تسـالي الانتـظار

عادل محمود –

بعد أسبوع من المكابرة، والتصريحات القطعية، والتنمّر، قررت الرضوخ لشرط الإذعان: الطابور الصبور. وقفت بسيارتي، وحصلت على رقمي، وكانت 130 سيارة قبلي. واتخذت قراري بأن أتسلى، مهما طال الانتظار.. على مقعد السيارة إلى جواري الكتب التالية: «ألموت» وهي رواية عن القرن الحادي عشر، زمن الحروب، تلك التي لا عقل لها، زمن الحشاشين، وديوان «أبو نواس» الإباحي الممنوع… وهو شعر «عقل الجسد» واستهزاء بكل ما يمنع الغريزة من بسط سيادتها على لحظات المتعة البشرية ـ الحيوانية… حيث «لأبي نواس» فضل إدخال وحشيتها في حديقة الزهور والعطور والعصور.
وكان معي أيضا كتاب الحوار مع أدونيس أجراه بيير أبي صعب لقناة الميادين، قبل شهرين… وكنت قبل يومين قد كتبت لأدونيس على الواتس تعليقا على حالتنا: «ياعزيزي أدونيس الجميل… لا يوجد «أمل» دون صياغته، كالذهب، شعرياً. اشتقنالك. نحن في مأزق الآسفين على استهتارنا بأهمية بلادنا. اليوم وأنا أنتظر للحصول على البنزين… قرأت في السيارة حوارك مع الميادين. تحملت الانتظار بمعونة حضورك».
الكتاب مليء بأفكار وذكريات وأشخاص… وأكاد أستنتج أن المثقفين كانوا الحراس الوحيدين لفضيلة التغيير.
وكان على المقعد كتاب آخر عنوانه «متحف الأنقاض نصوص ـ الحرب والعزلة» تحرير وتقديم الروائي خليل صويلح.
الكتاب يضم نصوصاً شعرية ونثرية لـ 28 شابا سوريا وشابة منهم من يكتب للمرة الأولى. والنصوص عن الصدوع العميقة في حياة وأفكار ووجدان هؤلاء الشباب زمن الحرب.
«صديقي مات في بحر إيجة. هو في الحقيقة لم يغرق. فقط التهمته قناديل البحر، وهو يحاول الهرب من الغرق، عظامه الآن تطوف فوق وجه الماء… كمحاولة أخيرة للنجاة».
«المرأة التي حاولت بجسدها سد ثقبٍ في جدار العائلة… ماتت رميا بالشتائم». «نحن الأحياء على هذه الأرض، سلالة منتصرين في حروب سابقة، سلالة قتلى، نعطي أبناءنا، في وقت مبكر، لقاحاً ضد التاريخ».
أغلقت الكتاب… فلقد تحرك، أخيراً، رتل السيارات بعد ثلاث ساعات. صرت أفكر أن الزمن المتاح لنا، على هذه الأرض، لا يكفي لهذه القسمة الظالمة: «انتظار طويل، وآمال قليلة».
شغلت شريط موسيقى للمغنية التي لم تكترث أبداً لتوجيهات المعلمين الحريصين على الرصانة اللائقة بحنجرة ذهبية كحنجرة الشحرورة اللبنانية صباح. فأطلقت صوتها، كأنشودة نصر يومية للحياة.
صدح صوتها كأنما من زمن مغرق في القدم… زمن الخمسينات. وفيما أنا أتذكر نوع الفرح الطفولي بسماعها في تلك الأزمنة تحرك الرتل أمتاراً، فتحركت.
طال الانتظار… ففتحت دفتر ملاحظاتي الذي يحتوي على كل ما جمعته من ثروات القصص، وذهبيات الكلام، وخلاصات الأفكار.
وعشوائياً … كان أمامي هذه القطعة:
«حين شبت المعركة بين جماعة الطرابيش العثمانية وجماعة البرانيط الأوروبية… قال محمد علي باشا، لضباط الأسطول العثماني الذين وقعوا في الأسر:
«الفرق بيني وبينكم، يا أبنائي، أني أضع عمامة تركية على رأس أوروبي، وأنتم تضعون قبعة أوروبية على رأس تركي».
تحركت السيارات بضعة أمتار أخرى… ثم مللت من الحضارات والثقافات، وجاء النعاس الجليل الجميل فنمت حتى أيقظني الزميل الخلفي للانتظار فتحركنا… ولكنني ما زلت في الرتل.
هكذا أراد السيد رونالد ترامب!.