انفتاح يدعو للتفاؤل في العلاقات العراقية العربية

د. عبدالعاطى محمد –

بحسابات المستجدات التي طرأت على الأوضاع العربية في السنوات العشر الأخيرة، فإن عراق اليوم ليس هو عراق الأمس، فقد تخلص إلى حد كبير من العوامل التي فرضت عليه عزلة عربية لم يكن يرضاها وبناء عليه بدأ مرحلة جديدة في علاقاته العربية قوامها الانفتاح من بوابة المصالح.
والملفت أن هذا التحول يحدث وسط مناخ مشحون بالتوتر الشديد بسبب التصعيد في المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، مما يؤكد أن عراق اليوم بنى توجهاته الجديدة بناء على إدراك عميق لمخاطر مآلات هذا المناخ الساخن على مصالحه القومية، ومن ثم رأى ضرورة توجيه دفة توجهاته الخارجية نحو استعادة علاقاته العربية.
لأسباب عديدة يطول شرحها لم يعد من تكرارها فائدة سوى نكء الجراح، عاش العراق الذي طالما ما تغنى عالمه العربي بحضارته العريقة سنوات طويلة من الحروب الطائفية التي كانت نتيجتها تدمير الحجر والبشر. وبعد هذه الحروب أدرك أنها تقود حتما إلى التطرف العنيف، بل والدموي، وإلى تغييب الدولة أو فوضى النظام السياسي، وقاد هذا التطرف وذلك التغييب للدولة إلى ظهور تنظيم «داعش» الإرهابي أخطر التنظيمات الإرهابية وأشدها وحشية. وكان منطقيا أن يتحول العراق إلى ساحة للتدخلات الخارجية التي هدفت إلى مصالح تتناقض مع المصالح القومية العراقية.
وعندما استفاق العراق من كابوس «السنوات السوداء» من خلال انتفاضته لتحرير بلاده من هذا التنظيم، مستفيدا من إعادة بناء قدراته الوطنية المسلحة، ومستعينا بقوى التحالف الدولي الذي قادته الولايات المتحدة، وضع أقدامه على صياغة مشروع سياسي وطني جديد قوامه بناء شبكة مصالح قوية مع محيطه الإقليمي والعربي بوصفها الطريق الصحيح لمنع تكرار التجربة المريرة السابقة والقضاء على مصادر التطرف أو على الأقل تحجيمها والسيطرة عليها. الفكرة ببساطة أو الدرس التاريخي الذي أدركه العراقيون بكل طوائفهم، هي أن «داعش» كان الوجه الآخر لغياب المصالح المتوازنة مع المحيط الحيوي للعراق، وحتى لا يعود مجددا لابد من تفعيل هذه المصالح.
لا يمكن الادعاء بأن رواسب السنوات السوداء قد تلاشت، بل الحق أنها ستظل قائمة لفترة من الوقت لأن جروحها كانت ولا تزال عميقة، ولكن ما لا تغفله العين أن «داعش» لم يعد قائما ويجرى اجتثاث بقاياه، وهذا خطر كان يعوق أي محاولة للخروج من النفق المظلم، كما أن المطالب الاجتماعية للقطاع الأعظم من العراقيين تعكس حجم الحرمان الضخم من الحياة الكريمة والآمنة وباتت الاستجابة للوفاء بها تفوق أية حسابات حزبية أو طائفية.
ولنا أن نتذكر أن جيلا كاملا من الشباب ممن كانوا في عمر العشر سنوات عند سقوط نظام صدام حسين هم الآن في عنفوان العمر يريدون عملا وحياة أسرية كريمة وخدمات أساسية من تعليم وصحة وكهرباء، ولا شك أن عددهم يقدر بالملايين، وهؤلاء لا تهمهم حسابات القوى السياسية ومصالحها ولا يدركون الصراع بين النظام القديم والجديد، وإنما يريدون مطالب من الدولة القائمة لا تحتمل التأجيل. وهؤلاء لا يقبلون إطلاقا بأن يكون مصيرهم مثل مصير الملايين من الشعب السوري الذي تشرد من الحرب.
الدولة العراقية اليوم أمامها تحدي توفير الحياة الكريمة للملايين دون تمييز لأن تردى الأوضاع المعيشية أصاب الجميع، ولا تريد الناس أن ترى «داعش» جديدة أو قديمة، ولا أن تدفع ثمنا لاستمرار الأزمة السورية، ولا للصراع القائم بين إيران والولايات المتحدة، ولا للحرب الدائرة في الشمال والصدام مع تركيا، لأن كل ذلك كان من أسباب الكوارث التي ذاقتها العراق، والخضوع لتأثيراتها أو الانخراط فيها ليس له سوى معنى واحد هو العودة إلى التطرف والحروب الطائفية وظهور «داعش» مجددا.
للخروج من المأزق لابد من تغيير الإستراتيجية في التعامل مع ما هو قائم وما هو مستجد، فبدلا من الاعتماد على تنافس القوى الإقليمية والدولية وتأثير تدخلاتها على أرض الواقع، يتم الانفتاح على الجميع بعيدا عن الحسابات القديمة بإيجاد مصالح لهم داخل العراق، وطالما باتت لهم مصالح فإنهم يحرصون على استمرارها ومن ثم لا يلجأون إلى استخدام الأدوات التي تهدد مصالح غيرهم.
والعنصر الحاسم هنا هو أن المطالب الشعبية الأساسية وما وراؤها من كتل شبابية ضخمة أصبحت حاجزا أمام أية تطلعات حزبية أو طائفية مرتبطة بقوى خارجية، وهذا يمنح السلطة القائمة الفرصة لتفعيل الانفتاح على المحيط العربي دون ضغوط داخلية. وكلما نجحت السلطة القائمة في ترسيخ هذا التوجه ورأى الشعب العراقى ثماره سواء على مستوى إعادة الإعمار أو توفير الأمن، كلما تغيرت في نظر الشعب الصورة النمطية الممتدة منذ سقوط نظام صدام، صورة عدم الإنصاف العربي لحركة الشعب العراقي في تغيير نظامه وتحالفاته، وأصبحت صورة إيجابية التي يترتب عليها تلقائيا زيادة مضطردة في أنماط التفاعل بين العراق ومحيطه العربي رسميا وشعبيا.
لقد رأينا مظاهر لهذا الانفتاح المتبادل بين العراق ومحيطه العربي مثلت سوابق لم تكن قائمة في الماضي القريب، سواء بخصوص الزيارات على مستوى القيادات والاتفاقات المبرمة للتعاون الاقتصادي وتحديدا في خطط إعادة الإعمار، كما خفت إن لم تكن تلاشت لغة العتاب والجدل سواء رميا أو إعلاميا، وبدأت بعض الدول العربية في إعادة فتح سفاراتها في بغداد خصوصا الخليجية منها.
صحيح أن استقرار الحالة الأمنية نسبيا وبشكل أفضل كثيرا مما قبل كان من العوامل المشجعة عربيا لإعادة الانفتاح على العراق (كان أبرزها القضاء على «داعش»)، ولكن ما لا يمكن إنكاره أن التحول في توجهات النظام العراقي الجديد بوضع نهاية لمرحلة العزلة والمبادرة بالانفتاح على المحيط العربي، كان له تأثيره المهم.
ومن جهة أخرى يحسب للنظام العراقي أنه نجح في إقناع محيطه العربي بأن علاقاته مع إيران لها خصوصيتها وليست على حساب علاقات العراق العربية. وما لا يخفي أن مسألة كهذه كانت في الماضي من عوامل غياب الثقة المتبادلة في هذه العلاقات. وليس من المستبعد أنه خلال عملية بناء الثقة، أقنعت بغداد عواصم عربية عدة بأن إيران لعبت دورا مهما في القضاء على «داعش» في العراق وسوريا، ولابد من أن يقدر العرب هذا الدور.
ومؤخرا مع تصاعد حدة الخلافات بين الولايات المتحدة وإيران، ليس من المستبعد أن يلعب العراق دورا مؤثرا في تجنيب المنطقة والعالم التداعيات الخطيرة لهذا الخلاف لو تحول إلى حالة حرب الكل في غنى عنها بكل تأكيد.
ويحسب للأطراف العربية التي فتحت ذراعيها للعراق أنها تفهمت أبعاد الحالة العراقية بكل تعقيداتها ولم يكرر بعضها ما فعله في الأزمة السورية، فلقد انتصرت الحكمة التي نتمنى أن تدوم وألا تتعرض لانتكاسة، فما أكثر الفرص التي أتيحت للعرب لتضميد الجراح واستعادة روح الأخوة والتعاون، ثم لأسباب واهية وقصر النظر ضاعت أدراج الرياح. وإذا وضع العرب الدرس المستفاد مما جرى في العراق فإنهم سيحافظون على النجاح المضطرد معه المبني على الانفتاح الإيجابي، بل يمكن تكرار الاستفادة في بقية الملفات العالقة ولا تزال تقض مضاجع الأمة.
والدرس هو أن بناء العلاقات على أساس المصالح هو الضمان الأكيد لعدم ظهور التطرف وتنظيماته المسلحة.
المهم هو احترام المصالح المتبادلة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي طرف عربي فكل شعب أدرى بحاله ومصالحه وقادر على الخروج من أي مأزق، فقط يمكن دعم توجهاته كما يطلب وبإرادته، وليس اقتحام ساحات الصراع لتأجيجه.