارية التي اندلعت بينهما منذ عام وتهدد الاقتصاد الدولي بخطر كبير، كما يجيء في أعقاب موجات من الاتهامات المتلاحقة لهواوي بأنها ليست أمينة على معلومات الزبائن وتمرر معلومات إلى الحكومة الصينية وتهدد الأمن القومي الأمريكي وغير الأمريكي، وجاء قبل أيام شهدنا فيه الجدل الذي دار حول دور هواوي في إقامة شبكة الجيل الخامس في بريطانيا وكيف انتهى إلى إقالة وزير الدفاع. في خلفية الحدث أيضا الهجوم المتصاعد والمتكرر من الولايات المتحدة على خطة الحزام والطريق الصينية واتهام الصين بأنها تخدع الدول النامية وتورطها في الديون . وها نحن أخيرا أمام اعتراف صريح جدا من الرئيس الأمريكي ترامب يكشف مرمى ذلك كله وهو أن الصين لن تتجاوز أمريكا اقتصاديا في عهده وأنه لو فازت هيلاري كلينتون بالرئاسة لكانت الصين على قمة الاقتصاد العالمي الآن أو على وشك أن تفعل ذلك. يذكر أن صندوق النقد الدولي توقع أن تكون الصين الاقتصاد رقم واحد عالميا في 2030 بناتج محلي 26 تريليون دولار. أي أنه في كل الحالات فإن الصين لن تكون القوة الأولى في عهد ترامب حتى لو فاز بجولة ثانية كرئيس. المهم أن السؤال الذي يشغل الجميع الآن هو: متى يجوز أو لا يجوز فرض ضربة جزاء على شركة – قياسا إلى فعلة ترامب – أو إشهار كارت أحمر ضدها أو دفعها عبر كتف غير قانوني أو إزاحتها بنعومة أو بخشونة ؟ أين يمكن للتنافس العالمي أو المحلي أن يتم بشرف وأين تبدأ الحيل والألاعيب للتعطيل أو التدمير أو تأجيل الصعود أو لإفشال الصفقات؟.
نادرا ما نجد بحوثا ميدانية تغطي جانب الحيل التي تلجأ إليها الشركات في حروبها ضد بعضها البعض أو ربما نفتقد كلية وجود مثل هذا النوع من الدراسات أو المسوح أو التحقيقات ، ويبدو أن كل المتاح هو المخزون في الذاكرة الذاتية للمحتكين بالاقتصاد والأسواق والشركات، أو من يمكنهم جمع الأخبار المنشورة عن النزاعات بين الشركات، والشركاء داخل الشركة الواحدة، والقضايا المنظورة في المحاكم بشأن حقوق لشركة على أخرى أو شؤون محل نزاع بين شركة أو أكثر وهكذا.

أعتقد أيضا في الشيء ذاته بشأن ما يجري على المستوى العالمي من صراع اقتصادي بين الدول أو شركات دولة وأخرى؟.
لقد خبرت مثل غيري في مهنة الصحافة ، كثيرا جدا من الخلافات بين الشركات والأساليب القانونية أو غير القانونية لحلها بيد أن إشكال الصراع في حقل الأعمال في أي قطاع أو داخل أي إقليم أو الدولة كلها أو حتى على المستوى العالمي تتغير وتتبدل. على مدار ثلاثة عقود من العمل كمحرر اقتصادي رأيت كيف يتم استخدام البلطجة والبلطجية المأجورين لفرض وجهة نظر بعينها أو إلزام طرف بنوع من الحلول قد لا يكون هو بالضرورة الحل العادل، أو هو في الغالب الحل غير العادل بالتأكيد. والبلطجة أنواع وأشكال ومستويات. فالبلطجي التقليدي الذي يهدد خصما بخطف أحد أبنائه أو حرق وجهه بماء النار أو تحطيم سيارته أو ضربه بشكل مباشر دون ترك علامة تدل على الفاعل لكن فقط يود ترك رسالة عن هدف الاعتداء الخ كان له زمنه منذ عقود ولازال له مريدوه وزبائنه حتى الآن ولكن في المستويات الدنيا من الأعمال. تلا ذلك مرحلة « البودي جارد » الرسمي أي الفتوة الذي يحمل رخصة ليحمى سيده – رجل الأعمال – أو في الواقع يهدد خصومه. رأينا أبعد من ذلك الاستعانة برجال أمن محترفين سابقين وتوظيفهم في فض النزاعات بأساليب معينة. في دول مثل إيطاليا قد نحتاج إلى مجلدات لنعرف تفاصيل علاقة المافيا بعالم الأعمال وكيف تبتز طرفا أو أطرافا وكيف تحسم نزاعات مقابل إتاوات الخ . ستجد في الولايات المتحدة أمورا مختلفة في طليعتها الهجمات القانونية التي تدمر الخصم باستخدام أقصى أساليب التحايل القانوني والمراوغة والمال والنفوذ للحصول على صفقة أو حرمان طرف من صفقة. ويفتح السماح في أمريكا بتشكيل اللوبيات بشكل قانوني والتبرعات للانتخابات الباب واسعا لأشكال من التحيزات من شركات ضد شركات أخرى أو تحيزات لقطاع على حساب قطاع آخر أو حتى على حساب دول أو شركات خارجية. في وقت من الأوقات أصبح على البنوك لحجب تمويل عن خصم أو منح تمويل لآخر من أعمال بعض النخب السياسية التي لا تتم لوجه الله. ويوازي ذلك استخدام الضرائب أو الجمارك أو حرق الأسعار لإيذاء خصوم أو وأد صاعدين جدد. بدخول العصر الإلكتروني أصبح طبيعيا أن تلجأ شركات إلى الاستعانة بـ«هاكرز» لإيقاع أضرار بآخرين أو الحصول على معلومات مهمة تغير موقع من حصل عليها وكان يستحيل بدونها أن يحقق فوزا وهكذا. في كل تلك الحالات نجد أن الدولة ومجتمع الأعمال والمجتمع عموما في كل دولة يحاولون بطرق مختلفة مواجهة الانفلات حتى لا تحدث فوضى تطيح بالجميع، ومن أجل ضمان أن تكون ساحة المنافسة الشريفة مفتوحة للكافة ومقاومة الانحرافات التي تجري أو أساليب الغش والاحتيال والعنف والابتزاز في مجال الأعمال. وسنجد هنا أدوارا لأجهزة حماية المنافسة ومنع الاحتكار وأجهزة حماية المستهلك واتحادات جمعيات رجال الأعمال والروابط المهنية ومحاولة زرع نوع من التقاليد في ممارسة الأعمال وسن أكواد أخلاقية تحد من جموح رجال الأعمال أو وضع منظومات قانونية رادعة ماليا أو جنائيا لإبقاء باب المنافسة العادلة مفتوحا. لكن مع ذلك كله ومهما فعلت فسيظل هناك فوضى ما في عالم البزنس ومساحة للقوة أو العنف أو ممارسة النفوذ. إنها طبيعة الرأسمالية ذاتها كما يقول أهل المعتقدات السياسية . وعليه هل يجوز في المنافسة بين الدول وبعضها أن تكون على شاكلة المنافسة المحلية أو بمعنى آخر هل يجوز استخدام العنف والبطلجة لفرض صفقات أو عقود لصالح س على حساب ص وعين ولام ونون الخ ؟ . السؤال لا محل له من الإعراب لأن من يفعلون ذلك لا ينتظرون سائلا يسأل ولا واعظا يعظ إنها طبيعة الحياة عندهم… تدافع وصراع لتحقيق أعلى منافع لبلدي أو شركاتها ولو ذهب الآخرون إلى الجحيم . من الممكن وفي كثير من الحالات اللجوء إلى مبدأ «وين وين سيتويشن» إذا كان من الممكن تحقيق منافع متبادلة مريحة لطرفي العلاقة لكن حين تشتد المنافسة ليس هناك من هو مستعد ليترحم حتى «أخيه». بيد أن ما يقوم به الرئيس ترامب ليس عنوانا فقط على درجة أعلى من الصراع والتنافس في البزنس العالمي لكن له مغزى إضافي لأنه يتم بين القوة رقم واحد في العالم والقوة التي تزحف بقوة لتحل محلها. لا أتوقع أي مهادنة من الولايات المتحدة مع هذا الأمر. لقد قامت انجلترا بكل ما يمكنها القيام به من حروب ونزاعات وإشعال للفتن ومؤمرات لتأجيل أو منع انحدار الامبراطورية. ومثلها فرنسا وأسبانيا الخ . لكن في المقابل هناك نوع من الصحوة العالمية ذات النزعة الأخلاقية التي تريد أن يكون التنافس حقيقيا وان يكون البقاء للأكفأ والأصلح وليس الأقوى وترى وجهة النظر هذه انه يمكن للمتنافسين الأكفاء جميعا أن يربحوا لكن هل ستنتصر القيم والأخلاق على الواقع المرير وإدمان الصراع؟.