واشنطن وطالبان والحوار الصعب

عوض بن سعيد باقوير – صحفي ومحلل سياسي –

عانت أفغانستان طوال أكثر من مائة عام من مآسي الحروب رغم أن هذا البلد الإسلامي لديه ثروات طبيعية وموقع استراتيجي وجوار مهم مع باكستان والهند وإيران وهناك امتدادات قبلية خلال مناطق الحدود المترامية الأطراف، ومن هنا فإن أفغانستان بحاجة إلى إنهاء الصراع المسلح والدخول في مناخ سياسي جديد يبدأ بانسحاب القوات الأمريكية والأجنبية وإيجاد برنامج للإعمار من خلال مؤتمر دولي للمانحين وإدماج حركة طالبان كحزب سياسي مع بقية القوى السياسية الأخرى.

يدور حوار منذ عدة أشهر بين حركة طالبان الأفغانية والولايات المتحدة في العاصمة القطرية الدوحة لإيجاد حل سياسي لإنهاء الحرب الأهلية في أفغانستان وكذلك التواجد العسكري الأجنبي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 2001 في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر ومن هنا فإن الحوار يبدو معقدا وصعبا وهذا شيء طبيعي ومتوقع بعد عشرين عاما من الصراع الأمريكي مع حركة طالبان ذات الأصول البشتونية القوية.
وهناك آمال كبيرة أن تنتهي تلك المحادثات بين الجانبين إلى إقرار السلام في أفغانستان والتي تعاني قسوة الحروب منذ أكثر من قرن منذ انسحاب القوات البريطانية في أوائل القرن العشرين ومرورا بالاحتلال السوفييتي في أواخر عقد السبعينات من القرن الماضي إلى الحملة العسكرية الأمريكية على أفغانستان عام 2001 كما تمت الإشارة، ولعل البواعث على إمكانية نجاح المفاوضات ينطلق من عدة مؤشرات لعل في مقدمتها إدراك واشنطن بأن الحسم العسكري في الأزمة الأفغانية أصبح من المستحيلات علاوة على أن الحرب تحولت إلى حرب جماعات مسلحة ممثلة في طالبان ضد جيوش نظامية كالجيش الحكومي الأفغاني والقوات الدولية كما أن المجتمع الدولي لم يعد يكترث كثيرا بمجريات الحرب حتى أطلق عليها إعلاميا الحرب المنسية.
وعلى ضوء تلك المؤشرات يأمل زلماي خليل زاده ممثل الولايات المتحدة في حوار الدوحة وهو أمريكي من أصول أفغانية أن تؤدي النقاشات مع ممثلي حركة طالبان للوصول إلى قواسم مشتركة تؤدي في نهاية المطاف إلى إنهاء الحرب القاسية المتواصلة منذ عقدين، ويبقى التساؤل قائما ما هي فرص نجاح حوار الدوحة وهل الظروف الإقليمية والدولية والمناخ السياسي الداخلي في أفغانستان تساعد علي نجاح الحوار وما هي بوادر تلك الحلول على الأقل من وجهة نظر حركة طالبان؟

صعوبة الحوار

يعد الحوار المباشر بين الطرفين مؤشرا إيجابيا في حد ذاته علاوة على أن الرئيس الأمريكي ترامب أعلن عدة مرات بأنه يريد في نهاية المطاف سحب القوات الأمريكية من أفغانستان وأنه لا يريد أن تكون الولايات المتحدة بمثابة شرطي العالم وينطلق كلام ترامب من تداعيات استراتيجية واقتصادية فالحرب في أفغانستان هي أطول حرب تخوضها الولايات المتحدة، وهي حرب مكلفة اقتصاديا وذات أعباء سياسية ونفسية على القوات الأمريكية علاوة على الشعور العام داخل الولايات المتحدة بأن التدخل الأمريكي في الصراعات الإقليمية قد يزيد من فرص زيادة التوتر والهجمات على المصالح الأمريكية في أكثر من منطقة، وأخيرا فإن حركة طالبان تبقى حركه أفغانية ولا بد أن يتم دمجها في الشأن السياسي الأفغاني وهي مفتاح الحل للأزمة الأفغانية، ولعل إشراك حركة طالبان في الحكومة الأفغانية وأن يكون لها دور سياسي هو أمر أصبح مقبولا حتى لواشنطن ومن هنا فإن مسألة دمج حركة طالبان في الحياة السياسية هو أحد أهم الشروط من خلال التفاوض الحالي لإنهاء الحرب.
ومن المسائل الخاصة بصعوبة الحوار بين الطرفين هو عدم حضور حكومة الرئيس الأفغاني أشرف غني لجولات الحوار وهو الأمر الذي جعل حكومة كابول في وضع صعب ومع ذلك فإن واشنطن تدرك بأن نجاح المفاوضات مع طالبان يعني انتهاء الحرب الأفغانية والدخول في ترتيبات سياسية تقود إلى شراكة مجتمعية بين كل الحركات والأحزاب والقوي السياسية، حيث تعد طالبان الحركة الأساسية في الصراع وينبغي أولا الاتفاق معها على الإجراءات والآليات التي تؤدي في النهاية إلى وقف الحرب والشروع في العملية السياسية والتي من خلالها يتم إشراك كل القوى الأفغانية والبعد عن سياسة الإقصاء.
والحوار في مسألة شائكة كالصراع في أفغانستان تحتاج إلى وقت فسقف التوقعات إلى الطرفين عالية، وهذا أمر تفرضه استراتيجية المفاوضات ومن خلال ما يجري في الدوحة فإن المناخ العام يشير إلى أن كل الأطراف تريد السلام وأن الحرب لن تؤدي إلى شيء سوى استنزاف المقدرات الأفغانية وإنهاك الاقتصاد وضياع مستقبل الأجيال الجديدة، كما أن الحوار يستند إلى أسس معقدة من خلال غياب الطرف الحكومي وهو الأمر الذي سبب إحراجا لحكومة الرئيس أشرف غني.

الانسحاب الأمريكي

تعد مسألة الانسحاب العسكري الأمريكي من أفغانستان هو النقطة الأهم في الحوار بين واشنطن وحركة طالبان حيث تصر الحركة على أهمية جدولة الانسحاب حتى يمكن أن يجلس الفرقاء الأفغان للتوافق على المرحلة السياسية القادمة من خلال آليات الانتخابات والانتهاء من آثار الحرب والدخول في مناخ سياسي إيجابي يعطي الفرصة للفرقاء للحوار الأفغاني – الأفغاني فرصة، ومن خلال أجواء بعيدة عن وجود القوات الأجنبية، ومن هنا فإن صعوبة الحوار الآن تتركز على موقف حركة طالبان من الوجود العسكري الأجنبي وضرورة جدولة انسحابه على غرار الانسحاب السوفييتي في عقد الثمانينات من القرن الماضي ويبدو أن واشنطن في نهاية الأمر سوف توافق على جدولة الانسحاب من خلال التنسيق مع الحكومة الأفغانية والقوات الدولية الأخرى من أوروبا والتي ترى في حوار الدوحة فرصة للتخلص من أغباء الحرب في أفغانستان وعلى ضوء ذلك فإن المفاوض زلماي زاده وهو الخبير بالشؤون الأفغانية يدرك حقيقة المطلب الأساسي لحركة طالبان باعتبار أن الانسحاب هو المفتاح الأساسي لنجاح المفاوضات والدخول في عملية سياسية تتحول من خلالها حركة طالبان من حركة مسلحة إلى حركة سياسية.
الرئيس ترامب لا يريد المزيد من الكلفة الاقتصادية للتواجد العسكري الأمريكي في أفغانستان بعد مضي عشرين عاما تقريبا من الصراع المسلح والخسائر المادية والبشرية للقوات الأمريكية دون تحقيق الهدف الأساسي لشن الحرب عام 2001 للقضاء على القاعدة وحركة طالبان، صحيح أن القاعدة تسجل حضورا رمزيا ولكن حركة طالبان والتي تنطلق من امتدادات قبائل البشتون ظلت صعبة بل وسجلت حضورا من خلال الصراع ضد حكومة كابول والقوات الأجنبية وامتد نفوذها إلى عدة محافظات أفغانية حيث كشف تقرير أمريكي صدر مؤخرا عن تزايد مساحة الأراضي التي تسيطر عليها حركة طالبان مقابل تراجع للجيش الأفغاني علاوة على تزايد الهجمات المؤثرة على القوات الحكومية في كابول والمدن الرئيسية ومن هنا فإن الحل السياسي هو الخيار الوحيد لإنهاء معاناة الشعب الأفغاني في المقام الأول واستيعاب الحركات المسلحة وإقامة دولة مدنية يحكمها القانون والدستور ومن خلال تساوي الفرص لكل الشعب الأفغاني.

أفغانستان الجديدة

عانت أفغانستان طوال أكثر من مائة عام من مآسي الحروب رغم أن هذا البلد الإسلامي لديه ثروات طبيعية وموقع استراتيجي وجوار مهم مع باكستان والهند وإيران وهناك امتدادات قبلية خلال مناطق الحدود المترامية الأطراف، ومن هنا فإن أفغانستان بحاجه إلى إنهاء الصراع المسلح والدخول في مناخ سياسي جديد يبدأ بانسحاب القوات الأمريكية والأجنبية وإيجاد برنامج للإعمار من خلال مؤتمر دولي للمانحين وإدماج حركة طالبان كحزب سياسي مع بقية القوى السياسية الأخرى، وهذا بلا شك يعطي فرصة حقيقية لأفغانستان الجديدة المتصالحة مع نفسها ومحيطها الإقليمي والدولي وإعطاء الشعب الأفغاني فرصة في مجال التنمية والتحديث وإنهاء الحروب التي أنهكت هذه الدولة وإطلاق مشروعات التنمية، وعلى ضوء ذلك يعد حوار الدوحة فرصة حقيقية للفرقاء الأفغان أن يعيدوا حساباتهم بعد تلك التجارب المريرة حيث النتائج المأساوية للحرب وحيث وجود المشكلات الاجتماعية والفقر ونقص الخدمات وانتشار الجريمة وضياع آمال الناس البسطاء الذين يتطلعون إلى مستقبل أفضل، ومن هنا فإن الحوار وإن كان صعبا ومعقدا وسوف يأخذ وقتا إلا أن بصيص الأمل أصبح متاحا للافعان نحو الدخول في مناخ السلام والاستقرار والتحول إلى مرحلة أكثر إشراقا لأفغانستان وشعبها.