عن نكبة الفلسطينيين في ذكراها الـ 71

ماجد كيالي –

ليست النكبة، بالنسبة للفلسطينيين، شأناً عاماً ولا سلب أرض وأملاك، وفقط، إذ هي فوق كل ذلك شأناً شخصياً، إذ انتزع من الفلسطيني (1948) معنى حياته وحولته إلى مجرد شخص لاجئ أو رقم أو حالة أمنية أو سياسية، ما نجم عنه القلق الوجودي المزمن عند الفلسطينيين، إذ مع الحرمان من الوطن والهوية جرى حرمان الفلسطينيين من حقوقهم كبشر، وجرح كرامتهم، فوق المأساة التي عاشوها لأجيال.
منذ البداية قامت هوية الفلسطينيين على سرديتي النكبة واللاجئين، بتأسيس إسرائيل كدولة استعمارية واستيطانية وعنصرية ودينية (يهودية)، لذا فأي محاولة للمساس بهاتين القضيتين يضر بصدقية قضية فلسطين، لأنه يعني التفريط بقيمتي الحقيقة والعدالة، كما يضع الهوية الوطنية، ووحدة الشعب الفلسطيني في مسار التساؤل والتفكّك والتحلّل، وهذا ما يفترض إدراكه جيداً وأخذه في رأس الاعتبارات في السياسة والثقافة والاجتماع.
وفي الحقيقة، فإن أية خطوة سياسية تؤدي، أو تفرط، بالمسألتين المذكورتين، بدعوة الشطارة، أو التسوية، لن تصل إلى نتيجة وستتبين عن عبث وعن تنازل مجاني، وهو ما تم تجريبه منذ ربع قرن، مثلا، في اتفاق أوسلو (1993)، الذي وافقت فيه القيادة الفلسطينية على تسوية لجزء من شعب فلسطين في جزء من أرض فلسطين (22 بالمائة) في جزء من حقوق الفلسطينيين الوطنية والتاريخية، إلا أن إسرائيل أطاحت بكل ذلك، بإصرارها على اعتبار القدس عاصمة موحدة تحت سيادتها، وبمواصلتها الاستيطان في الضفة الغربية، ومصادرتها أراضي الفلسطينيين فيها، ورفضها حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، واعتبارها ذاتها بمثابة دولة قومية لليهود، بحسب قانون القومية اليهودية، الذي أقرته صيف العام الماضي.
هكذا، فمنذ قيام إسرائيل، قبل 71 عاما، لم تغير من طبيعتها، ولم تتحول إلى دولة عادية، إذ هي مازالت من دون دستور يرسم حدودها الجغرافية والبشرية، إذ تعتبر نفسها دولة لكل يهود العالم وليس لمواطنيها، بل إنها كرست ضم الجولان السورية، لذا فهي تبدو اليوم، ربما أكثر من أي وقت مضى، وفي ظل الانزياح نحو اليمين القومي والديني، بقيادة نتانياهو، مجرد دولة استعمارية وعنصرية وكدولة مستوطنين ومتدينين.
ولنلاحظ أن هذه الدولة رغم ادعائها الديمقراطية إلا إنها باتت تبدو أكثر كدولة عنصرية (سيما مع إقرارها قانون القومية اليهودية)، ورغم اعتبارها ذاتها امتدادا للغرب في المنطقة إلا إنها باتت تتوجّس من الغرب، الذي ترى فيه قيدا على جشعها وتعنتها.
ورغم سعي النظم العربية للتسوية معها إلا إنها مازالت تفضل كونها «غيتو» في الشرق الأوسط.
على ذلك لا شيء في إقامة إسرائيل في فلسطين، وعلى حساب شعبها، يدعو للتصالح معها بمعنى الاستسلام لها، أو الرضوخ لإملاءاتها، أو القبول بروايتها، لا شيء البتّة، لا جبروتها ولا المعطيات الدولية والعربية المواتية لها، ولا أحوال الفلسطينيين المأساوية، لأن هذه الدولة مازالت تصرّ على اعتبار ذاتها دولة استعمارية واستيطانية وعنصرية ويهودية لكل يهود العالم.
لذا لا أساس واقعي لأي تسوية أو مصالحة، لأن هاتين يفترض أن تتأسسا على الحقيقة والعدالة، ولو بالمعنى النسبي، وعلى قيم الحرية والكرامة والمساواة والمواطنة، إذ شتان بين التعامل مع الأمر الواقع، في سبيل تغييره، وبين التنظير لتسوية تتضمن القبول بالرواية والشروط الإسرائيليتين، لأن هاتين تتضمنان إلغاء مفهوم شعب فلسطين واختزال حقوقه واختصار فلسطين إلى مجرد قطعة أرض، أو إلى مجرد صراع على عقارات، بحسب بعض التعبيرات الدبلوماسية الأمريكية.
ولننظر إلى الأمر، بعقلانية، وبعيدا عن العواطف والشعارات والمزايدات، فإسرائيل لم تتغير، ولم تقدم أي تنازل ولو نظري عن دورها في النكبة، وفي مسؤوليتها عن قضية اللاجئين، فهي ما زالت تعتقد أن فلسطين هي «أرض الميعاد» خاصة «شعب الله المختار»، وما زالت تشن الحرب حتى على أسماء الأماكن الفلسطينية، وعلى قصيدة شعرية في المناهج الدراسية، وفوقها فإن إسرائيل هذه تبني أكبر جدار فصل عنصري في القرن الحادي والعشرين، وتزنّر مدن الضفة الغربية بالمستوطنات والجدران وبالطرق الالتفافية.
إسرائيل هذه لم تتقدم أية خطوة باتجاه رئيس فلسطيني، يعتبر الأكثر اعتدالا في تاريخ الفلسطينيين، وحتى لم تسمح بإقامة كيان فلسطيني مسيطر عليه، اقتصاديا وسياسيا وأمنيا من قبلها.
وقصارى القول فإن إسرائيل، مع المعطيات الدولية والإقليمية المواتية لها، ومع مشاعر التفوق والجبروت المعشعشة فيها، لا تريد أن تتنازل من أي شيء تسيطر عليه، ولا شبر، ولا تريد أن تراجع أي شيء تدعيه على صعيد روايتها وسياستها، وفقط هي تريد كل شيء، أي ما لإسرائيل لإسرائيل وما للفلسطينيين لإسرائيل أيضاً، وهذا سبب انهيار مفاوضات كامب ديفيد 2 (2000)، وهذا هو سبب انهيار اتفاق أوسلو، وهنا مكمن استمرار نكبة الفلسطينيين منذ 71 عاماً.