بين الكلفة الاقتصادية والجدل السياسي

عوض بن سعيد باقوير – صحفي ومحلل سياسي –

وتبقى أهمية الجهود للحد من تلك التأثيرات مهمة من خلال مراكز الرصد وتبادل المعلومات المناخية وهي موجودة الآن، ومع ذلك فإن ظاهرة الأعاصير سوف تظل موجودة من خلال سلوكيات الدول خاصة في مجال البيئة والتي تتعرض لمشكلات التصحر والحرائق التي تقضي سنويا على ملايين الهكتارات من الغابات خاصة في أمريكا الشمالية وبالتالي يفقد الغطاء النباتي جزءا من مسألة التوازن البيئي الذي يعد ضروريا وحاسما في بقاء الحياة الفطرية والإنسانية معا.

شهد العالم في السنوات ارتفاعا ملحوظا في نشاط الأعاصير والمد البحري المعروف بتسونامي في عدد من المناطق في العالم، ولعل أشهر تلك الظواهر للمد البحري حدثت في جنوب شرق آسيا خاصة في اندونيسيا وخلفت آثارا مدمرة إنسانيا حيث آلاف الضحايا والكلفة الاقتصادية العالية وأيضا الجدل حول موضوع الاحتباس الحراري والذي يرى العلماء بأنه أحد العوامل الرئيسية في التغيرات المناخية والتي تحتاج إلى جهود دولية في مجال ظاهرة الاحتباس الحراري.
كما أن ظاهرة الأعاصير تزايدت في السنوات الأخيرة خاصة في نصف الكرة الغربي وبالتحديد في الولايات المتحدة والمكسيك، كما أن المنطقة العربية ومنها السلطنة دخلت في ظاهرة أعاصير بحر العرب والمحيط الهندي ومنها إعصار مكونو واللبان التي شهدتهما محافظة ظفار في الآونة الأخيرة علاوة على تزايد نشاط الأعاصير والعواصف في خليج البنغال ومن إيران أيضا، والمعروف أن إعصار جونو الذي ضرب السلطنة عام 2007 يعد واحد من الأعاصير الخطيرة كما هو الحال مع الإعصار مكونو في صيف العام الماضي.
ورغم الكلفة الاقتصادية لتلك الأعاصير في السلطنة إلا أن التعامل الرسمي والشعبي معها خفف إلى حد كبير من نتائجها الصعبة، وأيضا من خلال الاستعداد والتوعية والتكاتف الاجتماعي.
ومن هنا سوف تظل ظاهرة الأعاصير هي ظاهرة مقلقة للعالم فهناك أعاصير مدمرة شهدها العالم خاصة في الولايات المتحدة منها إعصار كاترينا وإعصار هارفي حيث يعد الأخير الذي ضرب ولاية تكساس من أكثر الأعاصير تكلفة سواء من الناحية المالية أو الخسائر البشرية، حيث شهدت التكلفة المالية 160 مليار دولار وإغلاق مراكز تكرير النفط في خليج المكسيك.

نتائج كارثية
وعلى ضوء ظاهرة الأعاصير والتسونامي والتي سببت كوارث بشرية ومالية وتدمير للبني التحتية بدأت الأصوات ترتفع حول ضرورة إيجاد حلول لهذه الظاهرة من خلال ظاهرة الاحتباس الحراري، وبدأت الجهود الدولية تتبلور حتى تم التوصل إلى اتفاقية باريس حول الاحتباس الحراري وتعد تلك الاتفاقية هي أول اتفاقية دولية بشأن المناخ خلال المفاوضات التي عقدت أثناء مؤتمر الأمم المتحدة في باريس عام 2015 حيث وقعت على تلك الاتفاقية 194 دولة تعهدت بتحسين جهودها للتصدي لظاهرة الاحتباس الحراري والتي تعد مسؤولة عن ارتفاع حرارة الأرض وبالتالي زيادة الظواهر المناخية كالأعاصير والتسونامي البحري، وقد وقعت الولايات المتحدة على تلك الاتفاقية خلال وجود إدارة الرئيس أوباما ولكن الولايات المتحدة انسحبت من تلك الاتفاقية بقرار وقعه الرئيس الحالي دونالد ترامب.
ورغم الانسحاب الأمريكي من اتفاقية باريس إلا أن الدول الموقعة لا تزال ملتزمة، ومن هنا دخل الجدل السياسي حول ظاهرة المناخ لأسباب اقتصادية، حيث إن الدول الصناعية ومن خلال التأثيرات بغاز ثاني أكسيد الكربون والانبعاثات الناجمة عن الصناعات ساهمت في تفاقم الظاهرة المناخية ومن خلال الأرقام، وتأتي الولايات المتحدة في المقدمة علاوة على آثار التلوث في الهواء من دول عديدة تأتي في مقدمتهم الصين ودول صناعية أخرى ذات كثافة سكانية كبيرة.
أن الاحتباس الحراري يشكل ظاهرة العصر وهو من الأخطار المباشرة على التوازن البيئي وارتفاع درجة حرارة الأرض بكل ما يحمل من التأثيرات الخطيرة على الحياة البشرية والتوازن في مجال الحياة الطبيعية في اليابسة والبحار على حد سواء، ومن هنا فإن الأعاصير التي شهدها العالم خلال الخمسين عاما الأخيرة تسببت في كوارث كبيرة على الحياة الفطرية والبيئية، وقبل ذلك على حياة البشر في القارات الخمس.
ومن هنا فإن الجدل لا يزال قائما بين الكلفة الاقتصادية لتلك الأعاصير وبين الجدل السياسي حول مصالح الدول الصناعية وفي مقدمتها الولايات والتي انسحبت من اتفاق باريس حول الاحتباس الحراري وهو الانسحاب الذي أثار جدلا واسعا في العالم.

ظاهرة الأعاصير

ظاهرة الأعاصير تعد خطيرة حيث إنها يمكن أن تعيد مجال التنمية الاقتصادية والاجتماعية إلى الوراء من خلال الخسائر والتأثيرات المباشرة على البنية التحتية، وأيضا على فقدان الأرواح، ومن هنا فإن المد البحري الذي شهدته عدد من الدول الآسيوية كاليابان واندونيسيا والفلبين قد سبب كوارث حقيقية ومسح قرى بأكملها وتسبب في مشاكل للمحطات النووية كما في الحالة اليابانية بكل المخاطر التي تحملها التسربات والإشعاعات على صحة الإنسان.
ومن هنا فإن بحر العرب وخليج البنغال زاد نشاطهما في مجال تكون الأعاصير وهذا بلا شك يؤثر على الجغرافيا القريبة من تلك المناطق خاصة بحر العرب، ومن هنا فإن المراكز التي ترصد تكون تلك الأعاصير تبقى يقظة ومتابعة لأي حالة محتملة، ومن هنا فإن التطور في مجال رصد الأعاصير والمد البحري أصبح أحد مسؤوليات الدول التي تأثر مناخها بتلك الأعاصير خاصة وإن استمرار الاحتباس الحراري قد يضاعف من الظاهرة في السنوات القادمة وكما يقول خبراء الإرصاد فإن وقف الأعاصير هي مسألة غير ممكنة ولكن التخفيف من تداعيات تلك الظاهرة والاستعداد اللوجستي يخفف إلى حد كبير من تلك التأثيرات المدمرة، ومن هنا فإن الجدل السياسي حول المكاسب والخسائر للدول الصناعية ستظل محورا للنقاش خاصة وأن اتفاق باريس له جدول زمني للتنفيذ ومن خلال مراحل محددة.
وتعد الآثار الصعبة من نصيب الفقراء حيث إن قدرة الفقراء ومن خلال ظروف معيشتهم ومساكنهم غير المبنية بالمواد الثابتة تسبب لهم متاعب كبيره فهناك دراسة حديثة أجراها البنك الدولي تشير إلى أن الأعاصير والكوارث تلقي بقرابة 26 مليون شخص سنويا إلى براثن الفقر كل عام بسبب العيش في مناطق عالية المخاطر وليس لديهم القدرة الكافية على مواجهة تلك المخاطر.
فيما يخص التكلفة الاقتصادية فإن الأعاصير تسبب دمارا هائلا في منطقة الكاريبي علي سبيل المثال عام 1979 سبب الإعصار ديفيد خسائر تجاوزت 177 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في الدومينيكان وفي عام 2004 سبب الإعصار ايفان خسائر زادت عن 200 في المائة من إجمالي الناتج المحلي لجرينادا وهذا شيء كبير وخطير على اقتصاديات تلك الدول الصغيرة.
كما أن تلك الكوارث من الأعاصير تؤثر بشكل كبير على موازنات الدول والعجز وعمليات إعادة الإعمار، وتعد دول أمريكا اللاتينية واحدة من اكثر المناطق تأثرا بمخاطر الأعاصير والكوارث وبصرف النظر عن الجهود الإقليمية والدولية للحماية من المد البحري والأعاصير فإن ذلك يعد صعبا في مواجهة تلك الظواهر المدمرة.

بعيدا عن الأنانية

اتفاقية باريس حول الاحتباس الحراري تعد جهدا دوليا جماعيا للحد من ارتفاع حرارة الأرض والتي تعد العامل الأساسي لظاهر الأعاصير والمد البحري ومن خلال الجدل السياسي فإن الانسحاب الأمريكي من تلك الاتفاقية سبب خيبة أمل لتلك الجهود، ومن هنا فإن تفعيل تلك الاتفاقية يبقى أحد الحلول المهمة لسلوك الدول للحد من الانبعاثات الكربونية والتأثيرات الكيماوية في مجال الصناعة والتلوث الهوائي، وبدون تلك الجهود سوف تظل مناطق عديدة في العالم معرضة لمزيد من الأعاصير ومن الخسائر الفادحة بما فيها الولايات المتحدة والتي شهدت أعاصير مدمرة.
إن التخلص من الأنانية والمكاسب الاقتصادية تفرض على المجتمع الدولي أن يعالج تلك الظواهر بشيء من الجدية للحفاظ على سلامة كوكب الأرض والتقليل من التأثيرات التي تسببها الكوارث الطبيعية، ولعل مسألة الاحتباس الحراري تأتي في مقدمة تلك المخاطر وطالما ارتفعت حرارة المياه في البحار واستمر التلوث والانبعاثات فإن العالم ينتظر أياما صعبة وجدلا مستمرا بين المصالح الضيقة وضرورة الحفاظ على طبقة الأوزون وعلى حرارة الأرض في صورتها الطبيعية.
وتبقى أهمية الجهود للحد من تلك التأثيرات مهمة من خلال مراكز الرصد وتبادل المعلومات المناخية وهي موجودة الآن، ومع ذلك فإن ظاهرة الأعاصير سوف تظل موجودة من خلال سلوكيات الدول خاصة في مجال البيئة والتي تتعرض لمشكلات التصحر والحرائق التي تقضي سنويا على ملايين الهكتارات من الغابات خاصة في أمريكا الشمالية وبالتالي يفقد الغطاء النباتي جزءا من مسألة التوازن البيئي الذي يعد ضروريا وحاسما في بقاء الحياة الفطرية والإنسانية معا.