خطبة الجمعة: أول خطوة مهمة لحسن اسـتغلال رمضان تبدأ من الآن

بتعويد النفس على الطاعات والإكثار من القربات –
البون شاسع بين تجارة لا تتجاوز الماديات وأخرى تسمو بها الروح إلى أعـلى الدرجات –

عرض :سيف بن سالم الفضيلي –
خطبة الجمعة التي تعدها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية لهذا اليوم تشير إلى أن أول خطوة مهمة لحسن اسـتغلال رمضان تبدأ من الآن وذلك بحسن الاسـتعداد له بتعويد النفس على الطاعات والإكثار من القربات فتعود النفس على الصيام والقيام قبـل رمضان كما تعود على التصدق والإنفاق وعلى الإكثار من تلاوة القرآن وأنواع الطاعات حتى إذا حل الشهر اسـتقبله العبد بنفس اعـتادت المسارعة إلى الخير والإكثار من أعمال البر؛ فيكون مسـتحقا للثواب الجزيل، والأجر العظيم.

وتشير إلى أن رمضان موسم تجارة مع الله وعلى هذا فإن التجارة مع الله تجارة تسمو بها الروح إلى أعلى الدرجات.. وإلى ما جاء في الخطبة…

الحمد لله الذي (اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ). ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يجزل لعباده العطايا والهبات، ويكرمهم بمواسم يعظم فيها أجر الطاعات، ونشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، خير من صلى وصام، وزكى وقام، صلى الله عليه وسلم وعلى آله الذين كانوا في سبيل البر مسارعين، وفي الخيرات سابقين، عليهم وعلى من سار على نهجهم إلى يوم الدين.
أما بعد، فإني أوصيكم ونفسي – عباد الله – بتقوى الله عز وجل، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون).

أيها المؤمنون:

يروى أن مجاعة وقحطا أصاب الناس في خلافة أبي بكر الصديق، واشتدت حاجتهم ومسغبتهم، فنزلت بالمدينة يوما عير لذي النورين عثمان بن عفان، قد قدمت من الشام، فإذا هي ألف بعير موسوقة برا وزيتا وزبيبا، فأناخت بباب عثمان، فلما جعل أحمالها في داره، جاءه التجار، فقال لهم: ماذا تريدون؟‏‏ فقالوا: بعنا من هذا الذي وصل إليك، فإنك تعـلم حاجة الناس إليه،‏ فأربحوه بالدرهم درهمين،‏‏ فقال لهم: أعطيت زيادة على هذا،‏ قالوا: نربحك أربعة،‏ قال: أعطيت أكثر، قالوا: نربحك خمسة، قال: أعطيت أكثر،‏ فقالوا: ما في المدينة تجار غيرنا، وما سبقنا أحد إليك، فمن الذي أعطاك أكثر مما أعطيـنا؟‏‏ قال: إن الله أعطاني بكل درهم عشرة، فهل عندكم زيادة؟‏ قالوا: لا، قال: فإني أشهد الله، أني جعلت ما حملت هذه العير صدقة لله على المساكين وفقراء المسلمين، ثم أخذ يفرق بضاعته، فما بقي من فقراء المدينة أحد إلا أخذ ما يكفيه وأهـله. إنه حال المرء عندما يريد التجارة مع الله (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُور ، لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُور). فإذا كان تجار متاع الدنيا يتنافسون في أسواقهم، ويبذلون الجهد في أرباح تجارتهم، ويسـلكون السبل لتحـقيق غاياتهم، فإن أهـل التجارة مع الله لكذلك يصنعون، حرصا، وتنافسا، وبذلا، لكن البون شاسع بين تجارة وتجارة، بين تجارة لا تتجاوز الماديات، وتجارة تسمو بها الروح إلى أعـلى الدرجات، بين تجارة قد تنحصر في المنفعة الشخصية، وتجارة ينتقل بها الخير لنفع الغير، بين تجارة لا تتعدى ميدان الدنيا، وتجارة يعم شذا أريجها الدنيا والآخرة.

معاشر المؤمنين:

يأتي أبو بكر الصديق إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم بكل ماله متصدقا ليوم تبوك، فيسأله نبي الله: ((يا أبا بكر، ما أبقيت لأهـلك؟))، قال: أبقيت لهم الله ورسوله، إنها تجارة مع الله. ولما سمع عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل))، صار لا ينام من الليـل إلا قليلا، صلاة وتهجدا، إنها تجارة مع الله. وعبد الرحمن بن عوف تكثر صدقته وإنفاقه، حتى قيل: إن أهـل المدينة جميعا شركاء لابن عوف في ماله، يقرضهم ثلثه، ويقضي عنهم ديونهم بثلثه، وثلث يصلهم به ويعطيهم، إنها صور من حياة أهـل التجارة مع الله، فأهـل التجارة مع الله هم العابدون المخلصون، والمنفقون المتصدقون، والمصـلحون المجـتهدون، والمجاهدون المضحون. يقول ذو الجلال والإكرام عن هذه التجارة الرابحة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيم ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون ، يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم)، التجارة مع الله هي التي أقامت المتهجدين في السحر ذكرا وشكرا، هي التي قوت الصائمين لتحمل السغب والتعب، وسهلت على الدعاة والمصـلحين بذل أموالهم وحياتهم لله مخلصين، يقول الله تعالى عن هؤلاء التجار(إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ)، فأكرم بتجارة المشتري فيها هو الله، وبضاعتها العمل الصالح، وعوضها جنة (عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِين). إن تصوير الله عز وجل مجازاته لعباده المؤمنين المصـلحين بتجارة مضمونة الربح، عظيمة النفع؛ ليحث العبد على الجد والاجـتهاد، والعمل والبذل، والتضحية والعطاء، لكن هذا لا يكون إلا حال المؤمن الذي تتوق نفسه إلى جنة ربه، ويسمو بوجدانه حب مرضاته، أما غيره من الساهين اللاهين، فلا يحرك في نفوسهم هذا التصوير ساكنا؛ لأنهم بالدنيا متعلقون، وعن الآخرة غافلون، قد تشبثت نفوسهم بالعاجل، وزهدوا في الثواب الآجل.

معاشر التجار مع الله:

إن لكل تجارة مواسمها، التي تزداد فيها أرباحها، وتعظم فيها منفعتها، وهذا هو حال التجارة مع الله، فلها مواسم ينتظرها المؤمنون بشوق، وتتعلق بها قلوبهم، يرجون بها نيـل درجات القربى، ويطمعون فيها بالزلفى، ويعدون العدة لاسـتقبالها، كما يشحذون الهمم لاغتنامها. ومن هذه المواسم العظيمة المباركة – إخوة الإيمان والتقى – شهـركم القادم (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ). شهر رمضان الذي يوشك أن يفتح لكم أبوابه، ويرخي عليكم جلبابه، شهر رمضان ذو الرحمة المسدلة والبركة المسبغة، يقول رسولكم الكريم صلى الله عليه وسلم عن حال التجار مع الله وما ينالونه في رمضان: ((من صام رمضان إيمانا واحـتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه)) ويقول: ((من قام رمضان إيمانا واحـتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه))، بل يبين عليه الصلاة والسلام أنه لو علم المرء حدود الربح وأبعاد الفوز في رمضان لتمنى أن يطول موسمه، وتزيد أيامه، فيقول بأبي هو وأمي: ((لو علمـتم ما في رمضان لتمنيـتم أن يكون سنة)). فيا لله ما أجمل المسارعة إلى الطاعات والزيادة من القربات في رمضان، ما أجمل تلاوة الآيات وإقام الصلوات فيه، وما ألذ نفحات الاستغفار في الأسحار، وما أطيب الصبر على العطش والجوع والرغبات، طمعا في مرضاة رب الأرض والسماوات. وها أنتم -أيها الأحبة – قد صرتم هذه الأيام تعطرون مجالسكم بذكر قدومه الميمون، وخيره المكنون، وتتطلعون لرؤية هلاله، وتتوقون إلى حسن اسـتغلاله. فهنيئا لكم تعلقكم بموسم الخيرات، وحرصكم لنيـل البركات فيه والنفحات، ورجاؤكم أن تكون تجارتكم مع ربكم فيه رابحة، وجهودكم لنيل ذلك ناجحة.
بلغكم الله شهركم، وأنالكم مطلوبكم، وجعلكم من أهـل التجارة معه، الذين بشرهم بالخير العميم، والفوز العظيم، (فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم).
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم،وادعوه يستجب لكم إنه هو البر الكريم.
*** *** ***
الحمد لله، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا محمدا رسول الله، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحـبه ومن والاه.
أما بعد، فاعـلموا – عباد الله – أن أول خطوة مهمة لحسن اسـتغلال رمضان تبدأ من الآن، وذلك بحسن الاسـتعداد له، بتعويد النفس على الطاعات، والإكثار من القربات، فتعود النفس على الصيام والقيام قبـل رمضان، كما تعود على التصدق والإنفاق، وعلى الإكثار من تلاوة القرآن وأنواع الطاعات، حتى إذا حل الشهر اسـتقبله العبد بنفس اعـتادت المسارعة إلى الخير والإكثار من أعمال البر؛ فيكون مسـتحقا للثواب الجزيل، والأجر العظيم، فهل هيـأنا نفوسنا لاسـتقبال هذا الشهر الكريم حقا – أيها الكرام -؟ هل تسابقنا في ميدان الطاعات والقربات اسـتعدادا لعمل الطاعة فيه؟ هل وضعنا جدولا زمنيا منضبطا للأعمال التي سنقوم بها ويقوم بها أبناؤنا في هذا الشهر الفضيل؟ فمن كانت إجابته بـ(نعم)؛ فهنيئا له، ومن كانت إجابته بـ(لا)؛ فما زال له في الوقت بقية ليعود نفسه قيام الليـل، ومضاعفة الذكر، والالتزام بورد من كتاب الله تلاوة وتدبرا، وما زال في الوقت بقية ليعود نفسه على مد يد العون والصدقة للمحـتاجين، ما زالت عنده فرصة كافية ليعد لنفسه وأهـله خطة محكمة لاسـتغلال أوقات رمضان ومضاعفة العمل فيه. إن هناك من يسارع هذه الأيام – أيها الأحبة – إلى غزو الأسواق، وكثرة الإنفاق، ينفق لما لذ من طعام وشراب، ويشتري ما يلزم للموائد والولائم، وليس في ذلك من معيب إذا سلم المرء من أمرين؛ الإسراف وتضييع فرصة رمضان. فإن كان المرء يشغل نفسه بالإعداد لموائد رمضان، مع إهـمال الإعداد لحسن العمل فيه؛ فهذا عين البخس لحق الشهر، وعين الغفلة عن إدراك حقيقته وفضـله. وأما المنفق على موائده بإسراف، فقد سلك سبيل الانحراف، ألم يقل المولى جل وعلا لعباده: (وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِين)، وقال سبحانه: (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا)، والأمر يزداد بشاعة – إخوة الإيمان – إن كان ممـتزجا بالمباهاة والمفاخرة، يقول الحكيم الخبير: (تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين).
فاتقوا الله – عباد الله -، وكونوا من أهـل التجارة مع الله، تنالوا سعادة الدنيا ونعيم الآخرة، وأحسنوا الاسـتعداد لشهركم الذي تنتظرون، بارك الله لكم فيما بقي من شعبان وبلغكم رمضان، ورزقكم صوما بإيمان واحـتساب، إيمان بما عنده واحـتساب لثوابه.
هذا وصلوا وسلموا على إمام المرسلين، وقائد الغر المحجلين، فقد أمركم الله تعالى بالصلاة والسلام عليه في محكم كتابه حيث قال عز قائلا عليما: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).
اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت وسلمت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن أزواجه أمهات المؤمنين، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعن المؤمنين والمؤمنات إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم اجعل جمعنا هذا جمعا مرحوما، واجعل تفرقنا من بعده تفرقا معصوما، ولا تدع فينا ولا معنا شقيا ولا محروما.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ووحد اللهم صفوفهم، وأجمع كلمتهم على الحق، واكسر شوكة الظالمين، واكتب السلام والأمن لعبادك أجمعين.
اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام، لا إله إلا أنت سبحانك بك نستجير، وبرحمتك نستغيث ألا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا أدنى من ذلك ولا أكثر، وأصلح لنا شأننا كله يا مصلح شأن الصالحين.
اللهم ربنا احفظ أوطاننا وأعز سلطاننا وأيده بالحق وأيد به الحق يا رب العالمين، اللهم أسبغ عليه نعمتك، وأيده بنور حكمتك، وسدده بتوفيقك، واحفظه بعين رعايتك.
اللهم أنزل علينا من بركات السماء وأخرج لنا من خيرات الأرض، وبارك لنا في ثمارنا وزروعنا وكل أرزاقنا يا ذا الجلال والإكرام. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، المسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعاء.

عباد الله: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون).