طالبان والأمريكان.. وفاق أم افتراق؟

إميل أمين –

لعل العلاقة بين حركة طالبان الأفغانية والولايات المتحدة الأمريكية هي واحدة من أعقد العلاقات في العقود الأربعة الأخيرة، بسبب تغيرات الأوضاع وتبدل الطباع السياسية حول العالم عامة، وفي شأن رؤية أمريكا للشرق الآسيوي من جهة خاصة.

لم تكن هناك علاقات عميقة بين واشنطن وكابول قبل الغزو السوفيتي العام 1978 لأفغانستان، وساعتها تخوفت الولايات المتحدة الأمريكية من اقتراب امبراطورية الشر كما كان يطلق عليها الرئيس رونالد ريجان في بدايات حكمه.
كان القرار الأمريكي واضحا كل الوضوح، أي ضرورة تسليح وتجهيز فصائل مقاومة أفغانية لتكون عقبة في طريق السوفيات، ولمنعهم من التقدم إلى الأمام جهة آبار النفط في الخليج العربي والشرق الأوسط، وقد نجح الأمريكيون بالفعل في حشد الشباب العربي والمسلم، وإقناعهم بأن الذهاب إلى أفغانستان هو نوع من أنواع الجهاد المشروع، وهناك من دفع فاتورة الحركة على الأرض، فيما أمريكا جهزت الجميع لوجستيا وعسكريا.
الذين عندهم علم من كتاب الإعلام الأمريكي في أوائل الثمانينات يتذكر جيدا كيف أن الولايات المتحدة وريجان تحديدا كان يستقبل المقاتلين الأفغان من حركة طالبان داخل البيت الأبيض، وقد اطلق عليهم «المقاتلون الأحرار»، سيما وأنهم باتوا مدافعين عن المصالح الأمريكية حول العالم، ولم يكن العم سام مدركا أن هؤلاء يوما ما سوف يصبحون خنجرا في خاصرة أمريكا.
خلال عقد من الزمان وبعد انسحاب السوفيات استيقظ الأمريكيون على إشكالية كبيرة تمثلت في نشوء وارتقاء جماعة طالبان، وتاليا العائدون من أفعانستان، وعلى الأراضي الأفغانية سوف يولد تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن، الرجل الذي دربه وموله وسلحه الأمريكيون، وبات الهاجس الأكبر لهم، والذي سيقدر له أن يغير من شأن استراتيجيات أمريكا العالمية، بعدما استطاع تدبير هجمات الحادي عشر من سبتمبر من العام 2001.
أضحت أفغانستان ميدانا لضرب النار، وحركت أمريكا – بوش الابن جيوشها لمقاتلة طالبان، وفاتها أن هناك دولا بعينها عبر التاريخ يصعب معها الحل العسكري، فالأرض تحارب مع أبنائها، لا سيما وان التضاريس الجغرافية لأفغانستان صعبة التعاطي معها، ما يسر لجماعة طالبان الاختفاء والاختباء، وتوقي شر ضربات طائرات الناتو المكثفة، من خلال المغائر وشقوق الأرض.
الآن تعود حركة طلبان لتضحى رقما صعبا في العلاقة مع الحكومة الأفغانية الرسمية المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية، بل هناك بعد اكثر إثارة في المشهد، وهو أن طالبان يمكنها في حاضرات أيامنا أن تضحى حاضنة لما هو أسوأ جدا، حاضنة للإرهاب العالمي القائم والقادم، فالحديث الآن موصول باختيار تنظيم «داعش» لبعض المناطق في جنوب شرق أفغانستان، لتضحى المقر الجديد للخلافة المزعومة بعد الاندحار والانهيار في العراق وسوريا، ولم يعد سرا أن كثيرين جدا هناك من أعضاء طالبان باتوا يرون في داعش تنظيما جديدا مغريا بالانضمام إليه، سيما وان أدواته المتشددة حديثة ومتطورة عن فكر وأدوات طالبان والقاعدة على حد سواء.
هل لهذا السبب تحاول الولايات المتحدة الأمريكية إعادة طالبان إلى جادة المجتمع الدولي، وتقويم مسارها من خلال المفاوضات ما يجعل منها علامة للاستقرار داخل المجتمع الأفغاني، سيما إذا تم تصويب مسار علاقتها مع الحكومة الأفغانية الرسمية للبلاد، وتاليا لتجييشها في مواجهة عصابات الإرهاب الدولي وفي المقدمة منها داعش على الأراضي الأفغانية؟
مع بداية شهر مايو الجاري كانت هناك جولة جديدة من جولات الحوار الأمريكي مع طالبان جرت وقائعها في العاصمة القطرية الدوحة، وبقيادة «زلماي خليل زاد» السفير الأمريكي السابق لأفغانستان خلال إدارة الرئيس جورج بوش الابن، بصفته مبعوثا خاصا للرئيس لأفغانستان.
السؤال الأول الذي يواجه أي باحث محقق ومدقق في شأن تلك المباحثات في الحال والاستقبال: هل يمكن التوصل إلى اتفاقات سريعة بين الجانبين وفي وقت قصير؟
يضحى من غير الطبيعي أن يفكر المرء على هذا النحو، سيما وان العداء بين الجانبين مستحكم، كما أن هناك إشكالية أخرى كبرى في الطريق، وهي أن الأمريكيين يفكرون في صراعهم مع الأفغان من منظور أيديولوجي، أما الأفغان فهم اقرب ما يكونوا إلى السياقات الدوجمائية، ولهذا فإن الطرفين لا يلتقيان كثيرا، الأمر الذي سيجعل من المفاوضات أمرا شاقا وعسيرا.
في تغريدة له على «تويتر» قال «ذبيح الله مجاهد» المتحدث باسم حركة طالبان، صباح الأول من مايو الجاري: «ستعقد الجولة السادسة من المحادثات بين فريق التفاوض لـ(طالبان) والولايات المتحدة في الدوحة، وكانت طالبان قد عقدت بالفعل خمس جولات سابقة من المحادثات مع الولايات المتحدة ممثلة في مبعوثها الخاص للسلام، زلماي زاد».
احد أهم الأسئلة المطروحة على مائدة النقاش في هذا الإطار.. لماذا نجد أمريكا مهتمة بدرجة كبيرة للتوصل إلى اتفاق مع طالبان؟
ثم أليس الأجدر البقاء على نفس المنظومة الفكرية التي لا ترى في طالبان سوى الأعداء، أم أن هناك شيئا بعينه تغير في عقل القيادة الأمريكية في الفترة الأخيرة وربما يكون هذا الشيء مرتبطا بالرئيس ترامب أكثر من ارتباطه بأي قيمة أو توجه سياسي آخر؟
يمكن القطع بداية بأن الرؤى السياسية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لا سيما ما يتعلق منها بالسياسات الخارجية والعلاقات مع العالم الخارجي قد وضحت جلية منذ عام ترشحه للرئاسة، فالرجل غير مهموم أو محموم بأمور الكون، وقد صرح غير مرة بأن أمريكا ليست لها رغبة في أن تكون شرطي العالم أو شريفه، ويكفيها أن تبحث فيما يهمها ويخصها أي أن تكون الأولى حول العالم، وان لا تسعى وراء مطاردة الأشرار في شمال الأرض وعرضها.
الرئيس ترامب رجل أعمال كان ولا يزال وسيظل مهتما فقط بالأرقام وحسابات الربح والخسارة من المنظور المالي، وهو يضع نصب عينيه تريليونات الدولارات التي تكبدتها بلاده في حرب أفغانستان والعراق، ويجاهد بأكبر قدر ممكن من اجل تحقيق نجاحات مالية كبرى، وعليه فلا مصلحة له من جديد في مطاردة في جبال ودروب أفغانستان يمكنها أن تكلف خزانة البلاد المزيد من الأعباء.
الجزئية الأخرى التي توضح لنا الأسباب الحقيقية وراء السعي الأمريكي للتفاوض مع طالبان موصول بالاستراتيجية الأمريكية الكبرى، «القرن الأمريكي»، تلك التي تمت بلورتها من جديد العام 2010 فيما عرف بـ«استراتيجية الاستدارة نحو آسيا».
المعنى والمبنى هنا هو أن واشنطن لديها قلق جذري تجاه الصين وروسيا، وليس أفغانستان، ومن اجل أن تكون قريبة من مواقع الأحداث، بل على الحدود من القوتين الأكثر منافسة لها على الصعيد العالمي، فإنه من صالحها إنهاء الصراع والخلاف مع طالبان، وحتى إن لم تكن حليفا لواشنطن فعلى الأقل تحاول تحييدها، أو هكذا يظن الأمريكيون.
لكن شأن أي مفاوضات حول العالم يحاول كل طرف فيها أن يحقق أكبر قدر من المكاسب على حساب الطرف الآخر، فقد انتهت الجولة الأخيرة في الدوحة بعد بضعة أيام من النقاش سيما وان الطرفين شعرا بأنهما لن يحرزا تقدما كبيرا من أجل الوصول إلى اتفاق..
ترى ما هي نقاط الخلاف الرئيسية التي تعوق مستقبل المفاوضات؟
باختصار غير مخل الهدف الأول والرئيسي لطالبان هو انسحاب القوات الأمريكية وقوات حلف شمال الأطلسي من البلاد، وهذا مطلب في حد ذاته لا يمكن أن يحدث بين عشية وضحاها، سيما وان منسوب الثقة بين الجانبين ضعيف للغاية.
ولعله من المعروف أن الولايات المتحدة الأمريكية لها نحو 14 ألف جندي على الأرض في أفغانستان في إطار بعثة الدعم الحازم التي يقودها حلف شمال الأطلسي والتي تدرب قوات الأمن الأفغانية وتساعدها في معركتها ضد مقاتلي طالبان وجماعات متطرفة أخرى مثل داعش والقاعدة.
ما تطلبه طالبان مضاد في واقع الحال لرؤية الرئيس ترامب، فعلى الرغم من انه توعد في بدايات ولايته بان يسحب القوات المسلحة الأمريكية المنتشرة في أرجاء العالم، إلا انه تراجع لاحقا عن وعده هذا فيما يخص أفغانستان تحديدا، على اعتبار أن انسحاب قوات الولايات المتحدة السريع من هناك سوف يخلق فراغا كبيرا للإرهابيين، يمكن لهم أن يستغلونه ومن خلاله يمضون إلى مهاجمة الأهداف والمصالح الأمريكية في آسيا والشرق الأوسط بداية وللأمر أن يتطور وصولا إلى الداخل الأمريكي، في تكرار لما حدث قبل 18 سنة حين وفرت طالبان مأوى للقاعدة وأفرادها.
الرئيس ترامب يرى أن الحل السليم هو «البقاء والقتال من أجل الفوز»، وهو الأمر الذي يدركه رجال طالبان إدراكا وافيا، ولهذا فإن الطلب الأمريكي بأن تسلم طالبان أسلحتها وتلقيها بعيدا، هو طلب من قبيل الخيال الأمريكي غير المستند إلى أي واقعية والسؤال لماذا؟ تعلم طالبان تمام العلم ما قاله رئيس وزراء بريطانيا العتيد «ونستون تشيرشل» ذات مرة من انك لا يمكن أن تفاوض أو تنجح في مفاوضاتك إلى مدى أبعد من ذاك الذي يمكن أن تصل إليه نيران مدافعك.
والمعنى والمبنى هنا موصول بفكرة ما لدى طالبان من قوة وأوراق على مائدة التفاوض، وهل هو كفيل بإقناع الأمريكيين بحضورهم ونفوذهم أم لا؟
من البديهي أن يفكر الطالبانيون على هذا النحو ما يجعل تصادم الإرادات أمرا حتميا، ولهذا كان تعليق المباحثات بعد الجولة السادسة الأخيرة في الدوحة.
هل يعني ذلك أن الاتفاق أمر ميؤوس منه بين الجانبين؟
بالقطع لا، فالحقيقة هي أن هناك عملية جس نبض وربما تكون عض أصابع بين الجانبين أو خليطا من هذا وذاك معا، لكن في النهاية تبقى هناك رغبة لإنهاء عقود من الصراع بين الجانبين، وهذا ما أشارت إليه صحيفة النيويورك تايمز الأمريكية والتي أكدت وجود تفاوض جدي على صفقة تتمثل في إعلان حركة طالبان تخليها عن دعم الجماعات الإرهابية العالمية، وكذلك عدم استخدام أفغانستان منطلقا للهجمات على الولايات المتحدة الأمريكية، وفي المقابل توقف أمريكا إطلاق النار وتحدد جدولا زمنيا للانسحاب من أفغانستان.
الخلاصة أضحى من مصلحة واشنطن الآن احتضان طالبان من جديد، ومن مصلحة طالبان التفرغ لبناء الدولة التي هزمتها الحروب والصراعات.