متى يأتي هذا الإصلاح؟

مصباح قطب –

في مقال له منذ أيام وبعنوان «الاقتصاد الذي نحتاجه»، كتب الدكتور «جوزيف ستيجليتز» ،الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد وكان كبير الاقتصاديين بالبنك الدولي ، وحاليا أستاذ بجامعة كولومبيا وكبير خبراء الاقتصاد في معهد روزفلت ، يقول إنه بعد 40 عامًا من تطرف السوق ، فشلت أمريكا والدول الأوروبية المشابهة في التفكير، إزاء الغالبية العظمى من مواطنيها ، وعند هذه النقطة الزمنية ، فان ما تحتاجه هو عقد اجتماعي جديد يضمن الرعاية الصحية للمواطنين، والتعليم ، والتقاعد الآمن ، والسكن الميسور، والعمل اللائق مقابل أجر لائق. ان ذلك هو ما يمكن أن ينقذ الرأسمالية والديمقراطية الليبرالية .
لقد نوهت الى خلاصة ما قاله ستيجلتز على حسابي الشخصي على موقع التواصل « فيس بوك »، منذ أربعة أيام ، وكان من اهم التعليقات التي تلقيتها تعليق كتبه المهندس محمود الشاذلي ، وهو مصري أمريكي، مقيم بنيويورك، ومهتم بالعمل العام، والقراءة في الاقتصاد السياسي، حيث كتب يقول ان «ستيجليتز» ليس وحيدا فكبار علماء الاقتصاد معه مثل «توماس بيكيتي» و«بول كروجمان» يطالبون بذلك بالحاح في السنوات الأخيرة.
من هنا فان السؤال الذي فرض نفسه علي هو : ما هي اهم علامات فشل العقد الاجتماعي الحالي والتي دفعت «ستيجلتز» الى ان يقترح عقدا جديدا ؟ لماذا لا يتحقق هذا العقد الاجتماعي الجديد على بديهيته بالنسبة الى من يتحدثون عن الليبرالية وحرية الأسواق والديمقراطية والحريات العامة ؟. من يقف في طريقه؟ ولماذا ؟ وما هي القوى التي يمكن ان تدعم العقد الاجتماعي المرتجى ومتى تظهر بشائره ؟.
أبرز ما قاله المقال المنوه إليه فيما يتعلق بفشل النموذج الراهن هو التفاوت الشديد في توزيع الدخول والثروات والتركز الصارخ للمال والمصحوب بضعف متتابع في آليات التصعيد الاجتماعي كما هو الحال في أمريكا والتي اعتبر ان ذلك ظاهر فيها اكثر من أوروبا، وثبات الأجور الحقيقية، أو تآكلها بمعنى أدق، مع ارتفاع الأسعار، وقد نوه الى ان «بريكسيت» بريطانيا وصعود ترامب الى السلطة هما نفساهما عنوان على تصدع ما هو قائم بغض النظر عن الآراء تجاه الظاهرتين (البريكسيت وترامب).
بالطبع هناك مصفوفة من الأعراض وردت في كتابات متعددة غربية وعربية تشير بانفراط العقد الاجتماعي القائم، والذي تمت تسميته عقد دولة حرية المشروع الخاص ، والتعددية الحزبية ، والمنافسة ومنع الاحتكار ، ودولة القانون ، والرفاه للجميع ، وهي الدولة التي برزت ملامحها بعد 1945 والتي أرادت ان تكبح انتشار الاشتراكية السوفيتية أو تصد جاذبيتها ، لكن التزامها الاجتماعي بدأ يتقهقر رويدا رويدا الى ان وصلنا الى ما قام « ستيجليتز » بتوصيفه . من تلك الأعراض : ارتفاع البطالة، وظهور مخاطر ارتفاع متوسطات الأعمار على النظم التأمينية مع عدم تقديم حلول مناسبة ، وتدهور التمثيل النيابي والديمقراطي بشكل عام ، وتفشي الفساد بين السياسيين وشيوع التحالف بين السياسي و«البزنس مان» على حساب المصلحة العامة والنزاهة ، وضعف المشاركة أو بمعنى آخر عزوف جماهير واسعة عن المشاركة لفقدان الثقة في المنظومة الانتخابية والتمثيلية ، وسيطرة المال على المسارات السياسية والتشريعية والإعلامية ، والحروب التجارية التي تعنون بوضوح عدم الرغبة في، او رفض، المنافسة الموضوعية مع الصاعدين الجدد وعلى رأسهم الصين، والديون العالمية المخيفة على الحكومات أو على الشركات في دول كثيرة، وعدم التوصل الى طريقة فعالة حتى الآن لمواجهة انتشار التهرب الضريبي في أوساط الشركات الكبرى بالدول المتقدمة أفقيا ورأسيا بالدول النامية، والقلق المتصاعد في أوساط القوى العاملة في العالم كله بما فيه في أوساط العمال الأمريكيين والغربيين ، من جراء ما تعد به التكنولوجيا من خفض مستمر في الحاجة الى الأيدي العاملة البشرية في الأنشطة الصناعية والتجارية والخدمية المختلفة ، وتحول النشاط العقاري الى عمل مضاربي وكانه «وول ستريت» أخرى، بما جعل مهمة الحصول على مسكن مناسب كتمليك طويل المدى او بالإيجار تصبح صعبة وشاقة، وانصراف النخب عن مسؤولياتها الاجتماعية وتآكل مفهوم المواطنة، وتدهور قدرة المجتمع المدني على ان يكون أداة لسد الفجوات الاجتماعية والبيئية الناجمة عن تحيزات النظم ، بل وتسييسه بشدة، وحدوث تشوهات وتدخلات خارجية في عمل هذا القطاع، زادت الطين بلة، وامتداد التراجع العام في الدول الديمقراطية الأعضاء في نادي الأغنياء الى حصنين من معاقل حفظ الاستقرار الاجتماعي، الا وهما التعليم والصحة ، إضافة الى الرفع المراوغ لتكاليفهما ، فضلا عن خصخصة واسعة لأنشطة مختلفة داخلهما، وتنامي ظاهرة الهجرة واللاجئين بشكل يصعب السيطرة عليه رغم كل الإنفاق والجهود السياسية بل والعسكرية والأمنية، وبزوغ رغبة واضحة لدى قوى عديدة – شعبوية او يمينية متشددة – بادئة من الولايات المتحدة ، في هدم النظام الدولي/‏‏‏‏ الأممي الذي قام بعد الحرب العالمية الثانية دون ان تقدم أي بديل مقبول له ، بل وعملها المستمر على ترسيخ ان البديل للنظام التعددي الحالي الذي يحتوى على قدر من التوافق على مبادئه، وحد أدنى من العدالة والاحترام للقانون الدولي والإنساني ، هو القرار الفردي لأمريكا الدولة او حتى لحاكمها.
لا يجب ان يظن ظان ان الرأسمالية الحالية ، أو الرأسمالية في عمومها ، تتهاوى، او سوف تسقط غدا. لم اقصد ذلك أبدا ، لكن مثل هذا التوقع او التمني يشيع في أوساط يسارية او غير يسارية متعددة لكنه لا يعبر بدقة عن واقع التحولات الجارية رغم كل الأعراض التي سبق ذكرها. وإذا كان صحيحا ان «الرأسمالية تصحح نفسها»، وأنها تمتلك آليات للتقييم والنقد والمتابعة والتصويب وإعادة التوازن الى ما هو مختل ، فان من الصحيح ايضا ان تلك الآليات لم تعد تعمل كما يتعين او تم إضعافها بوعي او بدون عبر تركيز الثروة والسلطة الذي اشرنا إليه. الدليل على ذلك ان هذا التركز يتفاقم منذ نحو أربعين عاما وتظهر نتائجه لكل ذي عينين لكن لم تظهر أي قدرة في الدول الرأسمالية على تصحيح الأمر على الأقل حتى الآن.
عرفنا اذا وعبر أشارات واضحة من هم الذين يعطلون اقامة عقد اجتماعي جديد ، لأنهم يعلمون انه يعني بالضرورة الحد من جز المكاسب على حساب الجميع وعلى حساب كل شيء. في المقابل فان الحركات الجديدة الفعالة – وغير الحزبية – التي تنشط الآن لمواجهة تحلل نموذج العقد الاجتماعي القديم ، وسعيا الى بناء عقد جديد يرتكز على ما طرجه ستيجليتز – مع خطوات يمينا او يسارا – ، هي في النهاية نتاج الرأسمالية الراهنة، وأيضا لا يمكن القول انها تبحث عن نقيض الرأسمالية سواء كان يحمل اسم الاشتراكية ام لا ، لكن ثمة جهد للتغيير لا تخطئه عين ، ينخرط فيه مفكرون ومثقفون وناشطون وطلاب جامعات وأكاديميون ومهنيون وعمال ومتعطلون ومناهضون للحرب او مقاومون لتدهور البيئة الخ ، وهو يظهر بكل وضوح في أمريكا وفي الملتفين حول السيناتور «بيرني ساندرز» ، ودوائر أخرى ، لكن لن تظهر نتائجه توا ، وقد يفوز ترامب – الخصم اللدود لتلك المجموعات – في الانتخابات الأمريكية 2020 بفترة رئاسية ثانية ، لكن تقديري انه من 2025 سنرى واقعا مختلفا الى حد بعيد ، تحت ضغط الجموع الغاضبة ، والأهم تحت ضغط الجموع الواعية ، وبفضل إصلاحات تسعى بعض المنظمات من الآن الى القيام بها بجرأة ، حرصا على النظام على الأقل ، مثل محاولات منظمة دول التعاون الاقتصادي والتنمية ، مكافحة التهرب والتجنب الضريبيين ، ومجابهة تآكل الوعاء الضريبي في العموم ، وهي ظواهر تعد من اكبر مهددات العقد الاجتماعي الحالي، ويمكن ان تهدد أي عقد اجتماعي مقبل .