الرقابة .. أن تكون أكثر اطمئنانا

أحمد بن سالم الفلاحي –

يأتي رمضان ليوقظ فينا الهمم، ويشعل بين جوانبنا الصبر، ويجدد مختلف علاقاتنا بالآخر الذي نتقاسم معه حلو الحياة ومرها، على أرضية سواء، ومتى شاعت هذه الصورة بين أفراد المجتمع، يقينا، استطاع أن يتحرر من كثير من النوازع الذاتية، والمظان الخاصة.
عندما يأتي رمضان يعلو إلى حد كبير سقف هذه المادة المعنوية التي تسمى الـ«رقابة» أو المراقبة، وذلك لسبب كبير، وهو ربطها بالجانب الديني في حياتنا اليومية، فالدين محدد مهم سواء في الشروع نحو عمل ما، أو الرجوع عن الإقدام على عمل ما، فهو، أي الدين، بمثابة البوصلة، التي يقاس عليها حركة الإنسان وتفاعلاته المختلفة مع ما يحيط به، ومتى تجرد الفرد من مسؤولية الدين، تفرغ من جميع مسؤولياته، حيث لا يبقى عندها سوى القدرة المادية في اكتساح كل ما هو متاح أمام هذا الفرد، حيث ينتقل الحال من إنسان سوي إلى إنسان يأتي بكل الموبقات، فلا تحده رقابة، ولا يكبح جماح قواه إلا عجزه المادي عن الاستمرار. يأتي رمضان ليوقظ فينا الهمم، ويشعل بين جوانبنا الصبر، ويجدد مختلف علاقاتنا بالآخر الذي نتقاسم معه حلو الحياة ومرها، على أرضية سواء، ومتى شاعت هذه الصورة بين أفراد المجتمع، يقينا، استطاع أن يتحرر من كثير من النوازع الذاتية، والمظان الخاصة، والرقابة خلق رفيع المعنى وسامي المقصد، وتربية بدنية ومعنوية يجب أن تسود في جميع تفاعلاتنا في الحياة، وإذا كانت الرقابة تنشط أكثر في هذا الشهر بين العبد وربه، فالأولى أن تكون منهج حياة دائما بين الإنسان وأخيه الإنسان، بل بين الإنسان وما حوله من الكائنات الأخرى التي لها حقوق الرحمة والعطف والحياة، لذلك نقر منهج الرقابة في حياتنا، ونؤمن بأهميته، ونجزم بأن الحياة لا تقوم مختلف علاقاتها الوشائجية بين أفرادها إلا بها.
نعي جميعنا أن الرقابة ليست طائرا أسطوريا، بقدر ما تكون قيما، وأنظمة، تطبق على أرض الواقع، ولذلك من يراهن على الأخلاق فقط، أو الدين فقط، على سبيل المثال، على أنهما الغالبان في شأن تطبيق الـ«رقابة» وتوظيفها على الواقع، يكون واهما إلى حد كبير، فالإنسان بطبيعته يعيش مغالبة غريبة، تفقده في مواقف معينة إنسانيته، واجتماعيته، فيصبح ماردا يكتسح الأخضر واليابس على حد سواء، إلا أن يقع في محددات طبيعية يمر عليها كل كائن حي، وهي: الفقر والمرض، والموت، ومتى وقع الإنسان في أحد هذه المقلصات لعنفوانه المتطول، عندها يمكن أن يتراجع إلى الخلف قليلا، أو تكون عنده فرصة المراجعة لما هو ذاهب في غيه، ومن هنا يستلزم الأمر أن لا تترك الفرصة للفرد حتى يقع في أحد هذه «المطبات» المهلكة، إن تجوز التسمية، لأنه وحتى ذلك الحين، فقد يتضرر أناس كثيرون من مجموعة الممارسات التي سوف يسلكها هذا أو ذاك، ومن هنا يستلزم الأمر أن تكون هناك رقابة مفروضة، بفعل القوانين والأنظمة، وتظل منهج عمل قائما وواضحا بين أي مجموعة تتقاسم مصالح معينة، وهذا لا يلغي دور الرقابة المنسلة من الفطرة السليمة، ومتى تحقق ذلك عند شخص معين، عندها تبقى هناك ثمة مقاربة موضوعية مهمة يتعزز من خلالها دور الرقابة ويؤتي أكله بصورة مستمرة، ولكن لأن الناس غير متساوين في الملكات وفي القيم الرفيعة، فإنه يصبح في حكم الواجب أن تسن القوانين والأنظمة لتفعيل دور الرقابة، ولذلك لهدف المحافظة على حقوق الناس، وعدم تعدي فئة على أخرى ظلما وزورا.
الكل يستسهل التنصل من المسؤوليات، إلا الاستثناء، ويرى في الرقابة تكريسا لمحاصرته من جميع الجهات، وهذا سبب المصادمة مع كل ما يوحي على أن هناك رقابة ما، فهل وجدت الرقابة لتكبيل الحريات؟
أم أنها لتنظيم العلاقات بين مختلف القوى الفاعلة في بيئة معينة؟
وهل، حقيقة، تبقى المعوَّل عليها لتأصيل الأمانات في النفوس؟
وإلى أي حد تلعب في تعزيز التربية الخلقية عند الجميع؟
وما هو الدور الذي تلعبه في المحافظة على مجموعة من الأدوات والوسائل التي تحفظ حقوق الناس، ولا تتيح الفرصة للتطاول على هذه الحقوق؟
ينظر إلى رقابة الذات على أنها من اسما الأدوات الرقابية عند الفرد وهي المعول عليها في العلاقة القائمة بين العبد وربه، ومتى تراجعت عن دورها، يبقى لكل الأدوات الأخرى دور استثنائي غير فاعل بالصورة المأمولة، ومن هنا يأتي تجريم العقوبات على جميع الانتهاكات التي يقوم بها الأفراد بعضهم على بعض، أو حتى في حق أنفسهم، ومن هنا أيضا يأتي سن القوانين، لأن التجربة الإنسانية الطويلة لم تثبت، حتى الآن، أن قوة الضمير، أو الرقابة الذاتية كانت لها القدرة على تسيير حياة الناس بالصورة العادلة، حيث لا ظالم ولا مظلوم، فلا تزال الانتهاكات التي يقوم بها الأفراد بعضهم على بعض قائمة، ولا يزال مسلسل الاغتيالات في حق مختلف الأمانات قائم، ولا يزال الإنسان بما أوتي من قوة وكبرياء يمارس غواياته المختلفة على أخيه الإنسان، وهذا كله يؤكد أن الرقابة الذاتية غير فاعلة بالصورة التي تخصب الحياة اليومية بالعدل والمساواة، ويؤكد كذلك أنه لا غنى عن القوانين والأنظمة التي تجبر الجميع على الخضوع لمسارات الرقابة وتوجهاتها المختلفة، في كل المواقف والمواقع بلا استثناء، ما عدا العلاقة القائمة بين العبد وربه، فرقابتها موكول تقييمها ومتابعتها لدى رب العزة والجلال، فهو الوحيد المطلع عليها، فما بين العبد وربه لغة حوار غير معلنة أصلا، وما عدا ذلك يجب أن يخضع لقانون البشر.
ومن هنا ينظر إلى أن الرقابة ليست حالة تصالح مع الذات، وإلا لحلت الكثير من القضايا التي لا تزال عالقة، فالإنسان بطبيعته مشاكس، وعنيد، ويأتي بتصرفات «معوجَّة» وهذا مما يزيد من تأزم العلاقة سواء بينه وبين الآخرين من حوله، أو بينه وبين ذاته، أو بينه وبين خالقه، فمن يأتي بمختلف الممارسات الخاطئة، في مناخاتها الثلاثة، هو يمارس عنادا واضحا لكل القيم الذاهبة إلى الصلاح، وإلى إعفائه من مطب الوقوع في المحظور، وبالتالي يصبح في أمر الواقع أن لا يترك الإنسان، وفق فطرته، المتحررة من كل الالتزامات الاجتماعية، والقانونية، والدينية، وإلا لفسدت الأرض.
عندما تصاب بحالة من الارتباك في موقف ما، فإن في ذلك مؤشرا مهما على أنك أصبحت أكثر قربا من الرقابة الذاتية التي تربك حساباتك العاطفية، فالرقابة تتجاوز مظنة العاطفة، بل هي تصطدم بها في مختلف المواقف، فالعاطفة حالة إغراء مستمرة، تخفت في مواقف الرقابة، وتنشط في مواقف غيابها، ولئن العاطفة مادة تسيل اللعاب، وتخاطب فينا الغرائز الكامنة، فإننا نركن إليها دائما، ونغض الطرف عن مارد الرقابة المتسلط على رقابنا، كما نعتقد، ولذلك فمن أهم المحامد المحسوبة للرقابة هي قدرتها، عند الإيمان بأهميتها، على تجسير الفجوة، وتخفيف حدة الصراع القائم بين العقل والعاطفة حتى تصل إلى مستوى الصفر بين الطرفين، وهذا، في تقديري، أهم دور تقوم به الـ«رقابة» وهي هنا تمارس نوعا من الترويض، والترويض، كما هو معروف، مادة تربوية مهمة تحققها الـ«رقابة» في مثل هذه الحالات، فجموح الأنفس لا يزال يستمرئ العمل المشين في أي مناسبة لا يكون للرقابة حضور قوي، سواء بقوة القانون، أو بقوة الضمير المرتبط مباشرة بوعي رقابة الله علينا.
هل الرقابة سيف مسلّط على النفوس البشرية، ويجب أن يكون مستلا بصورة دائمة؟
واقع الحال يقول: نعم، وإن لم تكن بهذا المستوى من القوة، فيجب أن تكون كذلك، لأن النفوس أدمنت حالة الخروج عن النص، مهما كلفها ذلك الشيء الكثير، في الوقت نفسه، أن الحياة التي يتقاسمها الناس جميعا، لا يمكن أن تكون متاعا مشاعا للجميع، وبالصورة التي يريدها الجميع، وإلا لأصبحت الحياة العامة، واحدة من شرائع الغابة، وهذا لا يمكن أن يتحقق في حياة الناس، الذين فيهم: الفقير، وفيهم الضعيف، وفيهم المريض، وفيهم أصحاب الحاجيات المختلفة صغيرها وكبيرها، وبالتالي متى استرسلت النفوس في الإتيان بأي ممارسة خاطئة، وبأي فعل غير محمود، وبأي تطاول غير محدود، هلك الضعفاء، والفقراء، وازداد المظلوم ظلما، ولن يبقى إلا سلطان القوة، وجبروت الفعل هو السائد، وهذا لا يمكن قبوله في أي مجتمع إنساني، وفي أي حياة اجتماعية.