البيوت القديمة حجر أساس للسياحة الأثرية وشاهد للأجيال القادمة

بتهيئة أكثر من 1000 حارة و100 بيت أثري –

تحقيق – خلود الفزارية –

عائلة إيطالية مكونة من زوج وزوجته وابنتيهما وولدهما الصغير، خططت لزيارة الشرق الأوسط وبعد البحث عن أفضل الوجهات السياحية والمميزة، وقع الاختيار على سلطنة عمان، وتم التواصل عن طريق الإنترنت مع أحد المكاتب السياحية المعتمدة في السلطنة، وبعد أن أعجبهم جدول الرحلة حجزوا التذاكر ووصلوا إلى مسقط.
تقول عايدة الريامية وهي مرشدة سياحية ومصورة خاصة تتعاقد مع عدد من المكاتب السياحية أنها كانت سعيدة باستقبال العائلة التي طلبت منها زيارة البيوت الأثرية الطينية، وعندما كانت الوجهة إلى الجبل الأخضر، أصرت العائلة على التوقف لدى بعض البيوت لأخذ الصور التذكارية وقد استغرق وقت زيارة البيوت أكثر من نصف وقت الرحلة. مضيفة أنها ليست العائلة الوحيدة التي تطلب زيارة البيوت القديمة، لأن السائح حين يتوجه إلى بلد يحاول أن يقف على حضارته وطريقة معيشة أهله وتاريخهم، وتؤكد أنها سعيدة بعملها برفقة زملائها لأن السياحة جعلتها تعرف أكثر عن بلدها وتدعو المواطن قبل السائح للمحافظة على تراثه وما يحويه من كنوز.
وتشير إحصائية المركز الوطني للإحصاء والمعلومات إلى أن عدد الحارات العمانية القديمة بلغ بنهاية عام 2018 ألفا و29 حارة، أما البيوت التراثية فبلغت 124 بيتا تراثيا. وهي جميعها بيوت قديمة سكنها المواطن العماني في زمن ليس ببعيد، ومع تحول الناس إلى البيوت الحديثة بعد النهضة المباركة، عنيت وزارة السياحة بالتعاون مع وزارة التراث والثقافة بالاهتمام بهذه البيوت وحصرها وإعادة ترميمها لتكون شاهدا على حياة العماني القديم ولتعرف الأجيال الجديدة بحياة أجدادهم، ولمحاولة الحفاظ على التراث العماني وتقديمه للمستقبل بشكل يجسد الحياة وما تحتويها من أدوات وخدمات.
جريدة ((عمان)) توقفت عند عدد من الحارات العمانية القديمة لتقدمها للقارئ وتنصح بها كوجهة سياحية، كما قامت بزيارة عدد من المسؤولين بوزارة السياحة ووزارة التراث والثقافة..
ويشير عبدالله بن سالم الذهلي مدير عام مساعد لتطوير المواقع والمنتجات السياحية بوزارة السياحة إلى أن المواقع التاريخية في السلطنة يتم استثمارها في مطلق الأحوال، فإن كانت فردية فيتم التواصل مع أصحاب النزل القديمة «المالكين»، لتكون نزلا تراثية، وهناك مواقع يتم استثمارها عبر توظيف المواقع الحكومية للاستغلال السياحي سواء كانت قلعة أم حارة قديمة أو أسواقا تقليدية أو قديمة، مبينا: نقوم بالتنسيق مع الجهة المالكة لهذه المواقع بإعداد دراسات تطويرية لها لإمكانية استغلالها سياحيا من قبل الحكومة، كما يتم تقديم الدعم الفني بالتنسيق مع وزارة التراث والثقافة للمواقع ذات الملكية الخاصة، لنقدم لهم معلومات عن كيفية استغلالها ومتطلبات الترميم وصيانتها بحيث تكون صالحة لعملية الاستغلال السياحي، وتقوم المديرية العامة لخدمات المستثمرين والضبط والجودة بعمل تشريع معين ليذهب المواطن الراغب في ترميم بيته لإعطائه التصريح لاستخدامه في النزل التراثية.

التراخيص السياحية

من جانبه يوضح سعيد العبيداني مدير عام مساعد لخدمات التصنيف وضبط الجودة أن هذه الأنشطة يطلق عليها النزل التراثية، ولا بد أن تكون لمبان قديمة، على أن تكون طينية، ليتم تأهيلها للأغراض السياحية، كما ينبغي أن تكون مؤثثة وأن تتوافر فيها المرافق الأساسية لتكون قابلة للتشغيل. مضيفا: وضعنا معايير للنزل وهي سهلة جدا وأساسية بنفس وضعها الحالي، وهي: ألا تقل عن ثلاث غرف ولا يوجد سقف للحد الأقصى، أما المعايير الأساسية أن تحتوي على دورة المياه والاستقبال، ومنطقة لتناول الوجبات، وليس شرطا أن يكون مطعما، بل يمكن أن تكون قاعة صغيرة تقدم فيها الوجبات العمانية الأصيلة في الوجهة نفسها بهيئة تراثية.
وعن اشتراطات الترخيص فيشير إلى أنه يطلب من صاحب المكان الملكية مع الرسم المساحي وموافقة الاستشاري على صلاحية المكان وسلامة المبنى مهما كان قديما، وأن يؤكد أن المباني تتحمل الأوزان، وألا يكون المبنى قابلا للسقوط وأن يحدد عدد الأشخاص التي يسعها، وأن يدعمها بالدعامات ومتطلبات السلامة، وبعد ذلك يحصل على الموافقة المبدئية ليأتي ببقية الموافقات من الجهات الأخرى، وبعد استكمال الموافقات وتهيئة المنشأة وتجهيزها يتقدم لطلب الترخيص، على أن تكون الخرائط جاهزة، ليتم اعتمادها بحسب التقسيمات الحالية للوزارة، لتعتمد ثم تصدر الموافقة، منوها على أهمية التسجيل في حقوق الملكية الفكرية بعد استلام الترخيص بالمسمى المحدد بوزارة التجارة لضمان حقوق الملكية، ولكي يقوم بالتسويق للمكان، ولكي تساعده الوزارة في الترويج له من خلال المطويات.

نماذج حية

ويوضح باسم بن أحمد البلوشي المكلف بأعمال مدير دائرة تصنيف المنشآت الفندقية والسياحية بوزارة السياحة أنه تم إعطاء ست موافقات وترخيصا لمنشأتين، ثلاث منها في محافظة الداخلية، وقد بدأت العمل وتشهد إقبالا كبيرا، مبينا أن عدد الغرف ما يقارب 74 غرفة لإجمالي عدد الموافقات، وأن الإقبال السياحي كبير، وهناك طلب عليها، ورغبة من السياح لعمل نماذج منها، لأنها تجربة جديدة للسياح، فالسائح يبحث عن شيء مختلف عن الفنادق والفخامة، وأن يجرب الحياة التقليدية والتراثية، ليدخل ويتعرف على عادات المجتمع وتقاليده، لينخرط في هذه المنشآت ويستكشف الكثير.

تقييم الآثار

ويعود عبدالله الذهلي ليشير الى أن البيوت التراثية يمكن استغلالها في عدة أمور وهناك تجارب موجودة غير النزل التراثية التي تصرح لها وزارة السياحية، ففي بعض الولايات تم تحويل هذه البيوت إلى متاحف خاصة وتم إعطاؤها التراخيص من قبل وزارة التراث والثقافة كمتحف البيت الغربي في ولاية الرستاق في حارة قصرا، صاحبة المنزل حولت المنزل إلى متحف خاص ومفتوح للزوار، ومتحف بيت الغشام في ولاية بركاء بوادي المعاول الذي كان بيتا تم تحويله إلى متحف، وفتح للزوار وباشر دوره في المجتمع كخدمة تواصل، وبيت السيدة غالية في مطرح الذي تم تحويله إلى متحف، كما تم استغلال بعض البيوت كمكتبات عامة، ففي سمائل حول ذوو أحد المشايخ بيته إلى مكتبة تحوي جميع الكتب التي كان يقتنيها والدهم، وفي ولاية الرستاق حصن قرية المشيب حول أهالي المنطقة جزءا من الحصن إلى مكتبة عامة ليستفيد منها المجتمع، أما بيت الصفح في ولاية الحمراء تم تحويله إلى نزل تراثي. مضيفا أن النماذج كثيرة وجميعها تدعو إلى استغلال وتعدد استخدامات البيوت الأثرية. ومؤكدا أن هناك مبادرات حكومية وأخرى خاصة في استغلال الأماكن الأثرية، فعلى سبيل المثال فإن مسفاة العبريين تعتبر مبادرة من الحكومة للأهالي لاستغلال منازلهم وقامت الوزارة بدعم المبادرة بشراء بعض المنازل وإعادة ترميمها وتسليمها للأهالي لأن تكون شركة أهلية، وقد تم فتح المجال للأهالي بأن يبادروا من تلقاء أنفسهم لاستغلال بيوتهم بالتنسيق مع الوزارة.
أما بالنسبة للحارات فقد قامت الوزارة بحصر جميع الحارات القائمة والمندثرة، وشكلت لجنة وكانت وزارة السياحة عضوا في هذه اللجنة التي صنفت هذه الحارات إلى ثلاثة مستويات، فكان المستوى الأول المنشآت ذات الطابع المعماري المتماسك والذي يحتوي على شواخص موجودة ما تزال بارزة، وبها ثراء تاريخي يمكن استغلاله سياحيا، أما المستوى الثاني فإن الشواخص موجودة ولكن معالمها غير واضحة أو دخلت عليها بعض الحداثة أو زحفت إليها بعض البيوت الحديثة، أو تم تحويل البيت القديم إلى حديث وبذلك تداخلت البيوت القديمة بالحديثة وتم اقتراح أن يحول هؤلاء الناس بيوتهم القديمة إلى الاستخدامات الأثرية السياحية، في حين أن المستوى الثالث يضم الآثار التي اضمحلت ولم يعد هناك معمار طيني متبق ما عدا المسمى، الحارة الفلانية المتعارف عليها، لا يوجد بها شواخص وإنما بعض الملامح التي تدل على وجود حارة قديمة.
ويضيف بأن جهود الحكومة تركز عليها، وتوقع اتفاقيات مع الشركات الحكومية ذات المستوى الأول لتشغيلها واستخدامها سياحيا، وقد وقعت وزارة التراث والثقافة اتفاقية مع شركة عمران للتنمية السياحية لإدارة وتشغيل حارة البلاد في ولاية منح، كما وقعت وزارة التراث والثقافة مع شركة عمران اتفاقية لإدارة تشغيل قلعة نزوى وهناك مواقع يمكن أن يتم إعطاء الفرص للقطاع الخاص لاستغلالها سياحيا.

ترويج المواقع الأثرية

في حين يوضح صالح الخايفي مدير دائرة الترويج والتسويق السياحي أن الجانب الترويجي يأتي كخطوة أخيرة في النهاية بعد أن يبدأ المشروع، وتقدم الوزارة الدعم على عدة مسارات منها الترويج الذي تنفذه الوزارة، ثم ترويج القطاع الخاص، من الجوانب الترويجية التي تتبعها الوزارة أن نضيف مادة أو معلومة عن الموقع التراثي منزل أو حارة أو أي كان نضيفها في كتيبات المحافظات، ونحدد الموقع في الخرائط كتسهيل لوصول السياح، وهناك وسائل التواصل الاجتماعي فاعلة بعدة قنوات يتم الترويج فيها للمواقع الأثرية والسياحية للنزل أو المنازل أو المنتجات.
وبالنسبة للشركات السياحية تشارك الشركات في العادة في المعارض السياحية والوزارة هي الجهة المنظمة التي تجتمع تحت مظلتها هذه الشركات. ومن ضمن الأشياء الترويجية بعيدا عن الطبيعة والتاريخ هناك المنتجات الموجودة في السلطنة، وهنا يأتي دور المستثمر لطلب المشاركة في المعارض العالمية لأن هناك منافسة تطرح قبل أي معرض وتنشر ويتقدم بحسب الشروط الموضوعة للمعارض التخصصية، أو يتفق مع بعض الشركات السياحية التي تستقطب الأفواج السياحية لأن يكون النزل ضمن المسار الذي تتخذه تلك الشركة.

برنامج الوعي السياحي

ويختتم سعيد العبيداني الحديث بقوله إن هناك برنامج الوعي السياحي للتوعية في جانب أهمية النزل السياحية قامت الوزارة بعمل عدد من حلقات العمل وبرامج توعوية للتعريف بالنزل والتسهيلات التي تقدمها الوزارة وذلك لتحفيز المالكين للاستثمار في هذا الجانب، لتهيئة منشآتهم وبيوتهم، لكل أنواع النزل سواء كانت نزلا زراعية أو بيوتا للضيافة أو النزل التراثية. مضيفا: عقدنا عدة حلقات عمل في محافظة الداخلية وشمال الباطنة وفي جنوب الباطنة، والآن مع جنوب الشرقية وستكون هناك حلقة مطلع العام الجديد، وهناك طلبات كثيرة من المواطنين لتحويل ممتلكاتهم إلى نزل تراثية.

جهود للحفاظ على المعالم الأثرية

من جانبها أكدت وزارة التراث والثقافة ممثلة بدائرة الترميم والصيانة أن جهود الوزارة مستمرة، وقد قامت بترميم عدد من المساجد والقلاع والحارات العمانية، حيث تم صيانة وتطوير عدد من المواقع الأثرية أهمها حصن الحلة بولاية البريمي، وحصن سدح بمحافظة ظفار وحصن أدم، وصيانة قلعة مطرح بالتعاون مع وزارة السياحة، وحصن المنومة بولاية السيب، وحصن الخابورة، وغيرها من القلاع والحصون، بالإضافة إلى صيانة عدد من المساجد أهمها ترميم مسجد العوينة بولاية وادي بني خالد، ومسجد أبو صبارة بولاية الكامل والوافي، وعدد كبير من الحارات القديمة، فضلا عن تهيئتها للزوار بالتعاون مع وزارة السياحة. مؤكدة أن هدف الوزارة هو المحافظة على المعالم الأثرية من الاندثار والقلاع والحصون والأبراج والبيوت الأثرية والمساجد الأثرية لتظل شاهدا للأجيال القادمة.