من المنظور الطبيعي إلى المنظور الاجتماعي

د. صلاح أبونار –

تبدو الأعاصير ومعها كافة أشكال الكوارث الطبيعية، للوهلة الأولى ووفقا للمنظور الشائع، محض كوارث ناتجة عن فعل طبيعي هائل واستثنائي، لا يملك الإنسان في مواجهته شيئا.

ولا يمكن لأحد التشكيك في هذا المنظور، فالكوارث الطبيعية حتى في تكرارها الدوري القابل للتنبؤ، هي فعل طبيعي متجاوز لما يمكن اعتباره نظام الطبيعة النمطي المسيطر، لا يملك الإنسان إيقافه إلا في حالات معينة مثل السيطرة على طوفانات الأنهار الاستثنائية عبر إقامة السدود العملاقة. لكن الكوارث الطبيعية في نتائجها العملية المباشرة والممتدة، في مساحات متفاوتة منها ليست ثانوية الأهمية، هي ظواهر اجتماعية.
ولكن بأي معنى يمكن اعتبارها ظواهر اجتماعية؟
يعني المواجهة الاجتماعية لفعل الطبيعة، الموازنة لفعل الطبيعة الاستثنائي في المجتمع والساعية للسيطرة عليه. ويمكن لنا أن نقترح تحليل هذا الفعل الاجتماعي الموازن عبر ثلاثة محاور.
محور بنية المجتمع المستقبل لفعل الطبيعة، فالخصائص المميزة لتلك البنية تلعب دورا أساسيا في حجم الخسائر الاجتماعية وفي التوزيع الاجتماعي لأعباء الخسائر.
ومحور استعداد المجتمع للمواجهة الفورية للكارثة الطبيعية، والذي يتوزع بين القدرة علي التنبؤ بالأزمات والتهيؤ المؤسسي والمادي المسبق لمواجهة الأزمات والمرونة في فترة اشتعال الأزمات.
وفي النهاية محور مواجهة نتائج الأزمات، سواء بمعنى مواجهة النتائج المباشرة مثل إصلاح البني التحتية وإعادة بناء البيوت المدمرة وإيواء النازحين، أو بمعنى المواجهة الممتدة المعنية باستعادة بناء القدرات الاجتماعية للفئات المتضررة وإعادة ربطها بالمسارات التنموية الخاصة والعامة.
ويتطلب التحليل السابق العودة إلى رصد اصل موضوعنا، قبل أن ننتقل إلى تحليل اكثر استفاضة وتحديدا المنظور الاجتماعي للكوارث الطبيعية.
عاش المجتمع البشري طوال تأريخه في صراع مع أزمات الطبيعة وكوارثها، بل يمكننا ملاحظة التمازج العضوي بين تلك الأزمات وعملية تكوين الضمير البشري، والذي يبدو واضحا في موقعها من المأثور الديني في الديانات الكبرى مثل طوفان نوح ودلالاته. وعبر التاريخ الحضاري للإنسان تمكن فعليا من السيطرة على بعض اخطر ظواهرها، ونعني الأوبئة واسعة النطاق مثل الطواعين التي كانت تقتل ملايين البشر، والفيضانات النهرية التي كانت تدمر تجمعات اجتماعية واسعة، والمجاعات الناتجة عن الاختلالات أو التغيرات المناخية الحادة وتأثيرها المدمر على الإنتاج الزراعي. وجاء هذا النجاح في حالة الأوبئة في شكله الحاسم متأخرا زمنيا، نتيجة للتقدم العلمي وتطوير نظم السيطرة والرقابة الاجتماعية على المناطق المصابة. بينما قطعت البشرية في مراحل تاريخية مبكرة خطوات كبيرة في حالتي الفيضانات والمجاعات، عبر ظهور الدول المركزية في المجتمعات النهرية التي شرعت في مشاريع ضخمة لترويض الأنهار الفيضية وتطوير وتقنين تقاليد العمل الجماعي الطوعي والإكراهي في مواجهة الفيضانات وبناء مخازن الحبوب، ثم عبر تكون المجتمعات والحضارات الزراعية الكبرى ومعها مفهوم الفائض الاقتصادي وثقافة الإدارة الجماعية للموارد والريع العيني المفروض على المنتجات الزراعية والتجارة البعيدة. ولكن الخطوات الحاسمة في هذا المجال جاءت في العصر الحديث، مع التقدم العلمي الذي طور تقنيات بناء السدود وأتاح تبادلها بين المجتمعات، ونشأة الرأسمالية ومعها الثورة الاتصالية والسوق الرأسمالي العالمي التي أتاحت إمكانيات تبادل عالية وسريعة للمواد الغذائية.
إلا أن العقود الثلاثة الأخيرة شهدت تصاعدا في وتيرة الكوارث الطبيعية النشطة. اسفر تسونامي عام 2004 عن مقتل ربع مليون في عدة دول، وإعصار نرجس في ميانمار عام 2008 عن مصرع 120000، وجفاف الصومال فيما بين 2010 – 2012 عن هلاك حوالي 230000، وخلف زلزال هايتي 2010 وراءه 140000ضحية، بينما خلف زلزالي كشمير 2005 وسيتشوات الصينية 2008 حوالي85000.
ووفقا لتقديرات الأمم المتحدة أسفرت الكوارث الطبيعية على مدى الأربعين عاما الماضية عن موت 3.3 ملون فرد. ووفقا لتقديرات البنك الدولي يسقط حوالي 26 مليون فرد سنويا في براثن الفقر بسبب الكوارث الطبيعية، لأنهم يعيشون في مناطق عالية الخطورة ويفتقدون القدرة على التعافي من الكوارث. ووصل هذا التصاعد إلى ذروته خلال الأعوام 2015 – 2017.
في تقرير الأمين العام للمجلس الاجتماعي والاقتصادي للأمم المتحدة المقدم لدورة 2018، نقرأ مايلي: « تأكد أن أعوام 2015 و2016 و2017، هي أحر الأعوام المسجلة. وتزداد ظواهر الطقس المتطرف تواترا وتدميرا، فلقد ساهم موسم الأعاصير النشطة في شمال الأطلسي والفيضانات الموسمية الكبرى في شبه القارة الهندية واستمرار الجفاف الشديد في أجزاء من شرق افريقيا، في جعل عام 2017 أعلى عام يسجل من حيث تكلفة ظواهر الطقس والمناخ الشديدة. وقدرت قيمة الخسائر السنوية الناجمة عن الزلازل والأعاصير الحلزونية وأمواج التسونامي والفيضانات بمبلغ 300 بليون دولار على صعيد العالم، بالإضافة إلى الخسائر البشرية».
وفي سياق هذا التصاعد سنجد الولايات المتحدة تحتل موقع الصدارة. شهدت أمريكا في عام 2017 فقط ثلاثة من أعنف الأعاصير في التاريخ الأمريكي: إعصاري هارفي وماريا في أغسطس وأعصار ايرما في سبتمبر. وفقا لوول ستريت جورنال بلغت قيمة خسائر إعصار هارفي 125 بليونا تكلفة الدمار، و8.5 بليون تكلفه تأثيره على إجمالي الناتج، و68 نفسا تكلفته البشرية. بينما بلغت قيمة خسائر إعصار ماريا 90 بليونا تكلفة الدمار، و30 بليونا تكلفة تأثيره على إجمالي الناتج المحلي، و3000 نفس تكلفته البشرية إذا أخذنا بورتريكو في الحساب وهي إقليم تابع للولايات المتحدة غير مدمج في الاتحاد الأمريكي ولكن يعيش بها 3.5 مليون أمريكي. بينما بلغت خسائر إعصار ايرما 49 بليونا تكلفة الدمار، 14 بليونا تكلفة تأثيره على إجمالي الناتج المحلي، و79 نفسا تكلفته البشرية. ووفقا لملاحظات المتخصصين شهد إعصار هارفي مستوى طوفان مياه لم يحدث من 500 سنة، واستمر إعصارا ايرما وهارفي 37 ساعة وهو أعلى معدل سجله التاريخ للأعاصير.
تحتوي الأرقام الخاصة بخسائر أعاصير أمريكا الثلاث الكبرى عام 2017 على مفارقة مهمة. فبينما بلغت خسائر الدمار لإعصار هارفي 125 بليونا لم تتعد خسائره البشرية 68 نفسا، والمفارقة ذاتها سنجدها في إعصار ايرما. وستظهر علامات استفهام عن ارتفاع الضحايا البشرية لإعصار ماريا بشكل قياسي، ولكن من السهل أن نجد السبب في كون اغلب الضحايا في بورتريكو التي قلنا إنها إقليم غير مدمج في الأراضي الأمريكية، وباختصار لا يمكن اعتبارها أراضي أمريكية خاضعة لمؤسسات الدولة الأمريكية. وتخبرنا تلك المفارقة بحقيقة واضحة، تفيد انه بينما عجزت السلطات الأمريكية عن حماية البيوت والمنشآت، لم تعجز عن حماية البشر. فلا يمكن نقل البيوت والمنشآت، ولا يمكن حمايتها عبر وضعها في ملاجئ آمنه لها، ولكن يمكن نقل البشر إلى أماكن حامية بعيدة.
وتشكل النتيجة السابقة مدخلا جيدا لتحليل البعد الاجتماعي للكوارث الطبيعية. يمكننا أن نطرح عدة عناصر متكاملة لهذا التحليل. تفيد الأولى بالتفاوت في تأثير الكوارث الطبيعية تبعا لتفاوت المواقع الاجتماعية. يشكل الفقراء ومحدودو الدخل الفئات الأكثر معاناة، ولكنها بالتأكيد ليست الفئات الوحيدة. فهذه الفئات تعيش في مناطق اكثر تعرضا لمخاطر الطبيعة، وفي بيوت اقل قدرة على مقاومة أزمات الطبيعة، ولا يملكون إمكانيات اتصالية وتنقلية عالية تمكنهم من سرعة الحركة في مواجهة الخطر، كما لا يملكون القدرة المالية على تحصين انفسهم ضدها، وهم في عملهم اكثر احتكاكا بالطبيعة وبالتالي اكثر قربا من مخاطرها، وقدراتهم على التعافي من المخاطر محدودة.
وتفيد الثانية انه في ظل دولة تتمتع بدرجة عالية من المؤسسية والوظيفية والتوازنات الداخلية، تتعاظم القدرة الجماعية على مواجهة الكوارث الطبيعية. ذلك أن تلك الأبعاد تعني بناء القدرة المؤسسية على التنبؤ بالكوارث وسيناريوهات مواجهتها، والحشد الاجتماعي للموارد اللازمة لمواجهتها، وبناء آليات الحماية الجماعية الاستباقية، والقدرة على فرض وتطوير القوانين الضرورية مثل قوانين مواصفات البناء في المناطق المعرضة للمخاطر، ووجود بنية أساسية عالية الكفاءة وقادرة على مواجهة ضغوط الأزمات، والمرونة الكافية في الحركة لحظة المواجهة، والدينامية الاجتماعية العالية التي تمكن المجتمع من تحقيق أعلى أشكال التفاعل والحشد لحظة الأزمة.
وتفيد الملاحظة الثالثة أن عملية إعادة الأعمار ستواجه عدة تحديات سياسية واجتماعية. أهمها تحدي إعادة الأعمار وفقا لمعايير الثقافات المحلية، وتحدي توجيه الأعمار نحو الفئات الأكثر استحقاقا، وتحدي الاعتراف بحقوق الملكية العرفية المسيطرة في المناطق الهامشية المتضررة، وتحدي مواجه الخطط المحتملة للفئات الثرية والمتنفذة من اجل الاستيلاء على الأراضي وتوجيه الأعمار لصالحها.
ويمكن لنا أن نطور التحليل السابق من خلال ربطه بمفهوم القدرة على الصمود الذي تبنته استراتيجية الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، في عدة غايات أهمها في الغاية 1- 5 والغاية 13 -1. في تقرير الأمين العام للمجلس الاجتماعي والاقتصادي للأمم المتحدة الذي اشرنا إليه، نجد تعريفا من ثلاثة عناصر لمفهوم القدرة علي الصمود. فهو «يعني قدرة الأفراد والأسر المعيشية والبلدان والمؤسسات والنظم والمجتمعات»، من أجل «الوقاية والمقاومة والامتصاص والتكيف والاستجابة والتعافي بإيجابية وكفاءة وفعالية»، في مواجهة «طائفة واسعة من المخاطر منها تلك المتصلة بظواهر المناخ المتطرفة والكوارث البيئية».