«رسائل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والزعماء»: رسالة النبي الكريم إلى «يهود خيبر» « شهد شاهد من بني إسرائيل ..أمن واستكبرتم»

إعـــــــداد: مـــــــيرفت عزت –

لم يكن «النبي» صلى الله عليه وسلم يعرف القراءة ولا الكتابة، بل كان أميا، ولذلك أتخذ كتاباً من أصحابه رضى الله عنهم، يكتبون له في مجالات شتى، فمنهم من كتب الوحي، ومنهم من كان يكتب ما يعرض له من حوائج وأمور طارئة، ومنهم من كان يكتب المعاملات وسائر العقود، وكان منهم من يختص للكتابة بين يديه، ومنهم من كان يكتب نيابة عن غيره.
ولما أراد «النبي» صلى الله عليه وسلم أن يكتب إلى الملوك والأمراء قيل له: إنهم لا يقرأون كتاباً إلا إذا كان مختوما، فاتخذ خاتماً من فضة، نقش عليه (محمد رسول الله)، وكان النقش ثلاثة أسطر، جاء لفظ (الله) في أعلى الدائرة، وفي الوسط كلمة(رسول)، وفي الأسفل كلمة (محمد).
ولم تكن رسائل «النبي» صلى الله عليه وسلم مؤرخة بتاريخ، إذا لم يكن ثمة تاريخ معتمد أو متفق عليه بين العرب، ومع اتفاق المؤرخين على أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بإرسال الرسائل مرجعه من الحديبية، فثمة اضطراب في الروايات التي ذكرت تاريخ إرسالها.
يقول الدكتور محمد أمين شاكر حلواني في كتاب «عالمية الإسلام- ورسائل النبي(ص) إلى الملوك والأمراء»، عن ابن عباس أنه لما بعث محمد صلى الله عليه وسلم، أمر أن يدعو الخلق إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له فأسرع الناس إلى الإجابة وأنذر النبي صلى الله عليه وسلم الخلق فأمره جبرائيل بأن يكتب إلى أهل الكتاب يعني اليهود والنصارى ويكتب كتابا «وأملى جبرائيل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وآله كتابه، وكان كاتبه يومئذ سعد بن أبي وقاص فكتب إلى يهود خيبر: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبد الله الأمي رسول الله إلى يهود خيبر: أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
نص الرسالة:
« بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، صاحب موسى وأخيه، والمصدق لما جاء به موسى، ألا إن الله عز وجل قال لكم يا معشر اليهود وأهل التوراة- وإنكم تجدون ذلك في كتابكم- إن (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) سورة الفتح -الآية29)
وإني أنشدكم بالله الذي أنزل عليكم، وأنشدكم بالذي أطعم من كان قبلكم من أسباطكم المن والسلوى، وأنشدكم بالذي أيبس البحر لآبائكم حتى أنجاكم من فرعون وعمله،إلا أخبرتمونا، هل تجدون فيما أنزل عليكم أن تؤمنوا بمحمد؟ فإن كنتم لا تجدون ذلك في كتابكم، فلا كره عليكم«قد تبين الرشد من الغي»، وأدعوكم إلى الله تعالى وإلى نبيه صلى الله عليه وسلم.
يضيف شيخ الإسلام الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن على في كتاب «رسائل ورسل رسول الله(ص) إلى الملوك والأشراف، فلما وصل الكتاب إليهم، حملوه وأتوا به رئيسا» لهم يقال له: عبد الله بن سلام إن هذا كتاب محمد إلينا فتقرأه علينا، فقرأه فقال لهم: ما ترون في هذا الكتاب؟ قالوا: نرى علامة «وجدناها في التوراة فإن كان هذا محمدا الذي بشر به موسى وداود وعيسى عليهم السلام سيعطل التوراة ويحل لنا ما حرم علينا من قبل، فلو كنا على ديننا كان أحب إلينا، فقال عبد الله بن سلام: يا قوم اخترتم الدنيا على الآخرة والعذاب على الرحمة؟
قالوا: لا، قال: وكيف لا تتبعون داعي الله؟ قالوا: يا ابن سلام ما علمنا أن محمدا «صادق فيما يقول، قال: فإذا نسأله عن الكائن والمكون والناسخ والمنسوخ فإن كان نبيا» كما يزعم فإنه سيبين لنا كما بين الأنبياء من قبل، قالوا: يا ابن سلام سر إلى محمد حتى تنقض كلامه وتنظر كيف يرد عليك الجواب، فقال: إنكم قوم تجهلون لو كان هذا محمدا الذي بشرنا به موسى وداود وعيسى ابن مريم فكان خاتم النبيين. فلو اجتمع الثقلان الإنس والجن على أن يردوا على محمد حرفا «واحدا» أو آية ما استطاعوا بإذن الله، قالوا: صدقت يا ابن سلام فما الحيلة؟ قال: علي بالتوراة، فحملت التوراة إليه فاستنسخ منها ألف مسألة.
يضيف الدكتور محمد أمين شاكر حلواني في كتاب «عالمية الإسلام- ورسائل النبي(ص) إلى الملوك والأمراء»، عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: بلغ عبد الله بن سلام مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فأتاه فقال: السلام عليك يا محمد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وعلى من اتبع الهدى ورحمة الله وبركاته، من أنت؟ فقال: أنا عبد الله بن سلام من رؤساء بني إسرائيل وممن قرأ التوراة وأنا رسول اليهود إليك مع آيات من التوراة تبين لنا ما فيها نراك من المحسنين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الحمد لله على نعمائه يا ابن سلام أجئتني سائلا «أو متعنتا»؟ قال: بل سائلا «قال محمد:على الضلالة أم على الهدى؟ قال: بل على الهدى يا محمد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فسل عما تشاء، قال: أنصفت يا محمد، فأخبرني عنك أنبي أنت أم رسول؟ قال: أنا نبي ورسول وذلك قوله في القرآن:(منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك)» قال:صدقت يا محمد فأخبرني كلمك الله قبلا»؟ قال: ما لعبد أن يكلمه الله إلا وحيا «أو من وراء حجاب، قال: صدقت يا محمد، فأخبرني تدعو بدينك أم بدين الله؟ قال: بل أدعو بدين الله وما لي بدين إلا ما ديننا الله، قال: صدقت يا محمد، فأخبرني إلى ما تدعو؟ قال: إلى الإسلام والإيمان بالله، قال: وما الإسلام؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا» عبده ورسوله وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور.
فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه، ومن أي شئ ينزع إلى أخواله؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«خبرني بهن آنفاً جبريل، أما أول أشراط الساعة، فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة، فزيادة كبد الحوت، وأما الشبه في الولد، فإن الرجل إذا غشى المرأة، فسبقها ماؤه، كان الشبه له، وإذا سبقت كان الشبه لها».
قال: أشهد أنك رسول الله. ثم قال: يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت، فإن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني عندك.
فجاءت اليهود، ودخل عبد الله البيت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟» قالوا: أعلمنا وابن أعلمنا، وأخيرنا وابن أخيرنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«أفرأيتم إن أسلم عبد الله؟» قالوا: أعاذه الله من ذلك- زاد في رواية: فأعاد عليهم، فقالوا مثل ذلك- قال: فخرج عبد الله إليهم فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله . فقالوا: شرنا وابن شرنا، ووقعوا فيه، زاد في رواية: قال ابن سلام: هذا الذي كنت أخافه يا رسول الله.
وفيه نزلت الآية:«وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله، فأمن واستكبرتم «سورة الأحقاف:10».