معركة التفاصيل .. التحدي الأساسي في المفاوضات

رشا عبدالوهاب –

«تقدم ملحوظ» حدث خلال مفاوضات استمرت 6 أيام بين المسؤولين الأمريكيين وطالبان أفغانستان في العاصمة القطرية الدوحة وهو ما يعكس أن الطرفين جادان في محاولة إيجاد حل سلمي للصراع المستمر منذ 18 عاما والذي قسم أفغانستان وتسبب في خسائر بشرية ومادية لا تحصى.
الجولة السادسة من المفاوضات، والثالثة في الدوحة استمرت 6 أيام مما يجعلها أطول محادثات بين الجانبين الأمريكي وطالبان خلال الأشهر القليلة الماضية وفي منتصف المفاوضات، أعلنت طالبان أن أحد أعضائها المؤسسين الملا عبدالغني برادر والذي كان يعتبر الرجل الثاني بعد الملا عمر وأمين خزائنها، تم تعيينه مدير المكتب السياسي للحركة في قطر، بعد الإفراج عنه من السجن في باكستان.
برادر كان على رأس قائمة المسجونين الذين طالبت الحركة بإطلاق سراحهم خلال المفاوضات، يتم التعويل عليه كثيرا في إقناع القاعدة الشعبية في طالبان بقبول أي اتفاق يتم التوصل إليه.
وتشير الترجيحات إلى أن التقدم الذي حدث في المفاوضات دار حول قضيتين جوهريتين:
الأولى: تتمثل في انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان، والثانية: تعهد من طالبان أن الحركة لن تسمح لمنظمات الإرهاب العالمي مثل القاعدة باستخدام الأراضي الأفغانية كقاعدة لها في المستقبل، لكن تظل هناك قضايا خلافية بين الجانبين مثل كيفية تطبيق وقف إطلاق النار، طالبان ربطت ذلك بشرط وحيد وهو الاتفاق على تحديد موعد لانسحاب القوات الأجنبية.
الحركة التي أسسها الملا محمد عمر في سبتمبر 1994 في مسقط رأسه بقندهار إلى جانب مجموعة من 50 طالبا من طلاب المدارس الدينية ووصل عددهم إلى 15 ألفا خلال أشهر قليلة، ترفض الموافقة على وقف إطلاق النار قبل التوصل إلى تسوية بشأن الانسحاب الأمريكي، ومنطقهم أنه من الصعب إقناع مقاتليها برفع السلاح مجددا في حالة عدم الوفاء بالتعهدات.
وترفض طالبان حاليا إجراء محادثات مباشرة مع الحكومة الأفغانية، كما تستمر المفاوضات مع واشنطن بشأن «المسائل التي لم تحل» حيث أشارت الحركة خلال اجتماعها الأخير في الدوحة إلى أنها ستشكل لجنة لإصدار توصيات بخصوص التفاوض مع كابول.
ووجه الرئيس الأفغاني أشرف غني انتقادات مبطنة لطالبان حيث قال: إن 45 ألفا من قوات الأمن الأفغانية لقوا مصرعهم منذ توليه منصبه في 2014 وأن هذا «يكشف من يفتعل الصراع».
غني يرى أن الهدف من مفاوضات الدوحة يتمثل في جلب الحكومة وطالبان وجهان لوجه إلى مائدة المفاوضات، وتخشى حكومة كابول من استبعادها من المفاوضات، وهو ما تعيه واشنطن جيدا حيث سافر زلماي خليل زاد مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى أفغانستان لإطلاع السلطات الأفغانية على مسار المفاوضات وتأكيده على أن أي اتفاق يجب أن يتضمن حوارا أفغانيا داخليا.
ومن المتوقع أن تكون المحادثات بين طالبان والحكومة الأفغانية أكثر تعقيدا وحساسية من المفاوضات التي جرت في وقت سابق، والتي يمكن أن تتضمن دور الديمقراطية وحقوق المرأة، حيث إن الحركة تعتبر ركنا أساسيا لتحقيق السلام، كما أنها وصفت الحكومة الأفغانية بأنها «دمية» في يد الولايات المتحدة.
غني حاول الخروج من الطريق المسدود للتفاوض مع الحركة عبر تشكيل مجلس برئاسته من كبار المسؤولين السياسيين لاختيار مفاوضين والإشراف على عملهم. وفي نهاية الشهر الماضي، دعا الرئيس الأفغاني، خلال اجتماعات المجلس الكبير «لويا جيرجا»، طالبان إلى مفاوضات بلا شروط، إلا أنه وضع شروطه الخاصة التي تتيح تسوية مع الحركة التي تصنفها الكثير من دول العالم باعتبارها «إرهابية» تشمل الإبقاء على الدستور وحماية حقوق المرأة ووسائل الإعلام وحرية التعبير.
وعلى الرغم من ذلك قاطع كبار السياسيين اجتماع «اللويا جيرجا» الأكبر منذ 2013، ومن بينهم الرئيس التنفيذي عبدالله عبدالله والرئيس الأسبق حامد كرازي، إلا أن واشنطن رحبت به كدليل على وحدة الأفغان، فالمبعوث الأمريكي طالب كابول بتقديم فريق للتفاوض يمثل كافة أطياف المجتمع الأفغاني.
وفشلت مفاوضات السلام السابقة في مراحلها الأولى بين طالبان وكابول، ففي 2013، تم إلغاء المحادثات في قطر بسبب غضب الرئيس حامد كرازي من وجود علم طالبان في مكاتب الحركة في قطر، فيما اعتبره تقويضا للسلطة. وفي 2015 انهارت المحادثات بين المسؤولين الأفغان وطالبان في باكستان بعد أنباء عن وفاة الملا عمر والذي ينفد مفاوضو الحركة تعليماته. كما فشلت روسيا في تقريب وجهات النظر بين الجانبين خلال اجتماع دولي استضافته موسكو في فبراير الماضي، وقال زامير كابولوف مبعوث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الخاص إلى أفغانستان: إن المفاوضات بين كابول وطالبان وصلت إلى وضع متأزم، كما أنه أشار إلى استعداد بلاده، من حيث المبدأ، على المساهمة في رفع العقوبات الدولية التي فرضها مجلس الأمن الدولي على الحركة الأفغانية وحضر الاجتماع مسؤولون من الحكومة الأفغانية بصفتهم الشخصية، وهو ما جعلهم عرضة لانتقادات الحكومة ونشطاء المجتمع المدني، إلا أن محادثات موسكو شكلت خطوة مهمة في رحلة طويلة باتجاه السلام.
وفي المفاوضات التي جرت العام الحالي، لعبت باكستان دورا خلف الكواليس، وإن كان محوريا في دعم محادثات السلام، ومن بينها تسهيل سفر مفاوضي طالبان، وإطلاق سراح الملابرادر في أكتوبر 2018، وكما أكد بعض قادة طالبان أنهم لم يروا إسلام آباد بهذه الجدية من قبل، فقد اعتقلت سلطات إسلام آباد عائلات أعضاء طالبان خلال الأشهر القليلة الماضية للضغط على الحركة من أجل التفاوض مع الأمريكيين. وطبيعي أن تدخل باكستان على خط دفع المفاوضات، فمن مصلحتها أن تضمن خروج آمن للقوات الأمريكية من أفغانستان، وسط توقعات بأن يتسبب ذلك في سلسلة من موجات الصدمة الاقتصادية الإقليمية، وعزز من هذه المخاوف إعلان ترامب الانسحاب من سوريا على الرغم من اعتراضات وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون».
وعلى الرغم من وجود 14 ألف جندي أمريكي في أفغانستان، إلا أن وجودهم يضمن التدفق المالي المتواصل من الولايات المتحدة لأفغانستان، كما أن احتياطات النقد الأجنبي نفدت في باكستان وتجري محادثات مع صندوق النقد الدولي حول حزمة الإنقاذ الثالثة عشرة منذ ثمانينات القرن الماضي، حيث إن إسلام آباد تحاول تجنب سيناريو انزلاق كابول إلى مزيد من الفوضى في ظل محاولاتها جذب المستثمرين الأجانب لدعم اقتصادها.
وعامة فإن المفاوضات مع طالبان يجب أن تسير على مسارين:
الأول بينها وبين الولايات المتحدة والثاني عبر حوار أفغاني – أفغاني، وكلا المسارين يكمل الآخر، ولا يمكن أن ينجح واحد منهما بشكل حقيقي بدون أن يتضمن ممثلين عن كل الأفغان والحكومة الأفغانية، خصوصا قبيل الانتخابات الرئاسية المقررة في سبتمبر المقبل.
ويجب أن يتضمن الحوار الداخلي الأفغاني قرارات صعبة، ومن بينها مستقبل الدستور الأفغاني، ودور قادة طالبان، بالإضافة إلى ضمانات لحماية الحريات المدنية.
ويخاطر الساسة الأفغان بضرورة عدم الوقوع في فخ «لعبة صفرية» في المفاوضات، أو محادثات بلا نتائج واضحة، فالأفغان يريدون نتائج ملموسة يشعرون بها في حياتهم اليومية وأن يكون لهم نصيب في تحقيق مكاسب بعد 18 عاما من الحرب.
وتوجد ثلاثة سيناريوهات محتملة للمفاوضات بين طالبان وكابول:
الأول أن تتفاوض الحركة مع كابول مباشرة، فالحكومة تملك نظاما سياسيا قائما بالفعل، وتريد الانفراد بالسلطة دون شريك سياسي. هذا السيناريو مدفوع بالهدنة التي وقعتها الحكومة مع زعيم الحزب الإسلامي غلب الدين حكمتيار مقابل العفو والاعتراف بحزبه كحزب سياسي ورفع اسمه من القائمة السوداء للأمم المتحدة.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في رغبة طالبان في إزاحة الحكومة الحالية والانفراد بالسلطة خصوصا مع زعمها أنها تسيطر على 50% من أفغانستان، كما أنها تتفاوض مع فاعلين دوليين حاليا مثل الولايات المتحدة وروسيا، وهو ما يشكل اعترافا صريحا بمدى قوة الحركة على الأرض، إلا أنه سيحول أفغانستان إلى دولة دينية ومرتعا للتنظيمات الإرهابية لتعود مثلما كانت قبل 2001. أما السيناريو الثالث، فيتمثل في تشكيل جبهة موحدة من القوى السياسية المختلفة في أفغانستان، ومن بينهم معارضو الرئيس الأفغاني والشباب والنساء، للتفاوض مع طالبان ورسم خريطة طريق للسلام في أفغانستان.
ويكمن الشيطان دائما في التفاصيل، كما علق مبعوث ترامب على مفاوضات الدوحة الأخيرة، فهناك تقدم ولكنه بطيء، فالاتفاقية الإطارية التي تم التفاوض عليها ترتكز على أربعة جوانب مهمة وحاسمة، وهي انسحاب القوات الأجنبية من أفغانستان، وضمان عدم استخدام أرض أفغانستان ضد الولايات المتحدة أو أي دولة أخرى، وإطلاق الحوار الأفغاني، والتوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار عبر إنهاء العنف.
وتظل معضلة وجود القاعدة وداعش وتنظيمات إرهابية أخرى في أفغانستان عاملًا مثيرًا للقلق ومفتوحا على سيناريوهات أخرى لإنهاء الحرب في أفغانستان.