المبادرة في مواجهة التناقضات الداخلية والصراعات الخارجية

د. صلاح أبو نار –

فيما بين 25 – 28 أبريل انعقد المنتدى الثاني لمبادرة الحزام والطريق، بعد عامين من دورته الأولى فيما بين 14- 15 مايو 2017. وحمل هذا الاجتماع معه مفارقة واضحة. كانت ضخامة الاجتماع ومستوياته التمثيلية تقدم دليلًا على النجاح الصيني في خلق إجماع عالمي على المبادرة، وكانت ضخامة الأرقام الرسمية المعلنة عن استثمارات المبادرة منذ انطلاقتها 2013 تمنح المشهد السابق مؤشرات صلبة.

ولكن كل تلك الظواهر حدثت في سياق مختلف عن سياق انعقاد المنتدى الأول. فلم تعد المبادرة على ذات صورتها الوردية العامة القديمة، وخلف هذا الإجماع الرسمي تكونت تفاوتات وظنون سياسية بين الصين وفريق من الدول. ولكن هذا الوافد الجديد السلبي لم يصل إلى درجة موازنة البدايات القديمة الإيجابية، فلا يزال من حيث القوة والإجماع في حدود الهامشية. ويمكن القول إن أحد أهداف المنتدى الثاني كانت محاصرته، عبر إعادة تكييف ورسم مسارات وسياسات المبادرة، وخلق إجماعات جديدة من حولها.
يرجع تاريخ بداية تكوين المبادرة إلى 7 سبتمبر 2013، في خطاب ألقاه الرئيس الصيني خلال زيارته لكازاخستان، أعلن فيه مبادرة «الحزام الاقتصادي لطريق الحرير» ويستلهم فيها تجربة طريق الحرير البري القديم. وفي 13 أكتوبر تشكل الرافد الثاني للفكرة، عندما أعلن الرئيس الصيني في خطاب في إندونيسيا عن مبادرة «طريق الحرير البحري في القرن 21»، ويستلهم فيها تجربة طريق الحرير البحري الصيني القديم. ومن حصيلة الرافدين تكونت مبادرة «الحزام والطريق».
وفقا للرافد الأول والبري تؤسس المبادرة لثلاثة طرق برية ضخمة، يمتد الأول من الصين عبر آسيا الوسطى وروسيا إلى أوروبا وبحر البلطيق، والثاني من الصين ليعبر آسيا الوسطى والغربية إلى الخليج العربي والبحر المتوسط، والثالث من الصين عبر شبه جزيرة الهند الصينية إلى المحيط الهندي. ووفقًا للرافد الثاني يؤسس طريقين بحريين، يمتد الأول من موانئ الصين عبر بحر الصين الجنوبي مرورًا بالموانئ الآسيوية إلى المحيط الهادي ومنه إلى أوروبا، ويمتد الثاني من بحر الصين الجنوبي عبر الموانئ الآسيوية إلى جنوب المحيط الهادئ. وعلى امتداد تلك الطرق وفي محيطها الإقليمي، تتشكل الحركة عبر خمس آليات: التنسيق بين السياسات والتسهيلات الاتصالية والتواصلات بين الشعوب والتبادلات التجارية والتعاون بين المؤسسات المالية. وتعمل تلك الآليات الخمس عبر عدة قنوات وهياكل منظمة: الممرات الاقتصادية الست، وشبكات التواصل الست، والمدن البازغة، والموانئ.
ولقد انطلقت حركة المبادرة قوية شاملة. خلال الفترة من 2013 إلى 2018 وقعت الصين 173 وثيقة تعاون مع 125 دولة و29 منظمة دولية، وبلغ إجمالي التجارة بينها وبين الدول والأقاليم الواقعة حول خطوط المبادرة 6 تريليونات دولار. وحتى نهاية مارس 2019 بلغ عدد رحلات قطارات الشحن الرابطة بين الصين و50 مدينة في 15 دولة أوروبية حوالي 15000 رحلة، وخلال الملتقى الثاني أعلن الرئيس الصيني توقيع عقود بلغت قيمتها 64 بليون دولار.
وخلقت تلك التدفقات الكثيفة معها نمطين من التحديات بينهما تقاطع مؤكد: الأول ينطلق من تناقضات داخلية والثاني ينطلق من الصراعات الخارجية.
سنجد مادة التناقضات الداخلية في النقد الصيني الداخلي لحركة المبادرة، وهو نقد يأتي من مصادر خارج نطاق النخب الحاكمة ومراكز أبحاث تابعة للدولة لكنها على درجة من الاستقلالية. يرى هذا النقد أن التوجيه الصيني للمبادرة وقع في خطأين.
أول وأساسي هو الإفراط الشديد في التوسع الاقتصادي، فالاستثمارات أضحت باهظة التكلفة وواسعة النطاق وتمتد على نطاق جغرافي واسع.
والثاني لا يحظ بنفس الدرجة من الاهتمام، ويرى أن الاستثمارات الصينية تعرضت لدرجة من التسييس غير مبررة أو مطلوبة. لا توجد تحت أيدينا مادة كافية تتيح التعرض لنقد التسييس، وبالتالي سنركز على النقد الاقتصادي. في معرض التدليل على فرط التوسع الاقتصادي يقول رواد هذا النقد أن الاستثمارات الصينية تخطى حجمها ما انفق في خطة مارشال، وفي إطارها نفذت الصين 3116 مشروعًا موزعة على 185 بلدًا، ووصلت القيمة التعاقدية للمشاريع المتفق عليها حديثًا إلى 500 بليون دولار، ووصلت قيمة الأصول الصينية الجديدة في الخارج إلى 1 تريليون دولار. ويرتبون على ذلك أن هذا التوسع يترتب علية نمطين من المخاطر. فهو اقتصاديًا يستنزف احتياطيات النقد الأجنبي، ويشكل عبئًا اقتصاديًا غير قابل للاستدامة، ويهدد النمو الصيني نفسه. وهو سياسيا يثير قلقًا حادًا في الدوائر الأمريكية الأوروبية؛ لأنهم يفسرونه على أنه خطة هجوم شامل على الغرب يسعى لانتزاع قيادة العالم والسيطرة على أسواقه منه. ويضيفون أن هذا القلق السياسي ليست مشكلته مدة صحة أسبابه، بل ببساطة أنه موجود ويعمل ويتخذ تدريجيا سياسات مناهضة للصين، وتستهدف النمو الصيني نفسه، كما هو حال حرب ترامب التجارية. ويطرح هذا النقد نمطين من الحلول ليس بينهما فروق جذرية. أول يرى ضرورة حصر الاستثمارات الصينية، في حجمها الاقتصادي الأمثل والمأمون، في نطاقها الجغرافي الآسيوي أي الجوار الجغرافي وآسيا الوسطي. وثان لا يرى في هذا التوسع المفرط مشكلة في حد ذاته، ولكنه يرى المشكلة في إيقاعه الزمني، فهو كما يراه «مشروع قرن» وبالتالي يتعين السعي له على مراحل، وماهو ملح وضروري الآن هو تخفيض الإيقاع الزمني والانتشار الجغرافي.
ماذا بشأن الصراعات الخارجية؟ تسجل وقائع عديدة حدوث تراجع محدود في صورة مبادرة الحزام والطريق، سواء لدى الرأي العام أو لدى النخب السياسية. وسوف نجد مؤشرات هذا التحول المحدود في ظواهر عديدة. الرفض الألماني لبيع شركة هندسية ألمانية للصين، وظهور نزعات مناهضة للصين في استراليا ونيوزيلندا، والتقييد الأمريكي لتدفق الاستثمارات الصينية إلى أمريكا، والاحتجاجات السيرلانكية على تأجير سيرلانكا لميناء هامبانتوتا للصين لمدة 99 عامًا في سياق عجزها عن سداد ديونها الصينية. وفي معرض تلخيصهما لنتائج دراسة ميدانية للتناول الإعلامي على امتداد العالم للمبادرة، يخبرنا آليسيا جارسيا – هيريرو وجيانو تشي بالنتائج التالية. لا يزال الموقف العام من المبادرة إيجابيًا للغاية، ولكن النظرة المتعمقة لتحولات الموقف بعد المنتدى الأول تظهر تراجعًا واضحًا في صورة المبادرة بعد قمة 2017، ويشير التحليل لوجود عاملين خلف هذا التراجع: القلق من مسار التجارة مع الصين وكيف أنها تسفر عن عجز لصالح الصين، وما يدعوه الباحثان ديناميات الديون الصينية.
وسوف نجد تعبيرات سياسية عن هذا الموقف لدى بعض القادة الغربيين لكنها متفاوتة داخلها، فهي شديدة الاعتدال لدى القادة الأوروبيين وشديدة التطرف والتعميم لدى القادة الأمريكيين. وإذا نحينا جانبا تصريحات مايك بينس المتطرفة مثل كل تصريحاته، سنجدها غارقة في نغمة واحدة تتحدث: إصلاح السياسات التجارية وافتقاد الشفافية وفخ الديون. ومن السهل أن نستنتج المقصود بإصلاح السياسات التجارية الصينية، وخلال زيارته الأخيرة للاتحاد الأوروبي تعهد الرئيس الصيني بإجراءات إصلاحية في هذا المجال وفي مجال حماية الملكية الفكرية. ولكن من الصعب أن نفهم كيف يؤثر غياب الشفافية على نشاط المبادرة الخارجي، أو الاختلافات الدقيقة بين الديون الصينية والديون الغربية وكيف يمكن لها أن تتحول إلى فخ. وفي كل التحليلات التي طالعناها، لم نعثر على أدنى محاولة للمقارنة الميدانية بين شروط نمطي الديون، بفرض وجود نمطين فعلا.
أين إذن تكمن المشكلة؟ ثمة بعد اقتصادي بالتأكيد، لكنه ليس بالضخامة المصرح بها، والواقع أن المشكلة سياسية ولدى الطرف الغربي أساسًا. تسعى الصين لتوسيع نطاق علاقاتها الاقتصادية، ولا يمكن لأحد أن يلومها على ذلك ولكن مشكلتها سرعة الإيقاع واتساعه، الناجمان عن حجمها الاقتصادي الضخم ومقدار فوائضها المالية ونمط تنظيمها الاقتصادي، وهي مشكلة تحمل أضرارًا محتملة لها، كما رأينا من النقد الصيني الداخلي لها. وتسعى بالتأكيد إلى تحويل وزنها الاقتصادي إلى قوة سياسية، ولا يمكن لأحد أن يلومها على ذلك لأن هذا هو منطق التوازنات الدولية.
ولكن هذا الهدف مؤجل، ولا يشكل المحرك المباشر لتوسعها الاقتصادي. وتبدو المشكلة أساسًا لدى الغرب. يعي الغرب منطق التحولات العالمية الجارية، وهو انتقال مراكز الثقل الاقتصادي العالمي صوب شرق آسيا، ويعي أن هذا الانتقال الاقتصادي سيترجم نفسه مستقبلا إلى انتقال لمراكز الثقل السياسي العالمي. وكانت نظرته التقليدية إلى شرق آسيا، أنها مناطق مجردة من إرادة الاستقلال السياسي. فاليابان وكوريا الجنوبية شبه محميات سياسية أمريكية، بفضل مواريث الحرب العالمية الثانية. ورغم أن الصين كانت دائما تمتلك إرادة الاستقلال السياسي، كان نمط نموها الاقتصادي حتى فترة قريبة كميًا أساسًا، ولا تمتلك القاعدة العلمية والتكنولوجية التي تؤهلها لدور القوة العالمية القائدة. ولكن تطورات العقدين الأخيرين تبشر بعكس ذلك على المدى القريب أو المتوسط. منذ بضعة سنوات كان رواد وادي السيليكون مرتع التكنولوجيا الأمريكية المتقدمة يسخرون من فكرة المنافسة الصينية في الإبداع، وينظرون للصينيين كمجرد مقلدين غير قادرين على الإبداع، والآن أضحت شركة هواوي الصينية مثيرة لفزعهم، وتمكنت من تهديد آبل العملاقة في عقر دارها. ولتلك التحولات وجهها الأخر، فالنظام الدولي آخذ في التفكك ومعه علاقات الهيمنة القديمة، وما يجري الآن هو صراع على تشكيل بنية النظام الجديد ، تقوده وتؤججه القوى المتراجعة وعلى رأسها الولايات المتحدة، وعبر منظور هذا الصراع يمكننا أن نفهم الفزع الغربي من مبادرة الحزام والطريق.