مـن يخــــاف الروبوتات؟ ولماذا؟

روبرت سامويلسون – واشنطن بوست –
ترجمة قاسم مكي –

ثمة شبح يخيّم على اقتصاد العالم. إنه مستقبل يتفشى فيه استخدام الروبوتات (أجهزة الإنسان الآلي) التي ستدمر ملايين الوظائف. تسمى هذه الروبوتات أحيانا أجهزة الذكاء الاصطناعي وأحيانا بغير ذلك. لكنها في كلا الحالين تهدد الاستقرار الاجتماعي في الولايات المتحدة والبلدان المتقدمة الأخرى التي تعتمد على عمل «معظم الناس معظم الوقت»، لكن وفقًا لتقرير صدر حديثا عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ينبغي ألا نصدق هذا «المآل المخيف».
فحسب التقرير «نحن لا نتجه نحو مستقبل بلا وظائف في أي وقت قريب». ينطبق معظم ما توصل إليه التقرير على كل أعضاء المنظمة. وهي تضم 36 بلدا من البلدان الكبرى التي يصل إجمالي عدد سكانها بما في ذلك الولايات المتحدة إلى حوالي 1.3 بليون نسمة.
وفيما تواجه العديد من الاقتصادات المتقدمة تحديات من جانب الأحزاب الشعبوية، فإن أداءها سيكون حاسم الأهمية في تقرير المحصلة السياسية. وحسب تقرير المنظمة قد يساهم فقدان الوظائف أو انخفاض الأجور في «تزايد الإحساس بالإحباط وعدم الرضا في أوساط الطبقة الوسطى».
حدد التقرير ثلاثة مهددات كبرى للوظائف الحالية وهي العولمة (انتقال العمل إلى بلدان أجنبية) وشيخوخة المجتمعات (المزيد من الناس يدخلون سن التقاعد) والرقمنة (استحداث أجهزة جديدة مدفوعة بالإنترنت وأجهزة الحاسب الآلي).
يبدو إيقاع التحولات التقنية مرعبا في سرعته. فالتقرير ينوه مثلا إلى أن انتشار استخدام الهاتف استغرق سبعة عقود كي يرتفع معدله من 10% إلى 90% لدى العائلات الأمريكية. بالمقارنة، حققت الهواتف النقالة معدل الانتشار نفسه في 15 عاما. وفعلت الهواتف الذكية ذلك خلال ثمانية أعوام. على الشاكلة ذاتها حدث انفجار عالمي في المبيعات السنوية لأجهزة الإنسان الآلي الصناعية من أقل من 100 ألف روبوت في عام 2001 إلى ما يقرب من 500 ألف روبوت من المتوقع أن يتم بيعها في العام الحالي، حسب أرقام إحصائية من الاتحاد الدولي للروبوتات وردت في التقرير.
لا يوجد شك في أنه قد تم القضاء على بعض الوظائف. لكن أيضا نشأت وظائف جديدة. والدرس المستفاد من التاريخ هو أن الاختراعات والابتكارات توجد دائما وظائف جديدة تزيد عن تلك التي يتم فقدانها.
فالسيارات أزاحت مجتمعا يعتمد على الحصان. ولم تقتصر المكاسب الوظيفية في هذا الجانب على التصنيع فقط بل شملت أيضا محطات تعبئة الوقود ومحلات إصلاح السيارات وتشييد الطرق السريعة.
مثال آخر جيد هو الطائرات النفاثة. فعلى الرغم من أن شركات الطيران قضت على معظم حركة السفر بقطارات المسافات الطويلة إلا أنها الآن تنقل أعدادا من البشر أضخم كثيرا قياسا بأولئك الذين كانوا يسافرون بتلك القطارات. وربما أن تحولا شبيها بذلك يحدث الآن. فخلال العقد الماضي نشأت أربع من كل عشر وظائف جديدة في «الصناعات الكثيفة رقميا»، حسب تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
من جهة أخرى، هنالك ميل إلى المبالغة في أهمية التطورات الجديدة. فالمبيعات السنوية للروبوتات رغم حجمها الكبير تساوي أقل من 10% (واحد على عشرة من 1%) فقط من الـ571 مليون وظيفة الموجودة في بلدان المنظمة عند نهاية عام 2018. وحتى الآن لم تقض على العديد من الوظائف. من الممكن حقا (على الرغم من أن تقرير المنظمة بالكاد ذكر ذلك) أن عرض العمل والطلب عليه، بعد سنوات عديدة من تفضيلهما للشركات، يتحولان الآن ببطء لصالح العمال.
ويمكن أن ينطلق زخم التحول من حركة التقاعد الضخمة وسط أبناء الجيل الذي ولد عقب الحرب العالمية الثانية (جيل البيبي بوومرز أو مواليد حقبة ازدهار الإنجاب – المترجم). فهذه الظاهرة موجودة في معظم البلدان المتقدمة. في بلدان المنظمة في عام 1908 كان يوجد 20 شخصا تبلغ أعمارهم 65 عاما فأكثر من بين كل مائة شخص في سن العمل (بين 20 عاما و64 عاما). أما عددهم الآن فحوالي 28 شخصا ومن المتوقع أن يتضاعف هذا الرقم بحلول عام 2050.
يشير التقرير إلى أن تزايد ندرة العمال ستدفع مؤسسات الأعمال إلى «أتمتة» المزيد من أنشطتها والقبول بالمزيد من المهاجرين. ذلك ممكن. لكن من الممكن أيضا أن يؤدي شح القوى العاملة إلى رفع الأجور ودفع الشركات لتقديم المزيد من الأمان الوظيفي مع التنافس فيما بينها على العمال الضروريين لعملها. على أي حال توصلت المنظمة إلى أن التحذيرات التي كثر إطلاقها بشأن انكماش حجم الوظائف مبالغ فيها.
لقد توقعت دراسة واحدة على الأقل أن ما يقرب من نصف الوظائف الموجودة اليوم ستتم «أتمتتها». لكن المنظمة متشككة في ذلك. فتقديرها لا يزيد عن 14% خلال فترة الـ15 إلى 20 عاما القادمة. قد يبدو هذا الرقم مرتفعًا لكنه يساوي أقل من 1% سنويا. المفارقة هي أن القلق السائد في معظم بلدان المنظمة حول مستقبل الوظائف في الأجل الطويل لا يزال شديدا في وقت يشهد تحسنا في سوق العمل بالنسبة للعمال. من المؤكد حسبما ورد في التقرير أن هنالك الكثير من المؤشرات السلبية. ففي بلدان عديدة يزداد عدد وظائف الدوام الجزئي غير الاختيارية. وكذلك هي الحال مع عدم المساواة في الأجور والرواتب. أيضا تحذر المنظمة من أن ما يقرب من ثلث الوظائف سيتغير بطريقة مثيرة، حتى إذا لم يتم القضاء عليها، مع استخدامها لتقنيات جديدة.
وإذا كانت هنالك رسالة عالية الصوت يبعث بها هذا التقرير فهي أن عمال عديدين يلزمهم المزيد من التدريب حتى يكونوا أكثر قابلية للتوظيف. لقد ظلت هذه المشكلة قائمة منذ فترة طويلة في الولايات المتحدة حيث لم تحقق برامج إعادة التدريب الحكومية نجاحا لافتا وحيث تنحو برامج «المخدم الخاص» إلى تجاهل العمال ذوي المهارات المتدنية.
رغما عن ذلك، ربما من الجائز في أوقات التشاؤم أن يكون هنالك شيء من التفاؤل.