حرف وصناعات : حرفة الرعي

إعـــــــــداد: حمادة السعيد –

هذه الحلقات المكتوبة إنما هي إشارات سريعة وعاجلة، للفت الأنظار إلى قضية مهمة في زمنِ البطالة لتوجيه أنظار الباحثين عن العمل إلى المهن والحرف وعدم احتقارها أو التهوين من شأنها فلقد حث الإسلام على العمل أيًّا كان نوعه، شريطة أن يكون بهذا العمل نافعًا لنفسه والآخرين غير ضار لأحد، ويكفي هؤلاء الذين يعملون بالحرف والصناعات شرفًا وفخرًا وعزة وكرامة أن أشرف خلق الله وأفضلهم وهم الأنبياء والرسل قد عملوا بحرفة أو امتهنوا مهنة.
ولقد أشار القرآن الكريم في آياته إشارات واضحة ومباشرة أو ضمنية تفهم في مجمل الآية إلى بعض الحرف والصناعات كذلك حدثنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن ذلك وحين يشير القرآن تصريحًا أو تلميحًا إلى أمر ما فهو أمر مهم وعظيم فالقرآن لا يتحدث إلا عما فيه سعادة وصلاح حال البشرية ومن الحرف التي أشار إليها القرآن الكريم في آياته هي حرفة «الرعي»
لقد وردت حرفة الرعي تنبيها لزيادة الثروة الحيوانية والاهتمام بها في آيات كثيرة من القرآن منها قول الله تبارك وتعالى في سورة طه: (كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (54)) سورة طه.
يقول الشعراوي يرحمه الله في تفسيره: «كلوا» تدل على أن الخالق عز وجل خلق الحياة، وخلق مقومات الحياة، وأولها القوت من الطعام والشراب، وهذه المقومات تناسبت فيها الملكية مع الأهمية، فالقوت أولا، ثم الماء، ثم الهواء.
وقوله تعالى: (وارعوا أنعامكم) [طه: 54] لأنها تحتاج أيضا إلى القوت، وقال تعالى في أية أخرى: (متاعا لكم ولأنعامكم) [النازعات: 33] ثم يصب الجميع في أن يكون متاعا للإنسان الذي سخر الله له كل هذا الكون. وقوله تعالى: (إن في ذلك لآيات لأولي النهى) [طه: 54]. آيات: عجائب. والنهى: جمع نهية مثل قرب جمع: قربة. والنهى: العقول، وقد سماها الله تعالى أيضا الألباب، وبها تتم عملية التدبير في الاختيارات.
ومنها قوله تعالى مثبتا حرفة الرعي لنبي من أولى العزم من الرسل فيقول في سورة طه مخاطبا إياه (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18)).
ومنها قول الله تبارك وتعالى في سورة الأعلى (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (4) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (5)) سورة الأعلى..
وعن تفسيره للغثاء الأحوى يقول محمد الخطيب في تفسيره المعروف بأوضح التفاسير « (فَجَعَلَهُ غُثَآءً) أي هشيما يابسا (أَحْوَى) أسود. ولا يخفى ما في المرعى من المنفعة؛ بعد صيرورته هشيمًا يابسًا؛ فإنه يكون طعامًا هشاً، نافعاً لكثير من الحيوانات؛ مسمنا لها، مدرا لألبانها».
ومنها قوله تعالى في سورة السجدة آية 27: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْـمَاءَ إِلَى الأرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ). ومنها قوله تعالى في سورة النازعات (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (31) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (32) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (33)).
وتقوم على حرفة الرعي حرف أخرى مثل صناعات الألبان نتبينها من خلال قوله تعالى: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ) سورة النحل آية 66 فهذه الآية نتبين منها جواز شرب الألبان وبيعه وتصنيعه كمنتجات وقوله تعالى في سورة النحل آية 80: (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَىٰ حِينٍ) ونتبين من خلال هذه الآية أنه عن طريق الاهتمام بحرفة الرعي وزيادة الثروة الحيوانية يمكن أن تقوم عليها صناعة الغزل والنسيج.
ولقد بيّن الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم بعض وظائف الأنعام فبين أن من وظائفها أنها وسيلة للمواصلات وحمل الأشياء الثقيلة ومنها الأكل ومنها الملبس فقال في سورة النحل: (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (7) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8)). وتتفرع من كل وظيفة لهذه الأنعام حرف يرزق الله أهلها من خلالها.
كما وصى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالاهتمام بالثروة الحيوانية وذلك فيما أخرجه ابن ماجة في سننه وأبي يعلى الموصلي في مسنده عن عروة البارقي، يرفعه، قال: «الإبل عز لأهلها، والغنم بركة، والخير معقود في نواصي الخيل إلى يوم القيامة».
يقول المناوي شارحا لهذا الحديث في كتابه فيض القدير شرح الجامع الصغير: ((الإبل عز لأهلها) أي لملاكها (والغنم بركة) يشمل المعز والضأن (والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة) أي منوط بها ملازم لها كأنه عقد فيها لإعانتها على جهاد أعداء الدين وقمع شر الكافرين وعدم قيام غيرها مقامها في الإجلاب والفر والكر عليهم).
ويعلل الإمام القرطبي في تفسيره المعروف بالجامع لأحكام القرآن لهذه الأصناف التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: (وإنما جمع النبي صلى الله عليه وسلم العز في الإبل؛ لأن فيها اللباس والأكل واللبن والحمل والغزو وإن نقصها الكر والفر، وجعل البركة في الغنم لما فيها من اللباس والطعام والشراب وكثرة الأولاد، فإنها تلد في العام ثلاث مرات إلى ما يتبعها من السكينة، وتحمل صاحبها عليه من خفض الجناح ولين الجانب، وقرن النبي صلى الله عليه وسلم الخير بنواصي الخيل بقية الدهر لما فيها من الغنيمة المستفادة للكسب والمعايش، وما يوصل إليه من قهر الأعداء وغلب الكفار وإعلاء كلمة الله تعالى).
بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عمل بهذه الحرفة فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم فقال أصحابه وأنت فقال: نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة)
فهذا هو هدي نبينا فمن اتبع هذا الهدى عاش كريمًا وكفى بصاحب الحرفة فخرا أن أفضل خلق الله وهم الأنبياء والرسل كانوا يأكلون من عمل يدهم وقد عملوا بحرفة أو امتهنوا مهنة.
ينشر بترتيب مع وكالة الأهرام للصحافة