النظرة الإنسانية للبيئة والحياة الفطرية

تقوم سياسة السلطنة في إطار مفهوم التنمية المستدامة الشاملة على العديد من النواحي، منها في الإطار البيئي الحفاظ على التنوع البيئي والحياة الفطرية كأحد جوانب النماء وديمومة الحياة على الكوكب، وهذه السياسة تربط بين الإنسان بوصفه رائد التغير ومحرك الأفكار والأفعال، وبين البيئة بوصفها المحل الذي يخضع لهذا التغيير بالإضافة والحذف سلبًا وإيجابًا.
غير أنه كلما كانت الإضافات إيجابية فإن دور الإنسان باتجاه البيئة وما حوله من كائنات وأشياء يتعاظم، ويصبح هذا الإنسان فاعلًا في المحيط من حوله، وهذا ما تسعى إلى ترسيخه السياسات البيئية ذات المنحى الإنساني في السلطنة منذ بواكير النهضة العُمانية، بالتركيز على بيئة سليمة ومعافاة ذات توازن بين مختلف المكونات فيها، وفي الوقت نفسه لها القدرة على إدارة تسلسل طبيعي لا ينجرف إلى التخريب أو الهدم من التوازن الطبيعي، لأن مضاد ذلك هو تحويل الإنسان لعدو للبيئة وهو للأسف ما يحصل بفعل بعض الممارسات التي يقوم بها الكائن البشري في كوكب الأرض جراء الحضارة الحديثة والمنتجات والسلع والمصانع وغيرها من الأمور في هذا الإطار.
مناسبة هذا التقديم يتعلق بسياسة السلطنة الماضية نحو الحفاظ على مختلف أنواع الحياة الفطرية، وحيث صدر مؤخرًا مرسومان ساميان يختصان بهذا الإطار، الأول يتعلق بإنشاء محمية الحجر الغربي لأضواء النجوم الأولى في محافظة الداخلية، التي تعتبر الأولى من نوعها في الجزيرة العربية، والثاني يتعلق بإنشاء محمية الرستاق للحياة البرية في محافظة جنوب الباطنة.
ويعكس ذلك مدى اهتمام القيادة والحكومة بحماية البيئة الطبيعية من جميع المتغيرات، بحيث تتم صيانتها عبر الإدارة الحكيمة للموارد ووفق القوانين والتشريعات التي تكلف ذلك، لأن ترك الأمور على عواهنها سوف يؤدي إلى الفوضى وبالتالي الإضرار بالبيئة وخرابها على المدى الزمني الأبعد.
ولسنا في حاجة إلى التذكير بأن هذه السياسة الراسخة في النظرة إلى التنمية الشاملة وعلاقتها بالبيئة، تقوم على تجسيد ملموس للاهتمام السامي لجلالة السلطان المعظم منذ بواكير النهضة العمانية، فعلى مدار ما يقارب خمسة عقود ظل هذا الهدف الاستراتيجي محل الاهتمام والرعاية والتنفيذ على أرض الواقع العملي.
لقد نجحت هذه السياسة بعيدة النظر في الاحتفاظ بقيم الإنسان والحياة والطبيعة في تآلف رائع، وهذا لم يأت أبدًا من فراغ بل تخطيط سليم وحكيم، وإرادة في صنع المختلف والإيجابي في بناء الحياة الإنسانية التي تقوم على قيم التوازن بين مفردات الطبيعة من حول الإنسان، وحماية هذه الطبيعة من المخاطر التي يتسبب فيها البشر أنفسهم من التلوث والعبث المباشر وغيرها من السلبيات التي تدمر الأماكن الطبيعية.
في كل الأحوال فإن هذا المسار المتصل من الاهتمام بالبيئة من حيث المكونات المادية والحية، يعبّر عن تصور واسع الرؤية وعميق من حيث الرؤية الاستشرافية التي لا تنظر إلى حيز الحاضر فحسب، بل تذهب بعيدًا إلى الآفاق المستقبلية في أن تقدم السلطنة أنموذجها الإنساني الذي يقوم على التسامح بين بني الإنسان ومع الطبيعة في الوقت نفسه، فالإنسان المتصالح مع البيئة والطبيعة من حوله هو إنسان عارف ومتحضر ويعرف دوره تمامًا في هذا العالم.