مسؤولية البشر .. وخفض الآثار المترتبة!

أحمد صلاح الدين –

ليس من قبيل المبالغة التأكيد على أن جميع دول العالم تستشعر الخطورة البالغة لهذه الظواهر، وقد استنفرت بالفعل الهمم الشعبية والرسمية العالمية منذ سبعينات القرن الماضي لاتخاذ الخطوات العاجلة والضرورية للحيلولة دون مزيد من التدهور البيئي.

«لن تستطيع أبدا أن تهزم الطبيعة الأم».. مقولة متداولة في كثير من دول العالم عبر لغات متعددة وتعكس كما هو واضح من المعنى الظاهري لكلماتها ثوابت الحقائق الكونية لتعايش البشر على سطح كوكب الأرض مع ظواهر الفناء المتمثلة في الكوارث الطبيعية التي لا يملك الإنسان حيلة نحوها ربما منذ «طوفان نوح» وحتى أعاصير آسيا الأخيرة التي ضربت الهند وبنجلاديش، فعلى مدار تاريخ البشرية وآلاف السنين كانت الكوارث الطبيعية دوما سببا في تبدل أحوال كوكبنا الأرضي باختفاء قارات وظهور أخرى وفناء أمم ورحيل الملايين من البشر وحلول غيرهم مع تبدل الظواهر المناخية والجغرافية.
عرف العالم عبر تاريخه وحتى الأسابيع القليلة الماضية سلاسل لا تنتهي من الكوارث الطبيعية التي أودت بحياة الملايين من البشر، واحدة منها فقط أودت بحياة أكثر من مليون إنسان دفعة واحدة مثل زلزال الصين الشهير في القرن الماضي، وبعضها أودى بحياة عدد غير معلوم من البشر وإن كانت التقديرات تشير إلى مقتل أكثر من نصف مليون إنسان، والحديث هنا عن تسونامي آسيا عام 2004 والذي ضرب اندونيسيا وتايلاند وسريلانكا ودولا آسيوية وإفريقية أخرى.
وهكذا ضربت الطبيعة الأم كوكب الأرض في شكل كوارث طبيعية متنوعة كالعواصف والأعاصير والزلازل والبراكين والتسونامي والفيضانات والحرائق والجفاف وبعضها تصل خسائره إلى مئات المليارات من الدولارات فضلا عن مقتل مئات الألوف من البشر مثلما سبقت الإشارة.
ولكن الإشارة واجبة هنا إلى أن هذه الكوارث الطبيعية التي عرفتها البشرية منذ بدء الخليقة في الغالب لا دخل للإنسان في حدوثها كونها ترتبط في الأساس بإرادة إلهية وطبيعة جغرافية لتضاريس الأرض، وكل ما يستطيع الإنسان أن يفعل أمامها – خاصة بعد التطورات العلمية والتكنولوجية الهائلة- يتمثل في تفعيل آليات عديدة للحد من آثارها وتداعياتها الكارثية كالاعتماد على وسائل التوقع والإنذار المبكر من معظم تلك الكوارث واتخاذ إجراءات الطوارئ العاجلة والناجعة خاصة ترحيل البشر من المناطق المهددة واتخاذ أكبر الإجراءات الممكنة لحماية المنشآت والمؤسسات الحيوية والإستراتيجية.
ولاشك في أن مثل هذه الإجراءات لا تنبع من فراغ ولا يتم تبنيها أو تهيئتها بين عشية وضحاها، وإنما هي إجراءات تراكمية يتم فرضها من خلال قرارات سياسية وبوسائل اقتصادية متقدمة لتجنب الأسوأ جراء تلك الكوارث الطبيعية عندما تكون تلك الكوارث بعيدا عن تصرفات البشر.
ولكن هذا لا يبرئ الإنسان تماما من عديد من الكوارث التي ضربت كوكبنا الأرضي في العقود الأخيرة على وجه الخصوص وأدت إلى تغيرات مناخية في غاية الخطورة تحولت في حد ذاتها إلى أسباب لكوارث طبيعية وإنسانية متعددة الأشكال وتنذر بما هو أخطر في السنوات والعقود القليلة المقبلة ما لم تستنفر الهمم البشرية في إطار جماعي شامل وممارسات فردية مسؤولة لوقف كل الممارسات المتسببة في تلك التحولات البيئية الخطيرة.
وليس من قبيل المبالغة التأكيد على أن جميع دول العالم تستشعر الخطورة البالغة لهذه الظواهر، وقد استنفرت بالفعل الهمم الشعبية والرسمية العالمية منذ سبعينات القرن الماضي لاتخاذ الخطوات العاجلة والضرورية للحيلولة دون مزيد من التدهور البيئي. ولم يتوقف الأمر عند ظهور الجماعات المدافعة عن البيئة ومقاومة التلوث بكل أشكاله، وإنما بدأت تظهر في كثير من دول العالم «أحزاب الخضر» التي انتقلت بقضية البيئة إلى مستوى القضايا السياسية الملحة والتي تمس صميم حياة البشر اليومية، وأدى ذلك إلى أن تبنت كل الأحزاب الحاكمة في السلطة وخارجها قضية البيئة كجزء أساسي وحيوي في برامجها السياسية التي تخوض بها الانتخابات.. بل إن الضغوط الشعبية والجماهيرية وكذلك المخاطر الكبيرة أدت إلى وضع مسألة انقاذ كوكب الأرض وحماية موارده وتبني مفهوم التنمية المستدامة ضمن القضايا الأساسية لمنظمة الأمم المتحدة ومؤسساتها المختلفة وعلى رأسها بالقطع برنامج البيئة العالمي، ومن أجل صياغة آليات مؤسسية متكاملة لتحقيق أهداف تساعد على إنقاذ كوكب الأرض عقد العديد من المؤتمرات الدولية والتي انتهت إلى اتفاقات تاريخية لخفض الانبعاثات الكربونية الضارة والحد من تسخين الأرض والعمل على حماية موارد الأرض، وكان أبرزها اتفاقية كيتو بالبرازيل ثم اتفاقية باريس للمناخ والتي هدمها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد وصوله للبيت الأبيض بانسحاب واشنطن منها بزعم أنها لا تحقق المصالح الاقتصادية العليا لبلاده. وهنا مربط الفرس، حيث تضيع بالفعل جهود حماية كوكب الأرض من الكوارث المنتظرة تحت مظلة أعمق من الانقسامات السياسية الدولية وتحقيق مكاسب اقتصادية ضخمة بغض النظر عن الأهداف الأسمى لإنقاذ الكوكب، فتحقيق معدلات تنمية اقتصادية مرتفعة في الصين وكوريا الجنوبية على سبيل المثال يتطلب استخدام كميات مهولة من المحروقات والموارد الطبيعية، وتحقيق معدلات تنمية اجتماعية سريعة في عديد من الدول أو المدن المكتظة بالسكان يؤدي إلى تجريف مساحات ضخمة من الغابات والأراضي الزراعية التي تمثل الرئة الطبيعية لضخ الأوكسجين في شرايين العالم، والرغبة في إنتاج كهرباء نظيفة وقليلة التكاليف تؤدي إلى بناء آلاف السدود العملاقة في الأنهار الكبرى والمجاري المائية الحيوية مما يؤدي إلى تغيير المعالم البيئية وانقراض أحياء مائية عديدة فضلا عن ضياع خصوبة ملايين الأفدنة من الأراضي الزراعية وبوارها رغم أنها جزء مهم من سلة غذاء العالم، فضلا عن الأضرار الجسيمة الأخرى التي تضرب كل بقاع الكوكب. ولعل التقارير الدولية التي صدرت منذ يوم الثاني والعشرين من أبريل الماضي بمناسبة يوم البيئة العالمي تكرس الحقائق السابقة باستعراض سلسلة من الممارسات البشرية التي يندى لها الجبين كونها بالفعل ممارسات غير مسؤولة تتسربل بسياسات انتهازية لتحقيق مكاسب خاصة بعيدا عن الأهداف الإنسانية العليا، فقد أكد خبراء الطبيعة في أول تقرير شامل يصدر عن الأمم المتحدة عن التنوع البيولوجي أن كوكب الأرض أصبح في خطر أكثر من أي وقت مضى خاصة، حيث انقرض أكثر من مليون نوع من النباتات والحيوانات. واتضح في التقرير أن الأنواع سواء نباتات أو حيوانات تقل بمعدل عشرات أو مئات المرات أسرع من الماضي، حيث سيختفي حوالي مليون كائن حي في غضون مائة عام وتتنوع بين الحشرات والكائنات البحرية والنباتات، وأشار التقرير إلى أنه يمكن الوقاية من العديد من الآثار السلبية للمناخ والتغييرات السلبية على البيئة من خلال تغيير طريقة زرع النباتات وإنتاج الطاقة والتعامل بطريقة صحيحة مع تغيير المناخ والتخلص من النفايات بطريقة صحية. بينما ذكر تقرير آخر للأمم المتحدة أيضا أن العام الماضي كان رابع أكثر الأعوام سخونة على الإطلاق وأن التوقعات تشير إلى أن ارتفاع الحرارة تقترب من مستويات تعتبرها معظم الحكومات خطيرة على كوكب الأرض.
ومن بين الأحوال الجوية المتطرفة التي شهدها عام 2018 حرائق الغابات في كاليفورنيا واليونان، والجفاف في جنوب أفريقيا والفيضانات في ولاية كيرالا الهندية، وتتسبب المستويات القياسية من انبعاثات الغازات الناجمة في الأساس عن حرق الوقود الأحفوري في حبس مزيد من الحرارة داخل الغلاف الجوى وذكرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية التابعة للأمم المتحدة استنادا إلى بيانات من هيئات الأرصاد الأمريكية والبريطانية واليابانية والأوروبية أن متوسط درجات حرارة سطح الأرض في 2018 كان أعلى بمقدار درجة مئوية عن مستوياتها قبل الثورة الصناعية.
تعمل الأمم المتحدة في الوقت ذاته على تعزيز إدارة جميع أنواع الغابات وحفظها وتنميتها بشكل مستدام، ولكن تبقى الحقيقة الأهم وهي أنه مطلوب بنفس الهمة والإقدام في زراعة الغابات والأشجار غرس إرادة دولية قوية تحول دون تحكم الأهواء السياسية والاقتصادية في التلاعب بمقدرات كوكبنا الأرضي وحماية البشر من الفناء، فبأيدينا نصنع الكوارث وفي مقدورنا أيضا اقتلاعها من جذورها أو خفض تداعياتها وآثارها السلبية إلى أدنى درجة ممكنة.