شـهر المراجـعـات والوقـوف مـع الـذات

لا يحتاج أحد لأن يدلل على الفوائد المتحصَّلة من عبادة الصيام، بشكل عام، وفي شهر رمضان الفضيل بوجه خاص، حيث يصوم الناس جماعة بخلاف صوم الفرد وحده في بقية أيام السنة في أي وقت شاء، فهنا في هذا الشهر سوف تأخذ النفس الإنسانية المكتسبات من خلال الأبعاد الفردية والجماعية معا.
وينتظر المسلمون هذا الشهر المبارك كل سنة هجرية، حيث يعتبر مناسبة سعيدة من خلالها يتاح للنفس البشرية أن تراجع العديد من المحطات وتعيد بناء العلاقة مع الذات، بما يمكن من القيام بأدوار أفضل على صعيد الإنسان نفسه أو العلاقة مع الآخرين.
وليس من حصر ولا حدود للمنافع المتحصلة من الصيام، سواء على الجانب الصحي والفائدة المنعكسة على البدن، الذي يبدأ في ترتيب وضعه ليكون له في هذا الشهر ترميم الخلايا ويكسبها حياة متجددة ونشاطا بحيث يخرج المرء كأنه وقد خلق من جديد.
ويرتفع هذا الشيء الإيجابي ليتجلى في رياضة الأرواح التي تخرج من مشاغل الحياة العادية المتكررة على مدار العام، إذ يتاح للمرء هنا أن يأخذ من نصيب أمور -ربما- أهمل فيها في باقي شهور السنة، من الرجوع إلى الذكر الحكيم وأخذ العبرة من القصص القرآنية والتراث الديني والقيم الإسلامية السمحة بشكل عام، وحيث لكل ذلك من الفوائد والمتحصلات ما لا عد له على الفكر والعقل والوعي الإنساني.
في العلوم الحديثة يشار إلى ضرورة التكامل المطلوب بين العقل والجسم، فالإنسان يحتاج إلى توازن يعيده إلى العطاء والإبداع والعمل وإكمال مسيرة الحياة بحب وشغف يمكنه من أن يكون مساهمًا ومشاركًا وفاعلًا في الوعي الجمعي وقبلها الذاتي، مضيفًا لأسرته ووطنه وأمته عامة.
هذا التكامل يبحث الناس عنه اليوم بشتى السبل، والبعض يراه في علوم متعددة، في حين أن جوهر العبادات الدينية في ثنايا ديننا الحنيف تحمل الأسرار والمنافع التي تعود بالإنسان إلى أفضل سبل الوعي والعطاء والانتفاع من مخزن مقوماته الذاتية.
كل ذلك لا يتحقق إلا من خلال سلوك يقوم على الانتظام والنظام والصبر والمصابرة، وأيضا من خلال الإحساس بالآخرين والعطف على المحتاجين، والشراكة التي يقودها المجتمع باتجاه بناء كل ما يعمل على إيجاد العدالة بين بني الإنسان في شتى الظروف، من حيث المعاونة والإرشاد والوقوف مع الحق والحقيقة.
هذه الدروس التي قد يتم الانتباه لبعضها وقد لا يتم الانتباه للبعض الآخر منها، تشكل جوهر الصيام بروحه المشرقة في شهر رمضان الفضيل، بحيث يسمو الإنسان إلى مراتب العليا من العودة إلى الفطرة السمحة، ويكون له أن يستغل الفرصة لأجل إعادة تشكيل الذات ومراجعة النفس.
فالنفوس مثل الأطفال يمكن تربيتها ومساءلتها، ومن ثم جعلها تسير إلى ما هو خير، ويساهم في جعلها إيجابية وفاعلة في المجتمع.
أخيرًا، فالفرصة متاحة للجميع للاستفادة من هذا الشهر بتعظيم كل ما هو مفيد، والابتعاد عن الأمور الروتينية التي لا طائل من ورائها من عادات الاستهلاك والإسراف وغياب التخطيط في الإنفاق وغيرها، فهذا عكس ما هو مراد من جوهر الصيام وغايته البعيدة.