نوافذ :لا يكفي الراتب.. كمكافأة

بقلم: أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

قصص كثيرة تروى؛ بعضها محزنة إلى حد البكاء، وبعضها الآخر تنقبض القلوب مؤازرة لراويها، وبعضها الثالث، تستنكر هذا الجحود من قبل المؤسسة التي لا ترى في موظفيها سوى قدرتهم على الإنجاز، وإنزالهم منزلة الآلة، ومتى هانت القوة، وضعفت الهمة، أصبح اتجاه البوصلة إلى آخر أكثر حيوية ونشاطا، حيث يتم تجاوز كل الجهود التي بذلها من كان قبل، وهكذا تتعاظم هذه الصورة وفق هذه الرؤية لا أكثر، وهناك القلة القليلة من السلوكيات الإدارية التي تنتصر لموظفي المؤسسة مهما وهن العظم، واشتعل الرأس شيبا.
يبدو أن هناك إشكالية موضوعية في هذا الاتجاه، وتتمحور هذه الإشكالية في شخصية المسؤول الأعلى الذي يقف على أعلى سلم الهرم في المؤسسة التي يديرها، لأنه من خلال سلوكه هو بصورة أكثر تجاه الموظفين، تنتظم بقية السلوكيات في الإدارات الأخرى الوسطى والأدنى، فمناخات الإدارات العليا لها تأثيرها المباشر على بقية الإدارة؛ سلبا أو إيجابا؛ لأنها القدوة وفق التصنيف المعروف، والمعتمد جله على الـ «عرف» كما هو الحال في سلوكيات أفراد الأسرة، فالأب، أو الأم هما من يضعان سلوكيات بقية أفراد الأسرة، من خلال القدوة، وليس شرطا من خلال الأمر والنهي.
وتبيانا أكثر لهذه الصورة، يذكر أحدهم أنه عاش في مؤسسته عمرا تجاوز الأربعين عاما، مجتهدا، مخلصا، صبورا، مؤمنا بأهمية الدور الذي تقوم به مؤسسته والواجب الوطني الذي يستشعره كموظف فيها، حتى بلغ سن التقاعد، حيث جاءته رسالة من الموارد البشرية، تنبهه بأن عليه أن يحزم أمتعته، فقد انتهت فترة وجوده في المؤسسة، فجال في خاطره أن يسلم على الـمسؤول الأعلى ليقينه أنه لن يعود إلى المؤسسة؛ الطلاق البائن؛ وهذا ما استشعره من رسالة الموارد البشرية.
وعندما طلب مقابلة مسؤوله الأعلى، أخبر انه مشغول، وحدد له موعدا بعد فترة من الزمن، ومع عودته لمقابلته، وبعد انتظار دام طويلا، أخبر أن المسؤول يشكره، وأنه مشغول، ويعتذر عن مقابلته، فعاد الصاحب بخفي حنين، والأسى يعتصر قلبه، لأنه توقع أن يسمع كلمة تجبر هذا العمر الطويل الذي قضاه في المؤسسة دون رسالة شكر وتقدير من الإدارات الأدنى تعزز فيه الانتماء للمؤسسة، ولو بعد خروجه إلى مرحلة التقاعد. وبالأمس القريب كنت أتصفح صفحة الـ «تويتر» فلفت انتباهي تغريدة نصت على: «الأستاذ (…) – أتحفظ هنا على الاسم – 38 سنة من عمره في الخدمة، وحاضر في كل مناسبة، منقذ في كثير من الأزمات، صابر على محدودية الرواتب والحوافز، والدرجات المجحفة، وقلة المكافآت، وسجل اسمه في كثير من الأعمال التلفزيون، وحين يتقاعد من يتذكره هم زملاؤه، يقيمون له حفلة وداع من تبرعاتهم واجتهاداتهم الخاصة» – لم يتم تصحيح الأخطاء اللغوية، حفاظا على النص الأصلي للتغريدة.
الإشكالية الموضوعية هنا؛ في هذه العلاقة بين الطرفين: الموظف/‏‏‏ المؤسسة؛ التي يمثلها المسؤول الأعلى، أن الفكر الإداري قائم على أن هذا موظف، ويتقاضى راتبا نهاية كل شهر، وذلك أقصى ما تحتفظ له به المؤسسة من حق، وينظر إلى الجانب الإنساني على أنه ترف مبالغ فيه في هذه العلاقة، وهذا لا أتصوره؛ شخصيا؛ أنه تقييم سليم، فجل الأعمال التي تنجز في أية مؤسسة، يحتكم إلى إنجازها على الجانب الإنساني والواجب الوطني، وليس فقط على جانب المقابل، وإلا لما عمل كثير من الناس تحت درجة حرارة تصل إلى (50) درجة مئوية، مع ضآلة الراتب.
فيا أيها المسؤولون ترفقوا بهذه الأنفس التي ترى فيكم المعزز للصبر والاجتهاد والإخلاص، فليس كل شيء قائما على المقابل فقط.