الحارث بن أبي شمر الغساني .. أدعوك إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له يبقى لك الملك

لم يكن «النبي» صلى الله عليه وسلم يعرف القراءة ولا الكتابة، بل كان أميا، ولذلك اتخذ كتاباً من أصحابه رضى الله عنهم، يكتبون له في مجالات شتى، فمنهم من كتب الوحي، ومنهم من كان يكتب ما يعرض له من حوائج وأمور طارئة، ومنهم من كان يكتب المعاملات وسائر العقود، وكان منهم من يختص للكتابة بين يديه، ومنهم من كان يكتب نيابة عن غيره.
ولما أراد «النبي» صلى الله عليه وسلم أن يكتب إلى الملوك والأمراء قيل له: إنهم لا يقرؤون كتاباً إلا إذا كان مختوما، فاتخذ خاتماً من فضة، نقش عليه (محمد رسول الله)، وكان النقش ثلاثة أسطر، جاء لفظ (الله) في أعلى الدائرة، وفى الوسط كلمة (رسول)، وفى الأسفل كلمة (محمد).
ولم تكن رسائل «النبي» صلى الله عليه وسلم مؤرخة بتاريخ، إذا لم يكن ثمة تاريخ معتمد أو متفق عليه بين العرب، ومع اتفاق المؤرخين على أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بإرسال الرسائل مرجعه من الحديبية، فثمة اضطراب في الروايات التي ذكرت تاريخ إرسالها.
يذكر الشيخ عبد الله بن محمد بن حديدة الأنصاري في كتاب» المصباح المضيء في كتاب النبي الأمي صلى الله عليه وسلم ورسله إلى ملوك الأرض»، أن الغساسنة فرع من قبيلة الأزد الذين سكنوا اليمن مدة طويلة، وكانت أراضيهم تسقى من سد مأرب، فلما انهدم ذلك السد اضطروا إلى الرحيل عن اليمن، ونزلوا بالشام فسيطروا على جزء من أراضيها، وحكموا فيها، وانتهى بهم الأمر الى تشكيل دولة الغساسنة التي كانت تحكم تلك الديار تحت نفوذ قياصرة الروم وسيادتهم، فلما جاء الإسلام أزال نظامهم، وانتهت حكومتهم، بعد أن حكم منهم، اثنان وثلاثون ملكا في مناطق الجولان، واليرموك، ودمشق.
قال ابن سعد: وكتب كتاباً إلى الحرث: ومن تبعه ما أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأطاعوا الله ورسوله، وأعطوا من المغانم خمس الله وسهم النبي صلى الله عليه وسلم، وفارقوا المشركين، فإن لهم ذمة الله وذمة محمد بن عبد الله، وكتب أبى.
قال ابن عبد البر: كتب إليه النبي صلى الله عليه وسلم فرقع بكتابه الدلو، ثم أتى بعد مسلماً. قال ابن عبد البر:يقال: جزو قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكتب له كتابا.
روى الواقدي بسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث شجاع بن وهب الأسدي رضى الله عنه إلى الحارث بن أبى شمر، وهو غوطة دمشق، فكتب إليه مرجعه من الحديبية.
وشجاع بن وهب الأسدي، كنيته أبو وهب، من بنى أسد بن خزيمة، وهو من المسلمين الأولين، هاجر إلى الحبشة، ثم عاد إلى مكة، وبعدها هاجر إلى المدينة، شهد بدراً والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم استشهد يوم اليمامة.
(نص الرسالة):
«بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى الحارث بن أبي شمر، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله وصدق، فإني أدعوك إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له، يبقى لك الملك».
(محمد رسول الله)
وفى بعض الروايات أن الرسالة كانت خالية من البسملة ومن رسول الله إلى الحارث بن أبى شمر. بدلاً من بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى الحارث بن أبى شمر.
والحارث بن أبى شمر: الغساني، من أمراء غسان في أطراف الشام، كانت إقامته بغوطة دمشق، وأدرك الإسلام، فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم كتاباً مع شجاع بن وهب، ومات عام الفتح أي فتح مكة سنة 8هـ – 630م.
يضيف، الدكتور محمد أمين شاكر حلواني فى كتاب «عالمية الإسلام- ورسائل النبي(ص) إلى الملوك والأمراء»، وفى حوار بين شجاع والحارث في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم: قال شجاع: فأتيته وهو بغوطة دمشق، فلما قدمت عليه انتهيت إلى حاجبه، فأجده يومئذ مشغولاً بتهيئة الأنزال والألطاف لقيصر، وجاء من حمص إلى إيليا، فأقمت على بابه يومين أو ثلاثة، فقلت لحاجبه: إني رسول رسول الله إليك، فقال: لا تصل إليه حتى يخرج يوم كذا وكذا، وجعل حاجبه- وكان رومياً، اسمه مرى- يسألني عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وما يدعو إليه، فكنت أحدثه، فيرق قلبه حتى يغلبه البكاء ويقول: إني قرأت الإنجيل، وأجد صفة هذا النبي بعينه، فكنت أراه يخرج إلى الشام، فأراه قد خرج بأرض القرظ، فإني أومن به وأصدقه، وأنا أخاف من الحارث بن أبى شمر أن يقتلني. قال شجاع: فكان يكرمني ويحسن ضيافتي، ويخبرني عن الحارث باليأس منه، ويقول: هو يخاف قيصر.
قال: فخرج الحارث يوماً، فوضع التاج على رأسه، فإذن لي عليه، فدفعت إليه كتاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقرأه فانزعج الحارث ممّا قرأ في آخر الكتاب ورمى به جانبا، وقال: من ينزع منى ملكي؟ أنا سائر إليه، ولو كان باليمن جئته، علي بالناس، فلم يزل جالساً يستعرض حتى الليل، وأمر بالخيل أن تنعل، وأمر بإعداد العسكر حالا ليستعرض قوته العسكرية أمام سفير النبي إرعابا وتخويفا له ولأجل أن يظهر نفسه بمظهر المدافع عن ملك قيصر بادر إلى كتابة رسالة الى قيصر يخبره فيها بما عزم عليه من غزو رسول رسول الله عليه وسلم ثم قال: أخبر صاحبك بما ترى.
ووصلت رسالة الأمير الغساني إلى قيصر في الوقت الذي كان فيه دحية الكلبي سفير النبي صلى الله عليه وسلم إلى الروم في مجلس قيصر، وكان قيصر يحاوره، ويسأله عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعن صفته ودينه، فانزعج قيصر من مبادرة الحاكم الغساني العجولة وكتب إليه يمنعه عن السير إلى رسول الإسلام طالبا منه أن يلتقي به في مدينة إيليا، قال: ورجع الكتاب وأنا مقيم فدعاني وقال: متى تريد أن تخرج إلى صاحبك؟ قلت: غداً.
فغير موقف قيصر الإيجابي هذا موقف عميله: الحاكم الغساني السلبي تبعا للمثل القائل الناس على دين ملوكهم فبادر من فوره إلى إكرامي، فأمر لي بمائة مثقال ذهباً، ووصلني الحاجب الرومي سراً بنفقة وكسوة، وقال: اقرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم مني السلام، وأخبره أنى متبع دينه، قال شجاع فقدمت على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: «باد ملكه». وأقرأته من مرى السلام، وأخبرته بما قال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدق.
ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرض بهذا الموقف الدبلوماسي الذي لم يكن ينم عن واقع صادق فقال: باد ملكه. أي سيزول ملكه عما قريب.