هل حقا كل ما تجنيه الصين.. مكاسب؟

يسرا الشرقاوي –

الصعود المستمر للصين، تقابله عزلة وحمائية أمريكية تحت لواء ترامب، وهناك الانقسام السياسي والقلق الاقتصادي الدائم في أوروبا. هذه التناقضات قد تجلب على بكين عاجلا أو آجلا إجراءات دفاعية من جانب الرافضين والمتخوفين من «الحزام والطريق».

يفترض نظريا ووفقا لأغلب التقديرات المطروحة أن يكون مشروع «الحزام والطريق»، أو المتعارف على تسميته بــ « طريق الحرير الجديد» تأسيسا لمركزية الصين بالنسبة لحركة التجارة والاقتصاد العالمية، وذلك تطور منطقي ومتوقع في ضوء مختلف المؤشرات التي تؤكد أنها مسألة وقت، ووقت محدود جدا، قبل أن تتغلب الصين على الولايات المتحدة الأمريكية، وتصعد إلى مرتبة القوة الاقتصادية الأولى دوليا. الأمر وما فيه إذن أن الصين تعد العدة للآتي حتما وتكرسه في هيئة شبكة من مشاريع البنية التحتية من طرق وشبكات اتصال لتربط آسيا بأوروبا وبإفريقيا. والأمر وما فيه أيضا أن «الحزام والطريق» يعتبر الإرث الإنجازي الذي تبناه الرئيس الصيني تشي جينبينج ودفع من أجله دفعا.
لكن السؤال الذي قد لا يكون الكثيرون قد قاموا بطرحه، هل حقا « الحزام والطريق» في صالح الصين؟
فالمشروع استدعى الكثير من الانتقادات وجلب حتى الآن على بكين قدرا غير هين من الخسائر. فمثلا، قبل جولة أوروبية محدودة للرئيس جينبينج نهايات مارس الماضي، خرجت المفوضية الأوروبية بالتقرير التالي عنوانه «الاتحاد الأوروبي والصين: رؤية استراتيجية». والتقرير الذي عكف على تقييم حاضر ومستقبل العلاقات ما بين الجانبين، جاء فيه وصف الصين على أنها «منافس اقتصادي في السعي من أجل القيادة التكنولوجية، وخصم نظامي يدفع بنماذج حكم بديلة».
وصف التقرير الأوروبي للصين بأنها « خصم نظامي»، وبأنها مصدر «لنماذج حكم بديلة» يعد الأعنف والأوضح فيما يخص تاريخ الإفصاح عن القلق الأوروبي إزاء تنامي نفوذ الصين وتأثيرها اقتصاديا على الواقع الأوروبي.
لكن الملاحظ أيضا أن التقرير ذاته لم يتخذ التوجه الأمريكي المعروف، تحديدا في عهد إدارة الرئيس الجمهوري دونالد ترامب، بالتصادم العنيف مع الصين وإخضاعها لعقوبات تجارية. فقد ركز تقرير نشره موقع « ذا ديبلومات» الإخباري التحليلي على أن التقرير الأوروبي ذاته تضمن لفظة «التعامل» مع الصين 13 مرة، ما يعني أنه حتى وإن جرت مواجهة فإن المواجهة ستكون غير صريحة ومباشرة.
لكن الحقيقة أن التصادم الأوروبي- الصيني وشيك لا محالة. فالاتحاد الأوروبي يعاني انقسامات متعددة وضغوط لا حصر لها من تواصل عملية الخروج البريطاني الذي لا ينتهي من عضوية الاتحاد، الــ«بريكست»، والأزمات المرتبطة به سواء تم فعليا أو لم يتم. وتضاف إلى ذلك، الضغوط الداخلية المتمثلة في توالي النجاحات الانتخابية لليمين المتطرف، والمخاوف من تزايد سطوة الإرهاب المحلي، خاصة بعد بدايات عودة أبناء «الدواعش» المهزومين وعرائسهم. هذه الضغوط قد تجعل الاتحاد الأوروبي أكثر حساسية وعنفا في التعامل مع تنامي النفوذ الصيني.
فخلال جولة جينبينج الأخيرة، وقعت الحكومة الإيطالية اتفاقيات شراكتها الرسمية ضمن مشروع «الحزام والطريق» لتصبح بذلك أول دولة من مجموعة الدول السبع الكبار (ناقص روسيا منذ استبعادها في أعقاب ضمها شبه جزيرة القرم عام 2014). وكذلك، تصبح إيطاليا أول الاقتصاديات الكبرى بالاتحاد الأوروبي والتي تقبل الشراكة في المشروع الصيني الضخم. وذلك مقابل التخوف والمعارضة التي يتفق عليها باقي قيادات أوروبا. قبل إيطاليا، كانت الصين تعتمد من أوروبا على صغير دولها في الأساس لدعم مشروع «الحزام والطريق». فهي جزء من مجموعة 16+1، التي تقوم على عضوية الصين، بالطبع، بالإضافة إلى 16 دولة أوروبية من داخل الاتحاد ومن خارجه. وهذه الدول الــ 16 تنتهي إلى أقطار وسط وشرق وجنوب شرق أوروبا. وهذه المجموعة تعد النواة الأساسية للــ «حزام والطريق» بالقارة الأوروبية، ولكن توقيع إيطاليا يغير الوضع أوروبيا، فالكبار بدأوا في الاستجابة للنداء الصيني.
وقعت إيطاليا خلال زيارة جينبينج «مذكرة نوايا» لتصبح إيطاليا رسميا جزءا من مشروع « الحزام والطريق»، وذلك بالإضافة إلى 29 اتفاقية بإجمالي 2.8 مليار دولار.
بالطبع لإيطاليا جانب من مكاسب الصفقة. ففي أعقاب انهيار جسر جينوة أغسطس الماضي، وما أحدثه من مقتل العشرات، تم استدعاء قضية تداعي قطاع البنية التحتية الإيطالية. كما أن الأوضاع الاقتصادية في إيطاليا تتداعى، حتى أن 2019 بدأ بتأكيدات الخبراء أن الأزمة المالية الجديدة في أوروبا ستأتي شرارتها من روما، وذلك بعد دخولها مرحلة ركود اقتصادي رسميا اعتبارا من نهاية 2018 وتسجيل الدين القومي مستوى يعد من الأعلى على مستوى منطقة اليورو المالية.
ولكن مجموعة الــ 16+1، وانضمام إيطاليا إلى «الحزام والطريق» وحتى التزام الاتحاد الأوروبي بالقلق الهادئ إزاء تنامي النفوذ الصيني، لن يمنع القيادة الأوروبية من التحول إلى موقف أكثر تشددا إذا ما اتضح أن حجم مديونيات الدول الأوروبية للصين في إطار «الحزام والطريق» قد تخطت الحاجز الآمن. ومسألة الحاجز الآمن هذه هي ما يثير المخاوف بشأن ذات مسألة القروض الصينية في أفريقيا أيضا.
والدليل كان يكمن أيضا في جولة جينبينج، فخلال محطته بفرنسا، حرص الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على تأكيد الوحدة الأوروبية، وذلك بتحويل اللقاء الثنائي بينه وبين نظيره الصيني إلى لقاء أوروبي مع القيادة الصينية، بعد دعوة ماكرون المستشارة الألمانية آنجيلا ميركل، ورئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر للمشاركة في المشاورات مع جينبينج.
خلال ذلك اللقاء أكد القادة الأوروبيون على موقفهم الرابط ما بين اعتراف ومشاركة أوروبية واسعة بـ«الحزام والطريق»، وبين قيام الصين بفتح أسواقها فعليا أمام منتجات وخدمات أوروبا. وذلك بالإضافة إلى التشديد الأوروبي على أهمية التعاون مع الصين في تحديث منظمة التجارة العالمية، والتعامل مع قضايا الشفافية الاقتصادية والدعم الحكومي وحل النزاعات التجارية والاقتصادية. وكل ما سبق تعتبر قضايا تتعلق بالصين أكثر من غيرها.
يعني ذلك أنه حتى مع بدء نجاح الصين في إحداث ثغرات بحائط المعارضين الأوروبيين، ورغم استمرار الصين في تحقيق أهدافها رغم المخاوف العابرة للأطلنطي من سطوتها وإمكانيات تجسسها على الغرب عبر شركة الجوال التي باتت ملء السمع والبصر لأسباب غير تقنية، وكلها سياسية، والمقصود هنا «هاواوي». ورغم نجاح الصين في إيجاد فرص عمل شرقا وغربا لقطاع التشييد والاتصالات الخاص بها، وفتحها الأكيد لأسواق جديدة في دول «الحزام والطريق»، فإن هذا كله قد يكون «على يد عفريت». وقد ينقلب السحر بيسر وسهولة على الساحر.
فالمخاوف من فخ القروض الصينية والمخاوف من الاستحواذ الأكبر للصين، والذي لا استحواذ بعده بالنسبة لاقتصاديات العالم، قد يزيد من المخاوف والإجراءات الاحترازية التي ستتخذها اقتصاديات العالم إزاء الصين تدريجيا. فالصعود المستمر للصين، تقابله عزلة وحمائية أمريكية تحت لواء ترامب، وهناك الانقسام السياسي والقلق الاقتصادي الدائم في أوروبا. هذه التناقضات قد تجلب على بكين عاجلا أو آجلا إجراءات دفاعية من جانب الرافضين والمتخوفين من «الحزام والطريق».