نوافذ :خط رجعة

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

نعايش حالات الإقدام والتراجع في كثير من أنشطة حياتنا اليومية، نمارسه بلا تكلف، ونعيشه بلا حسابات دقيقة في كثير من الأحيان، ربما يفسر ذلك على أنه نوع من التردد الملازم لمواقفنا، ولآرائنا، ولقناعاتنا أيضا، وفي مجمل ذلك كله، هو توظيف للحالة الإنسانية الموسومة بالضعف، وقلة الخبرة والمعرفة، ولكن المهم في هذه الصورة الـ «مرتبكة» إن تجوز التسمية، هو القدرة على الوصول إلى نقطة محددة في موقف ما، ونقول: «إلى هنا يكفي» أو نتخذ قرارا مغايرا ونستمر السير على ذات الطريق، وفي كلا الاتجاهين نعيش حالة من الرضى، لأننا مارسنا حريتنا، ووظفنا قناعاتنا.
هذه اللحظة التي نقول فيها «إلى هنا يكفي» هي المعوَّل عليها عند الاحتكام على قدرة الإنسان في اتخاذ قراره الصعب، أو المصيري، أو المحوري، وليس شرطا أن من يتخذ هذا النوع من القرارات في لحظتها هو متجذر في المعرفة والخبرة، وإنما يمكن أن تلمس ذلك من أناس لا تتوقع منهم أن يكونون بهذا العزم، أو بهذه القوة، أو بهذا التماسك، أو بهذه الرؤية الواعية لما سيكون عليه الحال بعد ذلك، وهذا يعسك دلالة أخرى، وهي أن كل واحد منا كبشر لديه القدرة، وعنده الاستعداد لأن يكون له موقف ما في لحظة ما.
لهذه المسألة؛ وفق هذه المنظور؛ بعدين، الأول: معنوي؛ وهو الذي يعكس القناعة الذاتية التي أوصلت صاحبها لأن يقول: نعم؛ في موضع، أو يقول: لا؛ في ذات الموضع، أما البعد الثاني: فهو مجموعة الإجراءات والسلوكيات التي سوف تكون بعد اتخاذ الموقف في حالتيه الإيجابية أو السلبية، وهو ما نعايشه جميعا من سلوكيات الآخرين الذين نتقاسم معهم حلو الحياة ومرها.
العبرة هنا أكثر أن هناك مساحة أمان يمكن الرجوع إليها في أي من الحالتين، يستشعرها صاحبها في المقام الأول، ومساحة الأمان هذه هي التي يمكن أن نسميها (خط رجعة) حيث تتيح لنا فرصة استشراف الرؤى القادمة للبقاء على نفس الموقف، أو لإتاحة فرصة المراجعة من جديد، وحيث لا يتسرب اليأس إلينا، ونفقد بوصلة مختلف الاتجاهات التي تحيط بنا، فالقرار مهما كانت صلابته، ومنهجيته؛ أحيانا؛ إلا أن هناك أفكار أخرى تستجد، تلزمك بإعادة التفكير من جديد في القرار الذي اتخذته، خاصة في القرارات المحورية، والحياة بها اتساع لاستيعاب مختلف المواقف، وأعني بالحياة هنا؛ الحياة الخاصة بكل فرد على حده، حيث لا توجد مفاهيم مطلقة في الفهم العام للحياة العامة، ونحن جزء من الكل.
كثيرا ما يحدث، وخاصة الآن ونحن في شهر الصيام المبارك، أن يفاجئك أحد الجلاس بالقول: «إيه لا تنسيوا أنكم صايمن»- باللهجة الدارجة – أو: «استغفر الله اللهم أني صائم» أو: «أنا متوضئ الآن» أو: «لا أنا خلاص كبرت عن هذا السلوك» أو: «يمكن يوم يخرج الوالد من المجلس» أو: «ترى ما بس القانون يراقبنا؛ نحن بعد، قادرين نراقب أنفسنا» وغيرها الكثير من هذه المواقف؛ التي أعتبرها حاسمة؛ في القدرة على اتخاذ موقف ما؛ صالح أو غير ذلك، هذه مسألة أخرى، ففي هذه المسافة الزمنية القصيرة التي يتخذ منا فيها قرار ما، أراها على قدر كبير من الأهمية، وأهميتها هي قدرة الإنسان في اتخاذ قرار ما، سوى كبح جماح نفسه عن الوقوع في مأزق أكبر، أو تأجيل الإقدام على ممارسة سلوك سيء، وربما في هذا التأجيل تحدث مفارقات كثيرة، تلغي النية مطلقا عن الإتيان بالسلوك غير المتوافق مع المنهج، أي كان هذا المنهج: اجتماعي، عقائدي، قيمي، والأمثلة السابقة غير مقصودة لذاتها، فهناك أمثلة كثيرة.