تـراث حـي يـلـهـم الأجـيـال

يشكل التراث العُماني المسطور إرثاً عظيماً يعتز به العمانيون فعبر عشرات القرون استطاع أهل عُمان أن يضيفوا إلى الإنسانية مدونات في كافة ضروب المعرفة، وتشهد آلاف المخطوطات المتوفرة اليوم على ذلك الإنجاز، وهذا ما تدلل عليه المتاحف ويعرفه الخبراء والمتخصصون وعامة المهتمين.
من هنا تأتي أهمية المشروع الذي أطلقته وزارة التراث والثقافة في إطار تدشين المنصة الإلكترونية الخاصة بمخطوطات الوزارة وإتاحتها رقمياً على موقع الوزارة الالكتروني، والذي دشنه مطلع الأسبوع صاحب السمو السيد هيثم بن طارق آل سعيد وزير التراث والثقافة، بالشراكة مع الشركة العمانية للاتصالات ـ عمانتل.
يتيح هذا العمل الكبير العديد من الفوائد على المدى الآني والبعيد تصب جلها في عملية نشر المعرفة وإتاحتها للكل، حيث تؤمن سياسة السلطنة بحرية تداول الأفكار والمعلومات وهو النهج الذي أكد عليه جلالة القائد المفدى – حفظه الله ورعاه – في حرية الفكر والرأي.
فالمدونات الإنسانية الراقية التي سطرها العمانيون هي اليوم حاضرة، بحيث تستفيد منها الأجيال وترسم من خلالها الآفاق الأرحب للمستقبل، لأن عظمة أي مشروع إنساني أو دولة في ربطها بين تراثها وحاضرها من أجل مستقبلها وهو النهج الذي تسير عليه السلطنة في ظل الرعاية والاهتمام السامي لجلالة السلطان المعظم منذ بواكير النهضة المباركة في عام 1970 والذي تعزز مع الأيام وأصبح طريقا يلهم الآخرين في الفكرة والتطبيق.
إن الحديث عن التاريخ والتراث الفكري ليس مجرد كلام منقطع عن مدونات تاريخية، بل يصب في صميم الاتصال باللحظة المعاصرة فالعودة إلى الماضي والمخطوطات والإرث والعمل على قراءته بشكل جديد بما يساهم في اللحظة المعاصرة، كل ذلك يفيد في عمليات التحديث والتطوير والابتكار المنشود في كافة مناحي الحياة، باعتبار أن جوهر أي نهضة يقوم على ذلك التلازم بين التراث والحاضر في عملية تقوم على المراجعات والفرز والأخذ بمكامن القوة والاستنارة لأجل الغد المشرق.
يعمل المشروع المعني بنشر وتسهيل إتاحة التراث الفكري العماني للجميع من خلال عرض المخطوطات على منصة إلكترونية، ليكون المشروع الأول والرائد من نوعه في السلطنة من خلال تقديم هذه الخدمة للدارسين والباحثين، سواء بالتصفح أو للحصول على نسخ إلكترونية من هذه المخطوطات.
وإذا كان المشروع يتماشى مع الخطط الحكومية التي تهدف إلى التحول الرقمي، فإنه في الوقت نفسه يحقق أهدافه ضمن منظومات النقلة التقنية الكبيرة في السلطنة والسعي إلى الاستفادة من معطيات العصر الجديد، كل ذلك سوف يكون مفيداً وملهماً وسيقدم ما هو أكبر من التوقع، فالأجيال الجديدة قادرة على الأخذ والعطاء والتنوير وبلورة صور حية من الإبداع والابتكار المنتظر. أخيراً فإن توفر هذا الكمّ من المخطوطات أمام الباحث يشكل فرصة لا تتكرر يمكن الاستفادة منها فعلياً، وفي مسارب متعددة من المعرفة الإنسانية، حيث تتشعب الاهتمامات والرؤى والأفكار والبرامج والمشروعات، بيد أنها تصب في خلاصتها في المستقبل المنشود لخير الجميع في هذه البلاد الطيبة، مع النظر إلى أن الفائدة في النهاية سوف تعم الإنسانية فالمخطوطات متاحة للكل في أي مكان كانوا من هذه الأرض.