رؤية الهلال بين الحسابات الفلكية والأحكام الشرعية

اختلاف المطالع –
حنان بنت حميد السيابية –

«لقد أصبح علم الفلك اليوم علمًا دقيقًا قطعيًا لا يمكن تجاهله، ونستطيع من خلاله تحديد لحظة اقتران القمر، ومدة مكوثه بعد غروب الشمس وغيرها من العوامل التي تعتمد عليها رؤية الهلال، والشارع تعبدنا بالرؤية الحقيقة للهلال، وليس بمجرد الحسابات الفلكية، حيث جاء في الحديث الشريف: « لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا وفي رواية أخرى فأتموا الثلاثين» (رواه الإمام الربيع).

ولكن هذه الحسابات الدقيقة لها دور كبير في مجال الرؤية والاستئناس بإمكانية الرؤية، وصحة كلام الرائي للهلال، حيث إن هناك حالات تستحيل معها رؤية الهلال قطعًا، حينها لا يمكن أن تقبل شهادة الرائي؛ لأن الحسابات الفلكية قطعية أما رؤية الفرد فظنية».
إن الخالق – عز وجل – سيَّر في هذا الكون الفسيح أجرامًا تسير وفق حساب دقيق لا يعتريه الاضطراب منذ بدء الخليقة، وسخر هذه الأجرام للإنسان الذي حمل الرسالة الربانية، واصطفاه الله بها دون سائر المخلوقات، ومن هذه الأجرام الشمس، والقمر، والأرض التي جُعلت مستقرًا للإنسان، وهذه الأجرام جميعها تسير في أفلاك خاصة بها وفق نظام بديع ومتقن؛ ليستفيد الإنسان منها في حساب الأيام والسنين، قال تعالى: (وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون) ، وقال جل شأنه: (وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم، ولتعلموا عدد السنين والحساب)، وقال تعالى أيضا: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ، وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ، لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)، وغيرها من الآيات القرآنية الكريمة التي تحدثت عن هذه الأجرام السماوية، ودقة خلقها وسيرها، وقد أثبت العلم الحديث ذلك من خلال ما توصل إليه علماء الفلك في العصر الحديث.
إن القمر هو أقرب جرم سماوي لنا، خلقه الله تابعًا للأرض ويدور حولها، كما يدور معها حول الشمس، وارتبطت علاقة الإنسان بالقمر منذ القدم، واستخدمه في معرفة الأيام والشهور ومواسم الزراعة وغيرها، إلى أن جاء الإسلام وجعل الأشهر القمرية مواقيت للعبادات على مدار العام من صيام، وحج، وزكاة وغيرها، وجعل الأهلة علامة على دخول الشهر القمري، حيث قال عز من قائل: (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج)، فكان لا بد من تحر لرؤية الهلال مع بداية كل شهر؛ من أجل معرفة أوقات العبادات، والشهر القمري إما تسعة وعشرون يومًا، وإما ثلاثون يومًا، وعلى المسلمين تحري رؤية الهلال فإن رأوه اعتبروا اليوم التالي من الشهر الجديد، وإن لم يروه أكملوا عدة شهرهم الحالي ثلاثين يومًا وهكذا. وكثيرًا ما يحدث الاختلاف في رؤية الهلال، كما نجد أن ذلك الاختلاف قد يحدث طبيعيًا بسبب اختلاف البلدان، والمسافات بينها وقد يكون بسبب خطأ بشري، أو عدم السعي إلى تحري الهلال برؤية شرعية، وفي أيامنا هذه يكثر الاختلاف مع بداية شهر رمضان، وعيد الفطر وشهر ذي الحجة؛ لأن هذه الأوقات تعتمد عليها فريضتا الصيام والحج، وكثيرًا ما تقع بعض البلدان، والدول في أخطاء فادحة، ويترتب على ذلك صيام المسلمين وشهر رمضان لم يدخل أو إفطارهم والشهر لم ينقض بعد، والأدهى من ذلك أن يؤدي جميع المسلمين من شتى بقاع العالم فريضة الحج في غير وقتها، كل ذلك بسبب البعد عن النهج النبوي القويم في تحري الهلال، وإثبات دخول الشهر برؤية شرعية مع مراعاة ما يقرره علم الفلك القطعي، وقد يحدث الخطأ بسبب تبعية بعض الدول لدولة معينة مهما اختلفت مطالع القمر وبعدت بينها المسافات، ويصاب المسلم بالشك في صحة صيامه وفرائضه وإن كان هو على صواب؛ لأنه يرى باقي المسلمين بدأوا الصيام قبله بيومين وقد يصل إلى أكثر من ذلك.
في حين نجد أن الآيات القرآنية الكريمة أشارت إلى أهمية الحسابات الفلكية كما في قوله تعالى: (وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم، ولتعلموا عدد السنين والحساب)، وعلم عدد السنين والحساب منوط به عبادات وفرائض زمانية؛ لذلك ينبغي أن يكون المسلمون أحرص ما يكونون على هذا العلم، كما كانوا في عصور الحضارة الإسلامية.
لقد أصبح علم الفلك اليوم علمًا دقيقًا قطعيًا لا يمكن تجاهله، ونستطيع من خلاله تحديد لحظة اقتران القمر، ومدة مكوثه بعد غروب الشمس وغيرها من العوامل التي تعتمد عليها رؤية الهلال، والشارع تعبدنا بالرؤية الحقيقية للهلال، وليس بمجرد الحسابات الفلكية، حيث جاء في الحديث الشريف: « لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا وفي رواية أخرى فأتموا لثلاثين» (رواه الإمام الربيع).
ولكن هذه الحسابات الدقيقة لها دور كبير في مجال الرؤية والاستئناس بإمكانية الرؤية، وصحة كلام الرائي للهلال، حيث إن هناك حالات تستحيل معها رؤية الهلال قطعًا، حينها لا يمكن أن تقبل شهادة الرائي؛ لأن الحسابات الفلكية قطعية أما رؤية الفرد ظنية.
وحتى نستطيع البحث عن هلال الشهر القادم ورصده بعد إكمال (29 يومًا) من الشهر الحالي لا بد من توفر شرطين اثنين:
الشرط الأول: أن يكون القمر قد تجاوز مرحلة المحاق – وتسمى مرحلة الاقتران أو تولد الهلال، وهي لحظة الاقتران بين الشمس والأرض والقمر – قبل غروب الشمس بفترة كافية لإمكانية رؤية الهلال، أما إذا كان الهلال لم يولد بعد فلا جدوى من البحث عنه، وعلى الجهات المسؤولة ألا توجه الناس إلى ترائي الهلال.
الشرط الثاني: أن يغرب القمر بعد غروب الشمس؛ لأننا نبحث عن الهلال بعد غروب الشمس، ولا يمكننا رؤيته قبل غروبها بسبب وهجها الساطع، أما إذا كان القمر يغرب قبل الشمس فلا معنى للبحث عنه بعد غروب الشمس، وأيضًا في هذه الحالة لا داعي لالتماس رؤية الهلال.
وعليه فإنه عند عدم تحقق هذين الشرطين تستحيل رؤية الهلال، وترد شهادة من ادعى الرؤية؛ استئناسًا بعلم الفلك القطعي.
في حالة تحقق الشرطين السابقين هناك عوامل فلكية أخرى تؤثر في إمكانية رؤية الهلال، ينبغي عدم إغفالها ولا بد من الرجوع فيها لأهل الاختصاص الفلكي وهي:
عمر الهلال: وهو الفترة الزمنية منذ حدوث الاقتران وإلى لحظة رصد الهلال بعد غروب الشمس، ولا بد أن تكون هذه الفترة كافية لإمكانية رؤية الهلال وفق الحسابات والتجارب السابقة.
مكث الهلال: وهو الفترة الزمنية منذ لحظة غروب الشمس إلى لحظة غروب القمر، ولا بد أن تكون هذه الفترة أيضًا كافية لإمكانية رؤية الهلال.
عوامل تتعلق بموقع رصد الهلال: وهذه العوامل أيضًا تؤثر في إمكانية رؤية الهلال مثل: الاستطالة (البعد بين مركزي الشمس والقمر)، ومقدار الارتفاع عن الأفق، وموقع البلد من حيث خطوط العرض والطول وغيرها.
حالة الطقس: لا شك أن لحالة الطقس أثرًا كبيرًا في تحديد إمكانية الرؤية من عدمها، حيث لا يمكن رؤية الهلال في بلد غطتها الغيوم الكثيفة.
وهذه العوامل جميعها تؤثر في إمكانية رؤية الهلال، وتختلف من مكان لآخر على سطح الأرض؛ لذلك لا بد من النظر في الحسابات الفلكية، والرجوع إلى أهل الفلك في ذلك.
إن كوكب الأرض كوكب من كواكب المجموعة الشمسية ويدور حول الشمس، والقمر تابع للأرض ويدور حولها، ونتيجة لهذا الدوران للأجرام السماوية حيث كل يسبح في فلكه، اختلف الليل والنهار من مكان لآخر، واختلف مكان وزمان طلوع القمر من مكان لآخر على سطح الأرض، فتجد هذه الدول دخل عليها الليل في حين تجد دولًا أخرى لا زالت في بداية صباحها وهكذا..
ذلك الاختلاف الكوني أدى إلى الاختلاف في أوقات العبادات، فالمسلمون الذين دخل عليهم الليل يصلون صلاة العشاء في حين يصلي غيرهم الفجر في تلك اللحظة من العالم وهكذا، حيث يستحيل توحيدهم في تلك اللحظة الزمانية على صلاة واحدة.
وهكذا في حالة رؤية الهلال منهم من رأى الهلال قبل ساعات، ومنهم من لم تغرب لديهم الشمس بعد، ومنهم لا يزالون في بداية الصباح، إذ يستحيل أن تجتمع رؤيتهم للهلال في لحظة واحدة، كما أن جهة رؤية الهلال تختلف من مكان لآخر على سطح الأرض؛ بسبب دوران الأرض ودوران القمر، وموقع الأرض بالنسبة للشمس وغيرها من الحقائق الكونية.
وعلى هذا فإن اختلاف مطالع القمر حقيقة كونية لا مفر منها، ولا بد أن يكون لها أثر في رؤية الهلال ودخول الشهر من عدمه، وهذا ما دل عليه الأثر المروي: عن كريب مولى ابن عباس – رضي الله عنه – قال: (أرسلتني أم الفضل بنت الحارث والدة عبدالله بن عباس إلى معاوية بالشام، فاستهل علي هلال رمضان وأنا بالشام، فلما قضيت حاجتها ورجعت سألني ابن عباس فقال: (متى رأيتم الهلال؟) فقلت: (رأيناه ليلة الجمعة)، فقال: (أنت رأيته ؟) فقلت: (نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية)، فقال: (ولكننا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل الثلاثين يوما أو نرى الهلال)، فقلت: (أو ما تكتفي برؤية معاوية وصيامه) فقال: (لا، هكذا أمرنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم -) (رواه مسلم) وقوله: هكذا أمرنا رسول الله، يعطي الحديث حكم الرفع عند علماء الحديث.
وقد سارت الأمة على ذلك في القرون السابقة، ولا توجد دعوة إلى توحيد المسلمين على هلال واحد؛ لذلك نجد أنه من العجب الآن مع تقدم علم الفلك وثبوت حقيقة اختلاف المطالع أن يطالب بعضهم بتوحيد هلال المسلمين، حماية لهم من الفرقة! لماذا لم يقل أحد بتوحيد وقت صلاتهم أيضًا، ووقت إمساكهم في رمضان؟ وجميع ذلك معتمد على نواميس الكون وحركة أجرامه.
ونجد أن الدول الإسلامية مترامية الأطراف في أنحاء العالم وتختلف في مواقعها من حيث خطوط العرض والطول، ووقت الغروب والشروق وغيرها؛ لذلك لا بد أن تختلف مطالع القمر فيها كما أثبتت ذلك الحسابات الفلكية القاطعة.
أما دعوى الوحدة فلا علاقة له برؤية الهلال كما لا علاقة له بوقت صلاة كل مسلم حول العالم، وإنما بواعث الوحدة الحقيقة هي التي تغافل عنها المسلمون في يومهم هذا، و بواعث وحدتهم كثيرة أهمها: وحدة العبودية لله تعالى، فجميعهم يعبدون ربًا واحدًا ويتقربون إليه تحت مظلة عدالة الإسلام، ولديهم كتاب سماوي واحد وهو القرآن العظيم، دستور حياتهم، وأساس فلاحهم، ما إن تمسكوا به لن يضلوا ولن يتفرقوا أبدًا، وسنة نبيهم الكريم، فيها النور المبين، ومن بواعث وحدتهم أيضًا بيت الله الحرام والكعبة المشرفة التي يقصدها المسلمون من كل حدب، وصوب على اختلاف بيئاتهم، وأعراقهم، ولغاتهم، كما أنهم يؤمنون بنفس المصير وهو اليوم الآخر، يوم الخلود الأبدي، الذي تكشف فيه الأعمال جميعها. إن بواعث الوحدة الحقيقية هذه ما إن التفت إليها المسلمون اليوم كفتهم شر التشرذم والتفرق، وأغنتهم عن محاولة توحيد الأهلة بما يصادم النواميس الكونية، ويعارض الحقائق العلمية.
بعد أن تبين لنا أهمية ترائي الهلال عند دخول الشهور القمرية؛ لأننا تعبدنا بالشهور القمرية في العبادات، وبعد أن اتضح لنا ضرورة الاستئناس بعلم الفلك القطعي في ذلك، كان لا بد من نشر الوعي المجتمعي بذلك؛ من أجل السعي إلى ترائي الأهلة عند دخول الأشهر، ومن أجل مشاركة أولي الأمر في تحديد بدايات الشهور؛ حتى يكون المسلم مطمئنًا إلى أمر عبادته، وواثقًا من خطى بلده إن خالفت في تاريخها بلدة أخرى، وحتى يُسَد باب الفتنة والفرقة أيضًا، ويتعامل مع وقت الصيام والأعياد كغيره من أوقات العبادات كوقت الصلاة، ودخول الفجر، ولحظة الإفطار، وغيرها مما يسلم فيها بأمر الاختلاف وفقًا لنواميس الكون الدقيقة.

 

ثقافة الاستهلال في المجتمع – 

إن الله تعالى جعل الشمس والقمر آيتين وجعلهما دلالتين على تعاقب الشهور والأعوام وتفاوت الأزمنة والأيام ومعرفة الحسابات وتوقيت العبادات قال سبحانه: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) [يونس:5]. فحركة الشمس ودورانها نتعرف على الساعات والأيام وحركة القمر ودورانه نتعرف على الشهور ومدتها وهي حكمة بالغة للمولى عز وجل وقد بنت الشريعة الغراء كثيرا من العبادات وربطت كثير من الحدود والتشريعات بالأشهر القمرية بل يكاد جل عباداتنا وتشريعاتنا مربوطة بالأشهر القمرية فمواقيت الحج والصوم والزكاة والحدود كلها تحسب بالأشهر القمرية وتعتمد في كل شهر على الرؤية البصرية للهلال من حيث إثبات دخول الشهر وخروجه ليعرف مدة الأحكام وزمن العبادة والفرائض والأقضية بين الأنام، فلله الحمد والمنة أن رزقنا هذه النعمة .. ومن السنة عند رؤية الهلال الدعاء فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله عند رؤية الهلال: (هلال خير ورشد، هلال خير ورشد، هلال خير ورشد، آمنت بالله الذي خلقك، يقولها ثلاث مرات ثم يكمل ويقول: الحمد لله الذي ذهب بشهر كذا وجاء بشهر كذا) وفي رواية اخرى كان يقول: (ربي وربك الله هلال خير ورشد اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلم والإسلام) وهذا يدلنا على باب من أبواب الخير والرحمة فالسنة عند رؤية الهلال الدعاء لله تعالى والتعلق به وحده سبحانه وطلب المعونة والتوفيق والهداية من الله تعالى. وفي كل عام من السنة القمرية يتكرر المشهد ويتكرر الحديث حول رؤية الهلال ليلة الأول من رمضان وليلة الأول من شوال وليلة الأول من ذي الحجة وتكثر الأقاويل ويكثر الجدال حول إمكانية اعتماد الحسابات الفلكية أو الرؤية البصرية أو الاثنين معا ومما يؤسف له حقا أن اكثر الذين يجادلون في مثل هذه الأمور ليس لديهم الفقه الصحيح ولا العلم والفهم الدقيق لأبعاد هذه المسالة من الناحية الشرعية فهم يخوضون ويتحدثون بما لا يعرفون ولو تمعنوا في الأحكام وفقهوا مقاصد الشريعة ودرسوا أصول الفقه لعلموا أن مثل هذه الأمور الشرعية تناط بأهل العلم والفقه والدراية وان اختلاف المطالع والأهلة من الأمور المسلم بها منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام وقد اقر علماء الأمة هذا الأمر فقد اقر المجمع الفقهي الإسلامي في دورته الرابعة ما نصه: (أنه لا حاجة إلى الدعوة إلى توحيد الأهلة والأعياد في العالم الإسلامي؛ لأن توحيدها لا يكفل وحدتهم ، كما يتوهمه كثير من المقترحين لتوحيد الأهلة والأعياد. وأن تترك قضية إثبات الهلال إلى دور الإفتاء والقضاء في الدول الإسلامية، لأن ذلك أولى وأجدر بالمصلحة الإسلامية العامة. وأن الذي يكفل توحيد الأمة وجمع كلمتها، هو اتفاقهم على العمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في جميع شؤونهم). ويقول سماحة الشيخ احمد بن حمد الخليلي حفظه الله في كتابه (اختلاف المطالع) ما نصه: (عندما يتفشى في الناس الكذب وقول الزور وكثرة الادعاءات في أمر الأهلة نرى أنّه لا مانع من أن يكون الحساب الفلكي وسيلة لمعرفة صحة الشهادة من خطئها حتى ترد الشهادة عندما يكون هنالك يقين باستحالة رؤية الهلال في يوم غيم بحيث يدرك الكل بأنّ رؤيته متعذرة فهذه الشهادة ولو صدرت من عدول هي مردودة. وإذا ما شهد الشهود لأنّهم رأوا الهلال في غير مطلعه -في غير الأفق الذي يرى منه- فلا ريب أنّها شهادة باطلة ولو كان الشهود عدولا. وعندما يثبت ثبوتًا جازمًا بأنّه تعذر رؤية الهلال في ذلك اليوم بحسب ما يقتضيه علم الفلك فالتعويل على ذلك في رد هذه الشهادة أمر ليس فيه أي حرج. هكذا نرى ونعتمد هذا وإذا ثبتت الرؤية في بلد لزمت أهل البلدان المجاورة التي لا تفصل بينها وبين البلد الذي رؤي فيه الهلال مسافة تختلف معها المطالع، وهو معنى ما جاء في النيل (والبلاد إذا لم تختلف مطالعها كل الاختلاف وجب حمل بعضها على بعض) والله أعلم. انتهى كلامه.
وعليه فان رؤية الهلال منوطة بأهل العلم والدراية والاختصاص وهم من يقرر إمكانية الرؤية من عدمها ولا مجال للعامة أن يخوضوا في مثل هذا الحديث لأنهم لا يملكون العلم الكافي والفهم الكامل لأبعاد ومقاصد الشرع الشريف والدين الحنيف وعامة الناس في كل بلد ملزمون باتباع ولي أمرهم ورأي علمائهم وقد أفتى علماء الأمة على اختلاف مذاهبهم بأن اتباع ولي الأمر هو الواجب بل فرض شرعي لا يجوز مخالفته فمن شق عصا من طاعة فمات مات ميتة جاهلية أو كما جاء في الحديث الشريف.
أن الأمن والاستقرار اللذين نعيشهما ليحتم على كل احد منا أن يلتزم به ويحافظ عليه فهما من اجل نعم الله تعالى علينا وقد تميز مجتمعنا العماني ولله الحمد بالحفاظ على هويته ووسطيته واعتداله وهذا بدوره أدى إلى المحبة والتآلف والتعاون بين مختلف أطيافه وقبائله ومذاهبه فأصبحت العقيدة الواحدة والهدف الواحد والوطن الواحد يجمعنا ونعيش في ظله وننعم بخيراته وامنه واستقراره فلا نعرات طائفية ولا اختلافات مذهبية ولا نزاعات قبلية وهذا مشهود له من قبل الجميع فيجب علينا أن نحافظ على هذه اللحمة وهذه الوحدة ونكون دوما وأبدا مع قيادتنا ونلتزم بما يلزمنا به ولي امرنا فلا خير في الفرقة والنزاع والخصام فإنها تهلك الحرث والنسل .. وعلينا واجب تجاه هذا الوطن وهو الحفاظ على وحدته وأمنه واستقراره وان ننبذ التعصب والفرقة لأن الخطر كل الخطر ممن لا يقدر هذه النعمة ولا ينتمي لوطنه حتى وان حمل جنسيته وأكل من خيراته فان مثل هذا لا يقدر النعمة ولا يشكرها وهذا يجب علينا أن نحتويه وننصحه ونوجهه الوجهة الصحيحة ليعرف دينه ويقدر وطنه ويشكر نعم المولى سبحانه عليه .. قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) النساء. وأخيرا أقول لكم أيها الإخوة الأعزاء بأن مسألة الرؤية يجب أن لا تثير فتنة بين أبناء الأمة لأنهم في غنى عن الفتن وان ما يحيط بهم من الفتن والانقسامات الحاصلة بينهم اليوم يكفيهم فلا تزيدوا النار حطبا ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وفقنا الله وإياكم إلى كل خير وهدانا وإياكم إلى سبيل كل رشد وجنبنا طرق الغواية والضلال انه سميع مجيب ..