النفط.. الاعتبارات السياسية والاقتصادية

في الفترة الماضية شهدت أسعار النفط ارتفاعا جراء القرارات الأمريكية فيما يتعلق بالنفط الإيراني، لكن سرعان ما عاد النفط للهبوط بشكل نسبي مع ارتفاع المخزون الأمريكي، إذ تبدو ثمة عوامل متعددة أخرى، تعمل على إيجاد هذه المراوحة ما بين الهبوط والانخفاض، تصب في جملة العوامل السياسية والاقتصادية والجيوسياسية، وما يشكل صورة العالم الراهن من تشابكات ومصالح متقاطعة بين مختلف الدول.
مؤخرًا صرح صاحب السمو السيّد فهد بن محمود آل سعيد نائب رئيس الوزراء لشؤون مجلس الوزراء في حفل تكريم الكفاءات بقطاعات الخدمة المدنية بدول مجلس التعاون، حول تذبذب أسعار النفط، حيث قال سموه: إن «قضية النفط تخضع لاعتبارات عدة، سياسية واقتصادية، واعتبارات أخرى»
مؤكدًا سموه: «الأهم بالنسبة للسلطنة هو المحافظة على الجوانب الحياتية لكافة المواطنين، والسلطنة لن تدخر جهدًا في ألا يشعر أبناؤنا بهذه التغيرات والذبذبات الحادثة الآن في أسعار النفط».
هنا مربط الفرس في مجمل الصورة، فيما يتعلق بالجوانب الاجتماعية المتعلقة بالمواطنين في ضرورة الحفاظ على هذه النواحي بغض النظر عما يجري في أسواق النفط عالميًا جراء ما أشار إليه صاحب السمو السيد فهد من مسائل سياسية واقتصادية وغيرها من الاعتبارات.
وهذا يعني النظر بشدة إلى موضوعات التنويع الاقتصادي والمشروعات الاستراتيجية المستقبلية في الجوانب الاستثمارية والصناعات التحويلية والأعمال اللوجستية وغيرها من الأفكار التي تخدم في هذا الإطار بخصوص المستقبل على المدى القريب والبعيد نوعًا ما. لقد بات النفط وربما هو كذلك منذ عقود بعيدة يعتمد -ليس على مجرد العرض والطلب فحسب- إنما العوامل السياسية والاقتصادية ومجمل مشهد الصراعات بين الدول، خاصة أن النفط لا يزال سلعةً استراتيجيةً توضع في حيز الاعتبار في اتخاذ القرارات المتنوعة لأي دولة، حتى لو لم تكن تلك الدولة من منتجي النفط.
فالخلاصة أن هذه السلعة تؤثر بشكل أو بآخر في صناعة القرار السياسي ما يترتب عليه انعكاسات على الاستقرار بل ربما أيضا تفجير الحروب في العديد من بلدان العالم، وفي المنطقة العربية والشرق الأوسط يبدو ذلك جليا.
وبرغم أن أوبك والدول المتحالفة معها قد اتخذت قرارات عديدة في العامين الماضيين من خفض الإنتاج بهدف إيجاد التوازن في الأسواق، إلا أن الصورة الأوضح لما وراء ذلك بحسب ما تمت الإشارة إليه سابقًا، تعتمد على هذه الموازنات السياسية، حيث بدا جليًا أن النفط يشكل أداة من أدوات الضغط التي تستخدمها الدول وقد ثبت ذلك منذ أربعة عقود وإلى اليوم.
من هنا، فالحاجة ملحة إلى إيجاد مفاتيح مستقبلية للمضي في سياسات التنويع الاقتصادي لتفادي هذه الظروف المضطربة والتذبذب في أسواق هذه السلعة، ويأتي هذا عبر العديد من المرئيات في سياسة التنويع التي تسلكها السلطنة مع التركيز على الاستثمارات المحلية والأجنبية.
لكن يظل الرهان الكلي والأساسي على الإنسان، حيث تظل الموارد البشرية هي التي تصنع الأمل في أي سياقات مستقبلية، ومع ذلك تأتي سياسات التخطيط والبرمجة واسعة الأفق التي تضع كافة المناظير والاعتبارات الممكنة والتوقعات، وهو ما يقوم عليه العالم المعاصر، وما تتبناه سياسة السلطنة لأجل صناعة الغد الأفضل.