واشنطن وطهران.. حسابات الحوار والمواجهة

عوض بن سعيد باقوير – صحفي ومحلل سياسي –

يتكرر المشهد نفسه والمناخ نفسه السائد المشحون بين واشنطن وطهران في عهد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما وكان هناك اعتقاد سائد بأن تلك المواجهة السياسية والاقتصادية سوف تؤدي في نهاية المطاف إلى حرب شاملة ومدمرة في المنطقة، ورغم التحريض الإسرائيلي فقد انتهت تلك المواجهة الى خيار الحوار السري والعلني بعد ذلك ودخول عدد من القوى الدولية المعروفة بمجموعة خمسة زائد واحد وانتهى الأمر إلى توقيع الاتفاق النووي الإيراني عام 2015م.

المشهد نفسه يتكرر الآن ولكن مع وجود أزمة خليجية لم تحل وهي تدخل عامها الثاني ومع وجود حكومة يمينية متشددة في إسرائيل سوف يقودها بنيامين نتانياهو وأيضا وجود عدد من الصقور المتشددين في البيت الأبيض وعلى رأسهم جون بولتون مستشار الرئيس الأمريكي للأمن القومي، كما أن هناك متغيرا مهما وهو الرفض الأوروبي وروسيا والصين للعقوبات الأمريكية المفروضة على إيران والتمسك بمبادئ الاتفاق النووي الذي انسحبت منه الولايات المتحدة.
وأمام التطورات المتسارعة في منطقة الخليج وقدوم حاملة الطائرات ابراهام لينكولن وعدد من القطع العسكرية والتصريحات الملتهبة بين المسؤولين المدنيين والعسكريين في واشنطن وطهران، فإن مسألة المواجهة العسكرية قد تتحقق في حالة واحدة وهو حدوث تهور غير متوقع أو سلوك بشري غير مقصود، كما حدث في عدد من حالات الحروب وهنا سوف تقع الكارثة على المنطقة ومقدرات شعوبها، أما في الحالة الراهنة ورغم التوتر الشديد والتفجيرات لعدد من السفن في المياه الخليجية فإن الخيار السياسي سوف يكون هو الحل ومن خلال القنوات الدبلوماسية كما حدث عام 2015 والجهود الكبيرة التي بذلتها الدبلوماسية العمانية وجنبت المنطقة كارثة مدمرة ومن هنا فإن المشهد نفسه سوف يتكرر لأسباب موضوعية حتى بالنسبة لإدارة الرئيس ترامب.

الكل خاسر

على الصعيد العسكري فإن الولايات المتحدة لديها إمكانات أكبر بكثير من إيران ولكن تقلبات الحروب الإقليمية والمواجهة مع مشهد عسكري مختلف وفي منطقة حساسة كمنطقة الخليج سوف يشكل مواجهة من نوع خاص، فالولايات المتحدة وفي حروبها الأخيرة لم تحسم حربا بشكل واضح حتى في العراق والذي لا يزال الوضع فيها يتسم بمشكلات أمنية وأدى في النهاية إلى انسحاب القوات الأمريكية بعد تدمير كثير من مقدرات الشعب العراقي وهناك أمثلة في فيتنام وأفغانستان حيث المواجهة المسلحة مع الجماعات بعيدا عن مواجهة الجيوش النظامية، وفي الحالة الإيرانية سوف تكون التكلفة الاقتصادية والبشرية كبيرة على واشنطن ومن هنا فإن المنطق السياسي يفرض على واشنطن في نهاية المطاف إجراء حوار مع طهران بصرف النظر عن شكل الحوار وظروفه ومكانه وسريته.
على الجانب الآخر فإن إيران لا تريد مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة لأسباب موضوعية فهي تواجه مشكلات اقتصادية منذ سنوات بسبب الحصار الاقتصادي علاوة على أن إيران لا ترغب في إحداث تدمير في المنطقة ستكون هي متضررة منه كما باقي المنظومة الخليجية، وأخيرا فإن الحرب سوف تسبب صراعات كبيرة في المستقبل لإن إدارة الرئيس ترامب لن تبقى مدى الحياة في البيت الأبيض وأقصى مدة زمنية لها السنوات الأربع القادمة بعد انتخابات عام 2020 إذا فاز الرئيس الحالي بفترة ثانية وهي مسألة لا يمكن الجزم بحدوثها لأسباب داخلية في الولايات المتحدة كما أن دول الخليج سوف تكون أكبر الخاسرين والحرب تقع في المنطقة، وفي الحروب كل شيء ممكن من خلال تمدد تلك الحروب وصعوبة السيطرة على مجريات أحداثها.

الحوار هو الحل

هناك تشعبات وأسباب تجعل إسرائيل تحرض على الحرب وتجعل عددا من صقور البيت الأبيض يتجهون الاتجاه نفسه وهناك حديث في الدوائر السياسية في واشنطن أن جون بولتون يواجه انتقادات متزايدة بسبب عدم نجاحه في عدد من الملفات أبرزها في موضوع فنزويلا وأيضا الملف الكوري الشمالي وعند إجراء حوار أمريكي-إيراني فقد تتم الإطاحة ببولتون من البيت الأبيض كغيره من مستشاري الرئيس ترامب السابقين في ظل إدارة متقلبة وجدلية.
صفقة القرن أو المشروع الأمريكي للسلام الذي يروج له جاريد كوشنر مستشار الرئيس ترامب له علاقة وان كانت غير مباشرة بالتوتر والهجوم السياسي والعقوبات الاقتصادية على إيران وهو أن الإدارة الأمريكية ترغب في إيجاد مناخ سياسي لا يعارض الصفقة أو يكون عقبة في طريقها، خاصة إيران ذات التأثير في المشهد من خلال وجود حزب الله في لبنان والتعاطف مع حماس المقاومة في غزة وحشد عدد من الحركات الممانعة لإفشال الصفقة، ومن هنا فإن الأجواء الملبدة بالغيوم في منطقة الخليج تنطلق من عدة أهداف أساسها رفض واشنطن وإسرائيل وعدد من الأطراف في المنطقة السياسات الإيرانية علاوة على وجود الصواريخ البالستية وهذه الأخيرة لا تدخل في إطار الالتزامات الخاصة بالاتفاق النووي الإيراني، ومن هنا فان إيران في تصوري ليست هي العامل الحاسم في إفشال الصفقة من عدمها ولكن الرهان الأكبر على الشعب الفلسطيني ولكن تبقي إيران مسانده لفكرة رفض الصفقة من خلال الأليات الإعلامية والدبلوماسية وهو الأمر الذي يزعج واشنطن وتل أبيب.
إذن الحوار الموضوعي هو الحل والرئيس ترامب تحدث عن أهمية الجلوس مع الإيرانيين وهذا يعطي مؤشرا بأن الحوار هو آلية مقبولة في إيران وواشنطن وان ضغوط الصقور في واشنطن واليمين المتشدد في إسرائيل لن تنجح مرة أخرى في إشغال حرب في منطقة الخليج لان الجميع سوف يتضرر منها خاصة دول الخليج نفسها وسوف تكون هناك خسائر مالية كبيرة ما بعد الحرب وبالتالي يتم استنزاف الصناديق السيادية لتلك الدول وهذه سوف تكون خسارة فادحة لمقدرات شعوب المنطقة وأجيالها وعلى ضوء ذلك فإن الحوار الذي ندعو له دائما لإنهاء التوتر الحالي في المنطقة هو حوار إيراني – خليجي في المقام الأول لأن ذلك سوف يقضي على جذور الشك وعدم الثقة بين الأطراف المعنية وثانيا يبعد المنطقة من شبح الحروب.

ترامب وعقدة أوباما

يتضح من خلال السلوك السياسي للرئيس ترامب ومنذ دخوله البيت الأبيض أن هناك عقدة التخلص من إرث أوباما من خلال الانسحاب من عدة اتفاقيات رسمية وقعت عليها الولايات المتحدة، لعل من أهمها اتفاقية باريس للاحتباس الحراري وهي اتفاقية تعد من الإنجازات الدولية لحماية الكرة الأرضية من تزايد الحرارة وتأثيرات ذوبان الجليد في المحيط المتجمد الشمالي والجنوبي، كما انسحبت الولايات المتحدة من اهم اتفاقية دولية في مجال الأسلحة النووية في هذا القرن وهي الاتفاق النووي مع إيران كما انسحبت من اليونيسكو لإرضاء إسرائيل علاوة على إلغاء عدد من الاتفاقيات الاقتصادية مع كندا والمكسيك.
إذن الرئيس ترامب يريد أن يتخلص من اتفاقات رسمية مسجلة باسم الولايات المتحدة وليس شخص الرئيس السابق أوباما حتى التأمين الصحي المعروف باسم اوباما-كير قام ترامب بالتخلص منه، ومن هنا فإن هذه المسألة خلقت حيرة من تصرفات الرئيس ترامب ومع ذلك فإن الملفات التي حاول إنجازها لم ينجح فيها وفي مقدمتها الملف النووي الكوري الشمالي كما لم ينجح في الإطاحة بالرئيس الفنزويلي الحالي نيكولاس مادورو رغم الضغط السياسي والعقوبات الاقتصادية ودور المخابرات الأمريكية السري ضد الرئيس الفنزويلي وهناك توقعات بأن صفقة القرن سوف تفشل هي الأخرى لأسباب موضوعية لا مكان للحديث عنها في هذه السطور.
الولايات المتحدة بانسحابها من تلك الاتفاقيات تفقد الكثير من مصداقيتها وتستمر حروبها التجارية مع الصين والاتحاد الأوروبي علاوة على إشعال توتر كبير في منطقة الخليج، وعلى ضوء ذلك فان دول المنطقة أمام استحقاق تاريخي لشعوبها وهي إبعاد شبح الحرب أولا وبعد ذلك ينطلق حوار بين إيران ودول الخليج حيث إن ذلك هو الآلية الوحيدة لاستقرار المنطقة والتي عانت من حروب قاسية خلال العقود الأربعة الأخيرة، كما أن أي مواجهة عسكرية الآن سوف تكون مدمرة علي دول المنطقة ولن يكون هناك منتصر بل إن الكل سوف يخسر خاصة دول الخليج بشكل عام.
بعيدا عن الحرب

هناك جهود دبلوماسية تبذل في خضم المشهد المتوتر الحالي ويبدو لي أن مسألة خيار الحوار سوف تتغلب في نهاية المطاف على خيار التصعيد والحرب كما أن الإدارة الأمريكية سوف تراجع حساباتها حيث إن للحروب كلفة اقتصادية كبيرة واستنزاف كبير، ومن هنا فإن العالم ينتظر أولا تخفيف التصعيد والتصريحات الكلامية السلبية من الطرفين الإيراني والأمريكي وأخيرا اعتماد خيار الحوار من اجل سلامة المنطقة وشعوبها ومقدراتها وعلى قيادات المنطقة وهي تدرك ذلك أن نتائج الحروب سوف تكون مدمرة ولن ينجو احد منها لأسباب جغرافية حساسة.
العالم يتطلع إلى حكماء المنطقة وإلى آليات الحوار لإبعاد التوتر الحالي والجلوس لمناقشة كل الخلافات ليعم السلام والاستقرار في هذا الجزء الحساس من العالم والذي يعد شريان العالم من خلال تدفق الطاقة الى العالم شرقه وغربه على حد سواء. هناك سياسات متناقضة بين إيران والولايات المتحدة ولكن الوصول إلى مقاربات سياسية يكون من خلال الحوار والتوصل إلى حلول واقعية بعيدا عن لغة الرصاص.