الحرائق نوع من الحل

عادل محمود –
ذات مساء من العام 1944 تلقى الجنرال الألماني ـ حاكم باريس أمراً من الفوهرر ـ هتلر بإحراق باريس. وفيما يرجوه رئيس بلدية باريس ألا يفعل، أصابت الجنرال نوبة ربو، فخرج إلى الشرفة، فقال له رئيس البلدية، وهو يريه: متحف اللوفر، وكنيسة سانت شابيل وأبراج نوتردام: تصور أن تقول ذات يوم، وأنت كنت قادراً على إزالة هذه الروائع من الوجود: «ولكنني فضلت أن أبقي عليها إكراماً للإنسانية». أليس هذا انتصاراً أكبر من إحراقها؟ وهكذا دخل الجنرال «فون شولتز» التاريخ من باب «الرجل الذي لم يحرق باريس».. لقد كان لافتاً تنفيذ الاتفاقيات، المتعلقة بالأعمال الفنية والكنوز الثقافية، وكانت الحرب تتجنب عامدة أن تطالها مثل لوحات وتماثيل المدن الألمانية.

هذا… في حال الاتفاق على التصنيف بين المتحاربين. فليس هناك قوة في العالم تقنع داعش، مثلاً، بأهمية شارع الأقواس في تدمر. ولا تماثيل بوذا في أفغانستان. ولا أسد بابل في العراق.
وهكذا اتخذت لنفسها مكاناً مريباً فكرة «المقدس والمدنس». في تقييم الآثار. لقد أشيع أن كاتدرائية نوتردام، احترقت بفعل متعمد. وذلك لاجتذاب العطف العالمي، بقصد المساهمة في الترميم الذي يكلف الخزينة الفرنسية أموالاً طائلة يكون بديلها التبرعات الدولية، حريق يكلف علبة كبريت، ويجتذب صندوق أموال.
لم لا؟ فليس كل فرنسي هو رئيس بلدية باريس أيام النازية في لحظة الأمر بتدمير باريس بحرقها. وليس كل جنرال تلقّى أمراً وعصاه هو الجنرال الألماني «فون شولتز».
حين يتعلق الأمر بالأموال، نكون أمام احتمال الولادات المتكررة لضمير الهواة. وهو ضمير استعماري غالباً يأتي من مدرسة انتهازية لا يهمها سوى تجنب الفضيحة أو تبريرها.
وكما أن لهذه الإشاعة نصيبها من سلامة الفرضية، فإن سوابق كثيرة مشابهة تدل على إمكانية افتعال الحريق. ويبقى الفارق، فقط ، بين حجم برج التجارة العالمي في نيويورك، وبين جمال كاتدرائية نوتردام.
ربما لم يستطع الكاتب الفرنسي «تيري ميسان» إثبات الحادث المتعمد والفريد في استعراضيته وإتقانه، حادث برج التجارة، ولكن أحداً لم يستطع نفي الاحتمالات. وهكذا… برج التجارة افتتح غرفة عمليات الحروب الاستثمارية، وبرج نوتردام أعفى فرنسا من تحمل أعباء إعادة بناء كنيسة نوتردام. المقدس والمدنس.. مفردتان تجاريتان أولاً وثانياً.