الفصل الأخير في الفكرة الداعشية

د. عبدالعاطي محمد –

أحدث ظهور أبو بكر البغدادي زعيم تنظيم «داعش» قلقا عند المعنيين بوضع نهاية لهذا التنظيم المتطرف، وعند المتابعين لتطوره ودوره في ظاهرة الإرهاب. وبرغم ما يحمله هذا القلق من وجاهة، لا يجب إغفال ما يمثله هذا الظهور المفاجئ وما جاء على لسان البغدادي عن رسالة التنظيم في المستقبل القريب من دلالات على أن الفكرة الداعشية في حد ذاتها أضحت على طريق الزوال.
لقد أراد الرجل أن يعلن هزيمة التنظيم الذي قض مضاجع الكثيرين في المنطقة وفي خارجها، وذلك من حيث الحرب التي خاضها على مدى أكثر من أربع سنوات، وبناء على هذه الهزيمة لم تعد لدولة الخلافة التي أراد تأسيسها في العراق والشام قائمة، وكانت معركة البقاء في الباغوز آخر المعاقل التي تشبث بها وخسرها.
ولكن تعمده الظهور بعد فترة طويلة من التخفي الذي فتح اجتهادات عدة قالت إنه قتل منذ زمن، قصد منه جملة من الأهداف التنظيمية بالدرجة الأولى، منها وضع نهاية للتكهنات بمقتله، وبث الطمأنينة في قلوب ما تبقى من قوات التنظيم بأن قيادتهم وتنظيمهم ذاته ما زال حيا برغم الهزيمة وتشتت أعضائه فرارا من أراضى المعارك، هذا بالإضافة إلى ما جاء على لسانه من تغيير في استراتيجية التنظيم من الحرب الطويلة المباشرة على غرار ما تفعله الجيوش التقليدية إلى ما وصفه بالاستنزاف والمطاولة.
ولا شك أن هذا الظهور تم التعامل معه بجدية من المعنيين بالقضاء على التنظيم سواء من جانب الحكومة العراقية أو الإدارة الأمريكية، علما أن مسؤولي البنتاجون كانوا قد حذروا من أن التنظيم ما زال فاعلا وسيبقى هكذا لمدة من الزمن برغم ما تحقق من انتصار عسكري عليه.
السؤال هنا هو إلى أي حد ما زال التنظيم قويا وفاعلا، وإلى أي حد يمكن أن يعيد البغدادي أو غيره من قيادات ما زالت طليقة الحركة تفعيل الفكرة الداعشية مجددا أي بناء دولة الخلافة التي تطبق الشريعة شكلا وموضوعا بالفكر الذي روجه البغدادي وأنصاره. ما يعزز رؤية من يتحسبون جيدا من حيوية التنظيم ومن ثم يعبرون عن قلقهم الشديد من جولة جديدة للتنظيم سواء في العراق والشام أو في خارجهما هو وجود قاعدة بشرية بمثابة القوة الاحتياطية سواء أطلق عليها وصف الخلايا النائمة أو المتعاطفين مع التنظيم وفكره الأيديولوجي أو ما يسمى بالذئاب المنفردة، وهؤلاء بمثابة الأشباح ويمكن أن يجددوا نشاط التنظيم في أي وقت، كما أن هناك روافد للتنظيم أضحت منتشرة في مناطق أخرى داخل المنطقة.
ولكن هناك من المعطيات ما يدحض هذه الرؤية، فقد تأسس هذا التنظيم على البناء الداخلي المحكم (الحديدي) على غير المعروف في التنظيمات المتطرفة الأخرى، فلم يعرف عنه أنه تعرض لانشقاقات، ولا العمل بأسلوب الخلايا العنقودية وإنما بالعمل المركزي الذي ينفذ تعليمات القيادة حرفيا، ومن كان ينتمي لجماعات أخرى ويرغب في الانضمام للتنظيم كان يتحتم عليه أن يعلن الولاء المطلق والكامل له ويقطع صلته تماما بجماعته الأم.
ونظرا لطبيعته المتشددة العنيفة كان ينتقى أعضاءه بشروط دقيقة ومن ثم لا يسري عليه تعبير الخلايا النائمة لأن الإعلان والمجاهرة بالانتماء لهذا التنظيم هو من أشد خصائصه إذا ما قورن بغيره من التنظيمات المتطرفة. ونفس التحفظ ينطبق على وصف المتعاطفين مع التنظيم، فمع أن هذا صحيح من حيث الواقع أي هناك من يتعاطف مع التنظيم وأفكاره، إلا أن التعاطف وحده ليس كافيا لكي يصبح بمثابة القوة الاحتياطية للتنظيم.
ولعل ما قاله البغدادي في التسجيل الجديد له عن تغيير الاستراتيجية يؤكد أن أعضاءه لهم خصوصيات متفردة عن غيرهم وبنائه الداخلي قوي، فالخصائص لن تتغير وإنما الإستراتيجية هي التي تتغير. أخذا ذلك في الاعتبار، فإن افتراض لجوء التنظيم إلى الاندماج في تنظيمات أخرى كطريق للحفاظ على بقائه مستقبلا، يعنى في الحقيقة تأكيد أن التنظيم يفقد بنائه الأساسي أو بالأحرى يفقد وجوده.
إن كان هناك من وجاهة للقلق بشأن استعادة التنظيم لقوته الهيكلية بناء على فكرة التعاطف، فإن المقصود هنا هو استمرار البيئة الحاضنة له سواء في العراق والشام أو خارجهما، أي الظروف الاجتماعية والسياسية والأمنية المساعدة.
ولو نظرنا للواقع العراقي فسنجد قوى سياسية مسلحة مضادة للتنظيم كان لها دور مؤثر في تحقيق الانتصار عليه، وخلقت لنفسها وضعا مجتمعيا قويا بديلا للقاعدة الاجتماعية التي لطالما ساندت التنظيم. ونفس الوضع في سوريا، حيث هناك جماعات مسلحة مضادة له أتت على وجوده ونصبت نفسها منقذا من خطره. وإذا أضفنا لكل ذلك رد الفعل الغربي المضاد للتنظيم لتأكد أنه على طريق الزوال، فقد أدركت العواصم الغربية التي تساهلت مع انضمام بعض أبنائها إلى التنظيم أنها أصبحت هدفا له فدفعت ثمنا أمنيا غاليا، وبناء عليه اتخذت تدابير عديدة لقطع الطريق عليه مستقبلا حتى أن بعضا منها رفضت عودة أبنائها إليها عقب الإعلان عن هزيمة التنظيم عسكريا، واستنفرت هذه العواصم أجهزتها الأمنية لكشف ما يمكن تسميتهم بالذئاب المنفردة، فضلا عن الخطوات التي اتخذتها لتتبع المتعاطفين مع التنظيم على شبكات التواصل الاجتماعي.
العامل الحاسم الذي وضع التنظيم على طريق الزوال هو سقوط الفكرة الداعشية ذاتها، فقد حقق التنظيم شهرته عند المنتمين له من منطلق أنه قام من أجل إنشاء الدولة الإسلامية في العراق والشام (اختصارا «داعش») لتكون مرتكزا لاستعادة الإسلام كما نشأ في عهد النبوة، واستطاع أن يفعل الفكرة حقا بعد أن سيطر على مناطق شاسعة من العراق وسوريا ونفذ مظاهر دولة بالفعل، ونجح في أن يزرع الرعب في قلوب الملايين من أبناء المنطقة بدعوى تطبيق الشريعة، وأقام أجهزة إدارية في كل مجالات الحياة، فضلا عن قوته العسكرية التي قدرها البعض بنحو ثلاثين ألف مقاتل. وقد جذبت الفكرة آلاف الشباب سواء من أبناء المنطقة أو من الدول الغربية!، وخلق لنفسه رموزا سواء في الملبس أو السلوك، وجاهر بقطع الرؤوس وحرق ضحاياه وهم أحياء مدعيا أنه يطبق الشريعة كما نشأت في عهد السلف الصالح، وسك لنفسه عملة خاصة، وتمكن من أن يوفر لنفسه المال والمؤن، مما جعل الفكرة واقعا مقنعا لكل من بادروا إلى الانضمام إليه.
هذه الدولة سقطت، ومعها سقطت الفكرة التي مثلت القوة الحية لبقائها. وعندما يتحدث البغدادي عن تغيير الإستراتيجية فإنه يبتعد تماما عن الفكرة المؤسسة، لأن الكلام عن الاستنزاف والمطاولة هو نفس كلام الجماعات المتطرفة الأخرى التي تعبر عن رفضها للواقع بالصدام مع الأنظمة السياسية القائمة، بينما فكرته هو الأساسية هي بناء بديل على أرض الواقع كما حدث فعلا على مدى أربع سنوات. هو هنا يلقى بنفسه في أحضان جماعات أخرى لطالما هو نفسه احتقرها في الماضي عندما اعتبرها غير مجدية لتفعيل الفكرة الإسلامية أو إعادة الإسلام مثلما نشأ. وقرار كهذا لا يقنع من تبقى من أعضاء التنظيم ولا يكسبه أنصار جدد، بل يجعلهم يخرجون من عباءة التنظيم.
الدرس المستفاد هو أن البيئة الحاضنة لأي تنظيم متطرف هي مربط الفرس بمعنى أنه لا أمل للمتطرفين أيا تكن التسمية إن لم يجدوا البيئة التي تقدم لهم الأسباب من ناحية وتوفر لهم عوامل الدعم البشري والمالي من ناحية أخرى. والعناصر الحاكمة في توفير البيئة الحاضنة هي شيوع الشعور بالظلم، وتهديد الهوية، ووجود الاحتلال الأجنبي أو التدخل الخارجي. والدولة أو النظام السياسي الذي يكون مسؤولا عن هذا وذاك له أن يستقبل موجات من التطرف تعلو أو تهبط حدتها وتفتش في تاريخ الإسلام وحضارته بحثا عن مبررات دينية لها تمنحها التأييد من قطاعات عريضة من الناس. ما جرى في العراق وسوريا وليبيا يؤكد هذه الملاحظة. ظهور البغدادي علامة على نهاية الفكرة الداعشية وليس على استعادة الزخم لتنظيم لطالما أرعب العالم، وما كان للفكرة أن تتحول إلى دولة لولا وجود العناصر السابقة، وما كان لها أن تسقط لولا القيام بعمل مؤثر صحح هذه الأخطاء.