الرواحي: رمضان فرصة عظيمة لمن أراد الرجوع إلى الله رجعة لا يقترف بعدها أي معصية أو ذنب

تضاعف فيه الحسنات وفرصة للمراجعة –
النبي صلى الله عليه وسلم «شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله» والفائز من قلده واتبعه –
أجرى اللقاء: سيف بن سالم الفضيلي –

حثّ الشيخ محمد بن زهران الرواحي باحث شؤون إسلامية بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية المسلمين باغتنام نفحات شهر رمضان المبارك وقال انه فرصة للمراجعة والمحاسبة خاصة لأولئك الذين ينفقون أكثر من الحاجة في الطعام والشراب، وعليهم أن يتذكروا أن هناك من لا يجد كوبا من الماء ليشربه وأن هناك من لا يجد لقمة يدخلها إلى فيه، وعليهم أن يتذكروا أنهم محاسبون على إسرافهم.
وقال: إن الإسراف داء عظيم، وشر وبيل، نعوذ بالله منه، وإنه مما يؤسف له أن تجد الموائد ملأى بالطعام، ثم تُرمى ثلثها أو أكثر.
منبها إلى أن الفوز كل الفوز من قلد النبي صلى الله عليه وسلم والنجاة كل النجاة من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم في شد المئزر وإحياء الليل وإيقاظ الأهل.. وإلى الجزء الأخير من اللقاء.

رمضان فرصة للتوبة والتخلص من التبعات.. كيف يمكن للمسلم الاستفادة منها؟

إن مدرسة الصيام ليست في شهر الصيام فقط؛ إنما تتعداها لتصل إلى ما بعد رمضان، قد يسأل سائل كيف ذلك؟ فأقول وبالله التوفيق: ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الصوم علاجا؛ فقد جاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم قوله عليه الصلاة والسلام: يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء. (متفق عليه)؛ من هنا نعلم أن الصوم علاج للشهوة الجنسية؛ فهو وقاية من الوقوع في جريمة الزنا والعياذ بالله، وهذا العلاج يشمل الشباب وغيره، فأي إنسان يجد في نفسه القوة الجنسية، ويخاف على نفسه الوقوع في جريمة الزنا؛ فعليه بهذا العلاج النبوي، وسيجده علاجا واقيا بإذن الله.
إن شهر رمضان المبارك، شهر عظيم، شهر لا يوازيه أي شهر، شهر لا يضاهيه أي شهر، شهر النور والبركة؛ النافلة فيه، كفريضة فيما سواه، والعمرة فيه كأجر حجة، فهو فرصة عظيمة لاكتساب الخير، والأجر والثواب العظيم من الخالق عز وجل، ولمن بلغه الله عز وجل رمضان، عليه أن يحمد الله ويشكره على ذلك؛ فكم من شخص فُقِد قبل بلوغ رمضان، فلا يدري أحد متى يحين أجله؛ إنما الآجال بيد الله وحده، اللهم بلغنا شهر رمضان، وأعنا فيه، وفي غيره على ذكرك، وشكرك وحسن عبادتك.
كم من الناس بخس حقهم، كم من الناس ظُلموا، كم من الناس استحقروا؛ كم من الناس اغتيبوا، كم من الناس شتموا؛ كم من الناس هتكت أعراضهم؛ كم من الناس تُجسس عليهم، كم من الناس أوذوا؛ كم من الناس أبعدوا أو نفوا أو شردوا أو سجنوا أو غير ذلك..
كم من محرمات عملت؛ كم من معاص فعلت؛ كم من سيئات اقترفت؛ كم من ذنوب ارتكبت؛ أقول لمن فعل ذلك: هذا الشهر الكريم؛ المبارك؛ يدعوكم لتتخلصوا من تلك الأوزار، والمعاصي والآثام، وترجعوا إلى الله؛ خالقكم؛ تائبين مستغفرين، وتردوا لكل ذي حق حقه، ولكل صاحب مال ماله، ولكل صاحب جاه جاهه؛ عسى الله أن يغفر لكم؛ إنه أهل التقوى وأهل المغفرة.

فرصة لمن أراد الرجوع إلى الله

إن شهر رمضان المبارك فرصة عظيمة لمن أن أراد أن يرجع إلى الله حق الرجعة؛ رجعة لا يقترف بعدها أي معصية أو ذنب؛ لأنه الشهر الذي تضاعف فيه الحسنات؛ كما أن شهر رمضان فرصة لاغتنام أعلى الدرجات عند الله عز وجل؛ فليلة القدر مغنم كبير؛ لا يوازيه أي مغنم، ومكسب كبير؛ لا يضاهيه أي مكسب؛ فهي تعدل أكثر من عبادة ثلاث وثمانين سنة، والله أعلم؛ لأنها خير من ألف شهر؛ قال الله سبحانه وتعالى: إنا أنزلناه في ليلة القدر. وما أدراك ما ليلة القدر. ليلة القدر خير من ألف شهر. تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر. سلام هي حتى مطلع الفجر.
(سورة القدر الآيات 1ـ 5)؛ فمن وافق ليلة القدر وأحياها بالعبادة والتهجد والتقرب إلى الله عز وجل بأنواع القربات وأشكال الطاعات؛ فقد أحيا شيئا عظيما، ونال ثوابا جزيلا، وأجرا عظيما؛ فيا أيها المسلم، ويا أيتها المسلمة: اغتنما هذه الليلة العظيمة، وبادرا بثوابها، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا، وقد كان سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم يحي ليله في العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك؛ أملا في اغتنام وموافقة ليلة القدر؛ “عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر؛ شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله. (صحيح البخاري)؛ فالفوز كل الفوز من قلد النبي صلى الله عليه وسلم، والنجاة كل النجاة من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم، وقد جاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم قوله: من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه. (رواه البخاري)؛ هذا الفضل العظيم لمن قام ليلة القدر؛ إيمانا بها؛ أي صِدْقا بها، واحتسابا؛ أي يحتسب أجرها عند الله عز وجل؛ فجزاؤه عند الله عز وجل غفران ما تقدم من ذنبه؛ كل ذنب أذنبه المذنب يغفره الله له؛ في ليلة نزول القرآن؛ ليلة القدر؛ جزاء إحيائه لها؛ بالذكر والعبادة والتهجد والقيام والدعاء. الله أكبر.
وعندما يُعَوِّد الإنسان نفسه في شهر رمضان المبارك على العبادة المحضة؛ يأخذ ذلك الطابع حتى بعد انقضاء الشهر المبارك؛ ذلك لأن النفس تكون قد تعودت على الطاعة؛ فعلى الإنسان أن يضبط نفسه حتى بعد انقضاء الشهر الكريم؛ بحيث يحرص على صلاة الجماعة، وعلى صيام النفل؛ خصوصا صيام ستة أيام من شوال؛ لورود حديث شريف عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر. (رواه الإمام مسلم)، ويحرص كذلك على صيام يوم عرفة؛ لأنه مستحب صيامه لغير الحاج؛ فقد ورد عن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم عرفة فقال: يكفر السنة الماضية والباقية. (رواه مسلم)، وفي رواية له: أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده.
وأيضا على المسلم أن يحرص على صيام يوم عاشوراء، وهو العاشر من محرم؛ لترغيب النبي صلى الله عليه وسلم في صيامه؛ على أن يُصام يوما قبله أو يوما بعده؛ مخالفة لليهود في صيامه، والله أعلم، وعلى المسلم كذلك أن يُعَوِّد نفسه على قيام الليل، وتلاوة القرآن الكريم؛ كما كان يفعل في شهر رمضان المبارك.
هذا ويحرص المسلم دائما أن يتوب من كل ذنب يذنبه في ليله أو نهاره؛ فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له؛ والله سبحانه وتعالى يقول في حديث قدسي: يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا؛ فاستغفروني أغفر لكم.؛ فضلا عن ذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم حث على الاستغفار والتوبة إلى الله؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة. (رواه البخاري)؛ فإذا كان هذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم؛ يستغفر الله ويتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة؛ أفليس حريا بنا أن نفعل مثل فعله صلى الله عليه وسلم أو أكثر؛ لأننا أكثر ذنوبا، وأكثر تقصيرا في حق الله سبحانه وتعالى. هذا ما يجب على المسلم فعله حتى بعد انقضاء شهر رمضان المبارك؛ فإن عبادة الله سبحانه وتعالى ليست في شهر رمضان فقط، وإنما عبادته سبحانه في كل وقت وحين؛ على أن كل عمل شريف يعمله الإنسان يعتبر عبادة يؤجر بها؛ فلا تنحصر العبادة في الصلاة والزكاة والحج والصوم؛ لا، وإنما حتى اللقمة التي تدخلها في فم زوجك عبادة؛ تؤجر بها؛ حتى الابتسامة في وجه أخيك صدقة؛ حتى إماطتك الأذى عن الطريق صدقة؛ من هنا يتبين أن العمل الشريف عبادة؛ هذا هو الإسلام، وهذه هي تعاليمه السمحة الصافية النقية.
الإسراف داء عظيم
رمضان شهر قرب وإخلاص لا ولائم أو مناسبات.. كيف يوائم الإنسان بين حاجاته الضرورية وحاجة الفقراء وعدم الإسراف؟

إن شهر رمضان المبارك؛ شهر يتقرب المسلم فيه بشتى أنواع التقرب، ومن ذلك التقرب إلى الله عز وجل بالإنفاق؛ بطرقه المختلفة، ومن ذلك الإنفاق بالمال؛ فكما أن المسلم ينفق على نفسه وعياله وأسرته؛ في هذا الشهر المبارك، عليه أن لا ينسى الفقراء والمحتاجين، فالفقراء والمحتاجون من المسلمين كثيرون، فالإنفاق عليهم واجب، وفي رمضان آكد وجوبا، وأعظم استحقاقا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم جوادا كريما، وهو في شهر رمضان المبارك أكثر جودا وكرما؛ عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان، كان جبريل يلقاه كل ليلة في رمضان يعرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم القرآن، فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة. (متفق عليه)؛ هذا هو النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا هو فعله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو ديدنه صلى الله عليه وسلم، فقلده أيها المسلم، تجد الراحة والسكينة والطمأنينة.
إن الإسراف داء عظيم، وشر وبيل، نعوذ بالله منه، وإنه مما يؤسف له أن تجد الموائد ملأى بالطعام، ثم تُرمى ثلثها أو أكثر، حيث لا آكل لها؛ أهذا يجوز؛ أهذا يصح؛ أهذا من الإسلام؟، كلا ورب الكعبة، هذا ليس من الإسلام، وهذا لا يصح، ولا يجوز، فراجع نفسك أيها المسلم؛ راجع نفسك خصوصا في هذا الشهر الكريم؛ فهذا الشهر فرصة للمراجعة، عندما تنفق أكثر من الحاجة في الطعام والشراب، تذكر أن هناك من لا يجد كوبا من الماء ليشربه، وتذكر أن هناك من لا يجد لقمة يدخلها إلى فيه؛ وتذكر أنك محاسب في إسرافك؛ لأن الله سبحانه يقول في كتابه العزيز: وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين. (سورة الأعراف من الآية 31)، اللهم إنا نعوذ بك أن نكون من المسرفين، “ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين” (سورة آل عمران من الآية 147).
كم من يتيم لا يجد المال، وكم من أرملة لا تجد المال، وكم من طفل لا يجد ما يستر به عورته، وكم من شيخ لا يجد مأوى، وهناك من يسكن القصور، ولا يحس بمن هم في الكهوف، ولا بمن في الأكواخ والخيام، أهذه حياة مجتمع مسلم، مُقرّ بإسلامه؛ عارف بدينه وإسلامه، كلا ورب الكعبة؛ إنها حياة البذخ والترف التي سرعان ما تتلف وتضمحل، لأنها سنة الله، (فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا) (سورة فاطر من الآية 43)، ولأن الله سبحانه وتعالى أكد في كتابه العزيز التأكيد المحض، وقال وقوله الحق المبين: (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا) (سورة الإسراء الآية 16)، فيا ابن آدم خذ من هذه الآيات ما تعتبر بها في حياتك، وتتعظ بها في ساعاتك، ويا أمة الإسلام عودي إلى مجدك، فمجدك لم يأفل، ولن يأفل، لأن القرآن لا يأفل، ولن يأفل. الله أكبر.