مساقات سياسية وارتدادات اقتصادية

إميل أمين –

لا يمكن الزعم بأن أحوال الطبيعة كانت مستقرة ومستمرة منذ الأزل، فقد عرفت البشرية طوال عهدها على الكرة الأرضية غضبات الطبيعة، مرة في شكل الأعاصير، وأخرى في شكل الزلازل والبراكين، ومرات أخرى في الأمواج الهادرة التي تجرف ما في وجهها.

وربما كانت قصة الطوفان هي ثورة الطبيعة الأشهر في مواجهة الإنسان، وللمرء أن يجدها في كتب الديانات التوحيدية، وبالقدر نفسه عند أصحاب الشرائع الوضعية، ما يجعل منها قصة إنسانية تبين مواجهة الإنسان للطبيعة المتمردة.
غير أن البشرية في حاضرات أيامنا باتت تعاني من تزايد وتصاعد حادين في ثورات المناخ، الأمر الذي تترتب عليه مساقات سياسية، وارتدادات اقتصادية، تؤثر في الحال والاستقبال على علاقة الأمم والشعوب بعضها ببعض من جهة، وبين البشر وكوكب الأرض من جهة ثانية، إلى الدرجة التي استدعت بعض المفكرين إطلاق تعبير«كوكب الأرض السابق»، وفي كل الأحوال باتت أمنا الأرض في مواجهة أزمة حقيقية.
ولعل السؤال الواجب طرحه أي تأثيرات وتجاذبات اقتصادية وسياسية يمكن أن تنشأ من وراء ثورة الطبيعة؟
يصف الخبراء تغير المناخ بانه تهديد يصعب تصديق مدى تأثيراته بعيدة المدى على الأمن الاستراتيجي للدول، وقدرته على إشعال الحروب والصراعات، ويعتبرون انه مازال هناك استيعاب ناقص لتداعياته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية القائمة، والتي تشكل تحديا حضاريا على المدى الطويل.
والشاهد أن ما جرى للطبيعة خلال النصف الأخير من القرن العشرين من اضطرابات ربما يعادل أو يزيد ما عرفته الإنسانية طوال عهودها السابقة، وباتت أصابع الاتهام توجه إلى الإنسان، وهل هو السبب الرئيسي في ذاك الذي يجري أم أن هناك عوامل خارجية أخرى؟
قبل الجواب ربما يتوجب علينا أن نقف مع الدراسة التي نشرتها مؤخرا دورية «ساينس ادفانسيس» الدولية وأشارت فيها إلى أن: «الكوارث المناخية أو ما يعرف بالظواهر الجوية الجامحة التي تضرب مناطق مختلفة من العالم من وقت لآخر، سوف تكون اكثر شيوعا في المستقبل».
يمكن القطع بان الإنسان المعاصر أراد أن يخضع الطبيعة لسطوته، أراد أن يخضعها كما لم تخضع من قبل، لكنها سطوة براجماتية غير مستنيرة، لم يتطلع ابن آدم إلى ما ورائياتها، فهو حين عمد إلى قطع أشجار الغابات من اجل المزيد من الصناعات الخشبية والورقية، إنما كان يسعى إلى تهديد الكرة الأرضية بنقص غاز الأكسحين ذاك الذي يعتاش عليه البشريون، وتطرده الأشجار والأوراق الخضراء التي تمتص ثاني أكسيد الكربون ربما كانت هذه اللحظة تحديدا المدخل الطبيعي إلى ثورة الطبيعة وما يترتب عليها من تجاذبات سياسية واقتصادية، ترجمت أول الأمر في تعبير «الاحتباس الحراري»، أي أن الكرة الأرضية لم تعد قادرة على طرد الغازات السامة، فأصبحت كـ «الدفيئة» أو «الصوبة الزراعية»، تلك التي تدخلها أشعة الشمس ولا تستطيع الخروج منها.
ولدت حرارة الكرة الأرضية المرتفعة ظواهر مناخية سيئة السمعة مثل الأعاصير التي تدمر ولا تعمر، والتسونامي الذي يغرق ويخرق، ولا من ينجي، والباقي هو سلسلة تراتبية من الكوارث.
يمكن أن نشير أول الأمر إلى أن ارتفاع درجة حرارة الأرض يعني المزيد من الجفاف، وهذا يؤدي إلى تصحر مساحات واسعة وشاسعة من الأراضي، وانخفاض في نسبة المحاصيل الزراعية، وبالتالي هجرة الملايين من بقاع إلى أصقاع أخرى من العالم، هجرة قسرية لا طوعية.
غضبة الطبيعة وارتفاع مناخ الكرة الأرضية سوف يودي في الربع قرن المقبل إلى ذوبان الأقطاب الجليدية، الأمر الذي يعني ارتفاع منسوب البحار والمحيطات، بل إن العديد من المدن الساحلية التاريخية حول العالم مهددة بدورها بالزوال والاختفاء من على وجه البسيطة، وسيكون مستقبلها الطمر تحت المياه العميقة، كما حدث مع دول وحضارات سابقة.
والمؤكد أن ما نشير إليه باختصار سوف يؤدي في نهاية المشهد إلى صراعات اقتصادية غير محدودة وسياسية لا وصف لها.
خذ إليك بداية الجزء الاقتصادي من الأزمة، وهي أزمة تبادلية بمعنى أن غضب الطبيعة يولد مخاوف لدى الإنسان، وتصرفات الإنسان تزيد من غضب الطبيعة، سيما وان كل قارة ودولة وجماعة بشرية تسعى منفردة إلى تعظيم أرباحها، حتى وان كان ذلك على حساب الكرة الأرضية عن بكرة أبيها.
اقرب مثال على ما نقول به موصول بأزمة معاهدة باريس للمناخ، ومن قبلها اتفاق كيوتو، وما جرى مؤخرا من انسحابات منها، وبدون مراعاة أحوال العالم المناخية المضطربة.
يعلم القاصي والداني أن كثيرا من الصناعات تتسبب في ناتج من العادم والأبخرة والدخان وجميعها قاتلة ومهلكة للزرع والضرع، وللحرث والنسل معا، ومع ذلك فقد رأينا على سبيل المثال كيف انسحب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمجرد مجيئه إلى البيت الأبيض من اتفاقية المناخ الفرنسية الشهيرة، والسبب عنده انه يريد لبلاده أن تضحي الأولى حول العالم اقتصاديا، وان تسابق الصين، ذلك البلد المهدد لمكانة أمريكا الاقتصادية من حول العالم، سيما وأن كثيرا من التوقعات الاقتصادية تقول إن الصين خلال العقد القادم سيفوق ناتجها الإجمالي الرقم الأمريكي الموازي… لكن ما الذي يفعله ترامب من اجل تحقيق هذا الهدف؟
كشأن بقية جماعات الضغط في الداخل الأمريكي، تبقى جماعة الفحم أو الكربون واحدة من أقوى تلك الجماعات، وعلى الرغم من أن القاصي والداني يعلم تمام العلم أن الكربون له تأثيراته القاتلة على الإنسانية، إلا انه في ذات الوقت يعد احد مصادر الطاقة الرخيصة جدا، والتي توفر أرباحا طائلة لأصحاب المصانع، وعليه فلا يهم أن تضرب الولايات المتحدة الأمريكية الأعاصير الواحد تلو الآخر، مسببة الكوارث الإنسانية، طالما أن الكربون يدفع الناتج القومي الإجمالي إلى قمة أعلى بكثير من الآسيويين والأوروبيين وبقية بقاع وأصقاع العالم.
لكن القصة لا تتوقف عند هذا الحد، فالجفاف وهلاك الأرض وجدبها سوف يولد انقلابا ديموغرافيا يهدد استقرار وأمن وأمان العالم سياسيا في العقود القادمة، وبشكل غير مسبوق ربما منذ سقوط الامبراطورية الرومانية وحتى الساعة.
مؤخرا وفي تقرير لها حذرت منظمة «الفاو» من أن تزايد وتيرة حالات الجفاف والفيضانات والعواصف وغيرها من الكوارث الناجمة عن تغير المناخ واشتداد حدتها على مدى العقود الثلاثة الماضية، إنما فاقم من الأضرار التي حاقت بالقطاعات الزراعية في العديد من البلدان النامية وعلى نحو يرفع من خطر أن تواجه انعدام الأمن الغذائي.
يمكن اعتبار إشكالية الأمن الغذائي حول العالم حجر الرحى الأول في الارتدادات الاقتصادية التي ستصيب أجزاء كبيرة من العالم في افريقيا وآسيا على نحو خاص.
ولهذا تمضي «الفاو» إلى التأكيد على أن صغار المزارعين وصيادي الأسماك والرعاة والسكان المعتمدين على الغابات والأشجار من ميانمار إلى غواتيمالا، ومن فانواتو إلى ملاوي، جميعهم مهددون في موارد عيشهم تلك التي تتآكل إلى درجة أنها تكاد أن تنمحي تماما في وجه الأعاصير وأزمات الجفاف والفيضانات والزلازل.
والمعروف أن العديد من الدول الآسيوية على الأخص تتعرض لتأثير الفيضانات والعواصف، فعلى سبيل المثال لحقت خسائر إنتاج المحاصيل الناجمة عن الفيضانات في باكستان عام 2010 مباشرة بعمليات الأقطان ومعالجة الأرز والدقيق والسكر، بينما حلقت واردات القطن والأرز إلى أرقام قياسي في المقابل. وفي تلك الأثناء انعكس نحو 50% من خسائر 10 مليارات دولار كإجمالي لقيمة الأضرار على القطاع الزراعي وحده.
أما عن افريقيا والدمار الذي يحدث فيها فحدث عنه ولا حرج، إذ ينطوي الجفاف هناك على خسائر فادحة، ففي العالم 2013 على سبيل المثال كانت خسائر جفاف الأرض في القطاع الجنوبي من القارة الإفريقية يتجاوز ما قيمته 30 مليار دولار وغالبا ما يخلف الجفاف أضرارا متتالية على الاقتصادات الوطنية كما تبين حالة كينيا، حيث تسبب بين عامي 2008 و 2011 في خسائر كبرى بصناعة تجهيز الأغدية، وبخاصة طحن الحبوب والبن وتجهيز الشاي..
أما الارتدادات السياسية فهي اشد واخطر هلعا من الاقتصادية، وان كانت مرتبطة بها ارتباطا جذريا.
مؤخرا كذلك كانت مؤسسة العدالة البيئية الأمريكية تشير بوضوح إلى المأساة التي تنتظر الدول التي تظن نفسها أنها بمأمن من تحركات ملايين البشر، من الرقع والبقع الجغرافية المصابة بكوارث الطبيعة، ناحية الجهات والدول الأكثر استقرار مناخيا واجتماعيا واقتصاديا.
تقول المؤسسة الأمريكية الشهيرة إن هناك حالة من حالات الاستعدادات القصوى في بلدان العالم تحدث عنها اهم الخبراء العسكريين في الولايات المتحدة الأمريكية بنوع خاص، وهم يأخذون في الاعتبار أن بلادهم يمكن أن تكون محط الرحال لملايين من أبناء الجارة الجنوبية، أي أمريكا اللاتينية والمرشحة بالفعل لحالة من حالات الاضطراب المناخي غير المسبوق.
احد تقارير المؤسسة الأمريكية يخبرنا عن احتمالات تشريد الملايين من البشر، إذا لم يتبن العالم من الآن خطة تأمين استباقية مناسبة لحماية اللاجئين، وخصوصا القادمين منهم من مناطق الشرق الأوسط وإفريقيا، والغريب أن سوريا التي تعاني من حرب مدمرة، هي اكثر الدول التي تشهد حاليا أسوا موجة جفاف لها منذ 900 عام، مما ينعكس على خسارة كارثية للأراضي الزراعية، وبالتبعية خسارة الفلاحين لمصادر الرزق وسبل العيش.
لن تقتصر موجات الهجرة الإنسانية على الولايات المتحدة الأمريكية، اذ يمكننا دون أدنى شك أن نقسم العالم مناطقيا، فعلى سبيل المثال لا الحصر فان ضحايا القارة الإفريقية والذين تتحول الحياة بالنسبة لهم في القارة السمراء، بعد الجفاف وغياب الغذاء والماء، إلى مكافئ موضوعي للموت والفناء، لن يضيرهم التوجه في جماعات بالملايين ناحية القارة الأوروبية، عبر البحر الأبيض المتوسط، ولن يخيفهم الموت، إذ سيكون الأمر بالنسبة اليهم تحصيل حاصل وليس اكثر. الأمر نفسه بالنسبة للضحايا الآسيويين، فقد ينتقل بعضهم إلى استراليا أو نيوزيلندا، ويمكن أن تتعرض روسيا بدورها إلى موجات زحف بشري مشابهة من الدول لامصابة القريبة. باختصار غير مخل الخليقة بأسرها، بزرعها وضرعها، أمام اختبار حياتي قاسي، فإما النجاة معا في قارب الإنقاذ، أو الغرق مرة والى الأبد.