حرف وصناعات : حرفة الجزارة

إعـــــــــداد: حمادة السعيد –

هذه الحلقات المكتوبة إنما هي إشارات سريعة وعاجلة، للفت الأنظار إلى قضية مهمة في زمنِ البطالة لتوجيه أنظار الباحثين عن العمل إلى المهن والحرف وعدم احتقارها أو التهوين من شأنها فلقد حث الإسلام على العمل أيّما كان نوعه، شريطة أن يكون بهذا العمل نافعًا لنفسه والآخرين غير ضار لأحد، ويكفي هؤلاء الذين يعملون بالحرف والصناعات شرفًا وفخرًا وعزةً وكرامةً أن أشرف خلق الله وأفضلهم وهم الأنبياء والرسل قد عملوا بحرفة أو امتهنوا مهنة.
ولقد أشار القرآن الكريم في آياته إشارات واضحة ومباشرة أو ضمنية تفهم في مجمل الآية إلى بعض الحرف والصناعات كذلك حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك وحين يشير القرآن تصريحا أو تلميحا إلى أمر ما فهو أمر مهم وعظيم فالقرآن لا يتحدث إلا عما فيه سعادة وصلاح حال البشرية ومن الحرف التي أشار إليها القرآن الكريم في آياته هي حرفة «الجزارة»
لقد وردت حرفة الجزارة في القرآن الكريم ضمنيًا وجاء ذلك في سورة البقرة قال الله تبارك وتعالى: «وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً» الآية 67 وقوله تعالى: قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ [البقرة: 71] وقوله تعالى: «وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ»[المائدة: 3]. كذلك وردت في سورة الكوثر قوله تعالى: «فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2)» . وفي سورة الشمس» فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (13) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (14)».
حينما نتأمل في الآيات الكريمات السابقات سيتبين لنا أن هناك ألفاظًا تتعلق بحرفة الجزارة قد ذكرتها الآيات الكريمات وهي الذبح والتذكية والنحر والعقر وحول هذه الألفاظ والفرق بين معانيها ما ذكره مجمع الفقه الإسلامي في مؤتمره العاشر المنعقد عام 1997 فقال: الذبح ويتحقق بقطع الحلقوم والمريء والودجين ،وهي الطريقة المفضلة شرعًا في تذكية الغنم والبقر والطيور ونحوها وتجوز في غيرها.
– النحر ويتحقق بالطعن في اللبة وهي الوهدة (الحفرة) التي في أسفل العنق وهي الطريقة المفضلة شرعًا في تذكية الإبل وأمثالها وتجوز في البقر.
– العقر ويتحقق بجرح الحيوان غير المقدور عليه في أي جزء من بدنه سواء الوحشي المباح صيده والمتوحش من الحيوانات المستأنسة فإن أدركه الصائد حيًا وجب عليه ذبحه أو نحره.
وبالنظر بعين التأمل والتدبر إلى الألفاظ الواردة في الآيات القرآنية السابقة لوجدنا عجبا أما الذبح في آيتي سورة البقرة فكان لإظهار براءة ،وأما النحر في سورة الكوثر فهو لإظهار طاعة وعبادة، وأما العقر فهو لإعلام بعقوبة، وأفصل فأقول: ورد في سورة البقرة قصة ذبح البقرة لبني إسرائيل وحول هذا يقول محمد الأمين في تفسيره المعروف بـ«حدائق الروح والريحان»: «وإذ قال موسى لقومه» وهذا توبيخ آخر لأخلاق بني إسرائيل بتذكير بعض جنايات صدرت من أسلافهم؛ أي: واذكروا يا بني إسرائيل! قصة إذ قال موسى عليه السلام، لأسلافكم وأجدادكم الذين نكثوا ميثاقي: «إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة»؛ أي: إن ربكم يأمركم أن تذبحوا بقرة حين تدافعوا في القتيل الذي وجد فيهم، ولم يظهر قاتله، فترافعوا إلى موسى، فاشتبه أمر القتيل على موسى، فسألوا موسى أن يدعو الله تعالى ليبين لهم بدعائه، فدعاه لهم، فأمرهم الله سبحانه وتعالى أن يذبحوا بقرة ويضربوا القتيل ببعضها، فيحيا فيخبرهم بقاتله «فذبحوها وما كادوا يفعلون»؛ أي: والحال أنهم ما قاربوا أن يذبحوها، لأجل غلاء ثمنها؛ أو لخوف الفضيحة بإظهار الله نبيه موسى على القاتل؛ أي: قاربوا أن يتركوا ذبحها لأجل ذلك، والخلاصة: أنهم ذبحوها بعد توقف وبطء.
وعن النحر في سورة الكوثر يقول: «اجعل صلاتك لربك وحده، وانحر ذبيحتك وما هو نسك لك لله أيضا، فإنه هو الذي رباك، وأسبغ عليك نعمه دون سواه».
وعن العقر في سورة الشمس يقول: «فعقروها» والعقر: النحر، وقدم التكذيب على العقر؛ لأنه كان سبب العقر، وفي الحديث أنه- صلى الله عليه وسلم- قال لعلي: «يا علي أتدري من أشقى الأولين؟ «قال: الله ورسوله أعلم. قال: «عاقر الناقة»، قال: أتدري من أشقى الآخرين؟ «قال: الله ورسوله أعلم. قال: «قاتلك» رواه أحمد وابن أبي حاتم والحاكم وأبو نعيم وغيرهم عن عمار بن ياسر.
ولقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم آدابا إسلامية لهذه الحرفة ولمن يمتهنها وتحتاج إلى من يكون عارفا بأحوال دينه. أما الحديث الأول والذي يبين فيه ما الواجب فعله لمن أراد أن يذبح بهيمة أو ما شابه وذلك فيما رواه الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن شداد بن أوس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلَة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحَة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته». فهنا يظهر لنا أنه لابد للذابح أن يحد شفرته حتى لا يتسبب في تعذيب ما سيذبحه.
ولكن هل يحد الجزار شفرته أمام البهيمة التي سيذبحها باعتبار أنها لا تعقل؟ والجواب لا فلقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفعل الشنيع وذلك فيما رواه الإمام الحاكم في مستدركه بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلا أضجع شاة يريد أن يذبحها وهو يحد شفرته فقال له النبي صل الله عليه وسلم:
«أتريد أن تميتها موتات؟ هلا حددت شفرتك قبل أن تضجعها». فإذا أراد أن يذبحها الجزار فمن أهم الآداب التي وضعها رسول الله لذلك ألا يذبحها أمام عيون البهائم فينظرون إلى الذابح وإلى الذبيحة بل يتوارى بها بعيدا عن أعين بقية البهائم التي سيذبحها وقد ورد هذا فيما رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده بسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أمر بحد الشفار وأن توارى عن البهائم.
ما أرحمك يا رسول الله حتى بالبهائم هذه آداب إسلامية لابد لمن أراد أن يحترف هذه الحرفة أن يتأدب بها وأن يتعلمها.
فهذا هو هدي نبينا فمن اتبع هذا الهدى عاش كريما وكفى بصاحب الحرفة فخرًا أن أفضل خلق الله وهم الأنبياء والرسل كانوا يأكلون من عمل يدهم وقد عملوا بحرفة أو امتهنوا مهنة.