الحزام والطريق.. الفرص والمخاطر

إميل أمين –

حين يتناول خبراء الشؤون الدولية حال العالم في العقدين الأخيرين، يجمع جلهم على أن قلب العالم قد تغير بالفعل متحركًا من أوروبا والعالم الغربي القديم، إلى شرق آسيا، حيث الصين هي الركيزة الرئيسية والأهم في الخريطة الدولية الجديدة، غير أن علامة الاستفهام التي تبقى مطروحةً ما هي الأدوات والآليات التي من خلالها تحاول الصين مشاغبة ومشاغلة القوى التقليدية ومراكز القوى العالمية، في محاولتها لبناء أو على الأقل بلورة رؤى ثنائية، بعد أن بات العالم الأحادي الذي تحدث عنه الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب غداة انهيار الاتحاد السوفييتي في نهاية ثمانينات القرن الماضي، وبداية التسعينات أثرًا بعد عين؟

من المؤكد أن التوجه الاستراتيجي الصيني المرتكن إلى الفلسفة الكونفوشيوسية، يميل إلى التعاون مع البشر حول العالم، فالحكيم الصيني القديم اعتبر أبدًا ودومًا أن الخليقة كلها أسرة واحدة، وحتى إن كانت هناك اختلافات بين البشر، فإن هذا أمر طبيعي، ويمكن أن يتم استيعابه في إطار الرؤية الكلية التي يطلق عليها الفلاسفة الانطولوجية، وهذا على خلاف الحال مع التوجه الأرسطي الغربي، أي ذاك الذي لا يؤمن إلا بالمواجهة والصراع فقط.
يمكن القطع أن مبادرة الحزام والطريق الصينية، هي إحدى أهم أدوات الصين لتعميق حضورها حول العالم، من خلال مد جسور التواصل مع بقية شعوب العالم، والعمل على إحياء طرق إنسانية عولمية قديمة إن جاز التعبير.
هل من تعريف مختصر بغير إخلال لهذه المبادرة الصينية العملاقة، والتي يمكن أن تعد مسارًا إنسانيًا جديدًا، يوجد توجها مزدوجا للعالم، وبخلاف ما جرت به مقادير الأحداث خلال العقدين الماضيين ؟
يرمي المشروع إلى إعادة إحياء طريق الحرير التجاري القديم، الذي كان يمتد عبر آسيا وأوروبا لنقل البضائع من تلك المناطق إلى الصين وبالعكس، وتمثل تاريخيًا في شبكة من المسارات التي تربط الصين بجيرانها وبالقارة العجوز تحديدًا، ويعود تاريخها إلى نحو القرن الثاني قبل الميلاد، وقد ضم طريق الحرير شبكة بحرية لربط الموانئ الرئيسية في الدول التي ترتبط مع الصين بعلاقات تجارية تشمل تبادل البضائع المختلفة مثل الحرير والمنسوجات الأخرى والمعادن الثمينة والتوابل والورق والبارود.
ما الذي جرى لهذا الطريق؟
الشاهد أن قيمته قد تراجعت بعد إدخال الأوروبيين لتحسينات كثيرة على أنظمة النقل البحري، وتعاظم دور قناة السويس في التبادل التجاري العالمي، غير أن المارد الصيني وهو يسعى بلا شك إلى قطبية عالمية، وإن لم تكن بالضرورة تؤمن بالإزاحة بل بالشراكة مع بقية العالم، ها هو يقلب في أوراقه التراثية، تلك التي منحته القوة والمنعة وعظمت من فرص ظهوره عالميا مرة أخرى.
ترمي المبادرة الجديدة للصين إلى إعادة إحياء الطريق القديم لربط المدن الصينية بالوجهات التجارية في آسيا وأوروبا، كما سيضم الطريق الجديد مجموعة من الطرق البحرية التي تسعى الصين من خلالها لتأسيس تعاون مثمر مع الدول الواقعة في جنوب شرق آسيا وأوقيانوسيا وأفريقيا وطريق بحر الشمال الروسي .
ولعل ما يكسب الصين والصينيين ميزة كبرى وهائلة عند تنفيذهم لأي مشروع كبير وعملاق، هو أنهم لا يتسرعون أو يتعجلون النجاح أو حصد النتائج، بل إن لديهم صبرا استراتيجيا طويلا جدا غالبا ما يقودهم إلى دروب النجاح.
وآية ذلك إن مخطط ربط شبكات السكك الحديدية بين الصين وكازاخستان قائم منذ عام 1990، إلا أن المشروع لم يشهد نقطة تحول حقيقية إلا في عام 2008، عندما وصل أول قطار للصين قادما من ألمانيا.
هل انطلق المشروع بالفعل على أرض الواقع؟
أغلب الظن أن ذلك كذلك، فقد وقعت حتى الآن 126 دولة و29 منظمة عالمية على وثائق للتعاون في هذا المشروع، حيث ستنفق كازاخستان 9 مليارات دولار على تحسين الطرق وشبكة السكك الحديدية، كما سيوفر خط حديدي جديد بمليارات الدولارات زمن الحركة من ساحل البحر الأحمر إلى أديس أبابا من ثلاثة أيام إلى 12 ساعة فقط.
والمتابع لتطورات مشروع الحزام والطريق يدرك أن الصين قد نجحت بالفعل عبر مراحل زمنية في ترسيخ مستقبل هذا المشروع، فعلى سبيل المثال وقعت إيطاليا قبل نحو شهرين على اتفاقيات بقيمة 8 مليارات دولار لتطوير موانئ لتصدير المواد الغذائية والمنتجات إلى الصين.
أما أندونيسيا فستكون من الدول ذات الحظوظ الأكبر في الاستفادة من المشروع العملاق عبر خط سكة حديد، يقلص المسافة الزمنية من مقاطعة جاوة القريبة إلى باندونغ العاصمة من ثلاث ساعات إلى أربعين دقيقة، وينطبق الأمر نفسه على باكستان والعديد من الدول الآسيوية القريبة.
ولعل الآلية التي تمكن الصين من إدراك مثل هذا المشروع العملاق تتمثل في الوفرة المالية التي تحصلت عليها عبر العقود الثلاثة الماضية، وقد بلغت احتياطياتها المالية تريليونات الدولارات، وبعضها يستخدم في البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والبعض الآخر يتم توظيفه في إطار عالمي.
خلال المؤتمر السنوي الأخير الخاص بالطريق الجديد والذي جرى في بكين، تعهدت الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، بضخ أكثر من تريليون دولار لإنشاء طرق وجسور وسكك حديدية وخطوط أنابيب، ومسارات للسفن حول العالم، وينقسم المشروع إلى طريق بري وطريق الحرير للقرن الـ21، وتتضمن استثمارات بقيمة 5 تريليونات دولار، منها 43 % في قطاعات الطاقة، و41% في قطاع النقل السككي، و5% مجمعات صناعية، و2% طرق 3% موانئ، و 5% معدات.
ورغم نجاح اللقاء الأخير في بكين إلا أن هناك أسئلة كثيرة عالقة حول المخاطر والفرص التي يتمحور حولها هذا المشروع العملاق، وهل هو مجرد طرح اقتصادي، أم انه أداة سياسية لتحقيق أغراض الامبراطورية الصينية القادمة لا محالة؟
أحد الذين تصدوا للجواب عن السؤال المتقدم، رئيس الوزراء الماليزي (مهاتير محمد)، ففي تصريحات له على هامش زيارة أخيرة للصين وصف مبادرة الحزام والطريق بأنها «خطة أطلقت بالتعاون بين بلدان المنطقة، وترتكز على البنية الأساسية والتنمية، ولا علاقة لها بخطط الهيمنة أو فرض السطوة على بقية قطاعات العالم الجغرافية».
على أنه لا يستقيم الحديث عن مستقبل المشروع إلا إذا أخذنا في عين الاعتبار الانتقادات الموجهة له، أو بمعنى أدق التحديات التي يمكن أن تكون قائمة أو قادمة في الطريق.. ماذا عن هذه؟
يقول المراقبون للمشهد الصيني من الجهة المقابلة أنه يهدف إلى تعزيز نفوذ الصين، ويفتقد إلى الشفافية، ويميل إلى مصلحة الشركات الصينية، ويغرق الدول في ديون ويسبب إضرارا للبيئة، وتنظر الولايات المتحدة الأمريكية والهند وبعض الدول الأوروبية بشك إلى المشروع، ولهذا لم ترسل واشنطن أي ممثل لها إلى القمة.
لم يكن للولايات المتحدة الأمريكية وأذرعها الفكرية أن تقف صامتة وهي ترى الصين تكتسب أرضا ونفوذا عالميين في بقاع الأرض وأصقاعها، إلى الدرجة التي توجه فيها الدعوات الصينية إليها لمشاركة في هذا الطريق الجديد.
في هذا الإطار نشر مركز الأمن الأمريكي الجديد في واشنطن دراسة مفصلة يقيم فيها مشروع «الحزام والطريق»، واضعا سبعة تحديات تواجه المشاريع المتفرعة عن المشروع الرئيسي، وهي تحديات تعبر بلا شك عن وجهة النظر الأمريكية، ومردود عليها من الجانب الصيني بكل تأكيد:
** يأخذ الأمريكيون على الصينيين أن المشروعات التي يقومون بها تؤدي إلى تآكل السيادة الوطنية، فقد تمكنت بكين من السيطرة على مشاريع البنى الأساسية في البلاد المشاركة في المشروع، وذلك من خلال عقود إيجار طويلة الأجل، أو عقود تشغيل لعدة عقود، مما يقوض سيطرة الدولة على هذه المشاريع.
** الأمر الثاني يتصل بالشفافية، فعلى الرغم من أن الرئيس الصيني «شين بينغ» في كلمته خلال التجمع الأخير وعد بأن تكون الشفافية هي الركن الأصيل في مشروعات المبادرة، إلا أن عملية تقديم العطاءات والمناقصات الخاصة بالعديد من المشاريع بحسب الرؤية الأمريكية تفتقد إلى الشفافية، فيما يخص العقود والشروط المالية التي لا تخضع للتدقيق العام.
** هناك شكوك اقتصادية كبرى حول جدوى المشروعات الصينية، لاسيما وأنها تحمل الآخرين أعباء مالية غير محتملة، فقد أدى الإقراض الصيني المتزايد لبعض الدول إلى مخاطر العجز عن سداد الديون أو صعوبات في السداد، في حين أن بعض المشاريع المكتملة لم تولد الربح الكافي لتغطية التكاليف.
** رابعًا، يأتي الاتهام إلى الجانب الصيني بأن عمَّاله وفنييه لا ينقلون إلى العالم خبراتهم التقنية، وعليه فإن العمال المحليين في الدول المختلفة لن يضيفوا شيئًا إلى خبراتهم، وفي بعض الأحيان تنطوي مشروعاتهم على ترتيبات غير عادلة لتقاسم الأرباح.
** يرى المركز الأمريكي الشهير أن بعض مشاريع البنية الأساسية التي تمولها أو تبنيها أو تشغلها الصين، قد تعرض مشروعات البنية الأساسية الخاصة بالاتصالات في الدول المتعاونة إلى المساومة، أو وضع البلد المتعاون في وسط تنافس استراتيجي بين بكين وقوى أخرى عظمى.
** سادسا، لا تزال هناك اتهامات للصين بعدم الاعتداد بمسألة المناخ العالمي، فقد تم البدء في بعض مشاريع الحزام والطريق من دون إجراء تقييمات بيئية كافية، وقد تسببت بعض المشاريع في أضرار بيئية كثيرة .
أخيرًا فإنه في دول حققت معظمها معدلًا ضخمًا من الفساد، فإن مشاريع الحزام والطريق قد تضمنت منح مكافآت لسياسيين ومسؤولين حكوميين.
هل بالضرورة أن تكون التحديات المتقدمة جميعها صادقة بنسبة مطلقة؟
بالقطع لا يمكن أن يكون ذلك حقيقة مؤكدة، لكن في الوقت عينه لا يمكن إنكار أن بعضا منها قد يلامس أحد أوجه الحقيقية، فالصين ليست مشروعا إنسانيا خيريا، بل دولة كبرى لها طموحاتها الامبراطورية، الأمر الذي يجعل من البراجماتية السياسية مرشدًا لها.
إحدى الجزئيات المخيفة في المشروع تتصل بالتوازنات السياسية، فعلى سبيل المثال ليس للدول المشاركة في المشروع جميعها نفس القوة في رفض ما تراه الصين ضروري، فأوروبا يمكنها المناورة، لكن إفريقيا الفقيرة ستضحى مستسلمة.
الخلاصة.. قد يحتاج المشروع إلى بعض الوقت لتقييم فرص نجاحاته أو مستقبل إخفاقاته.