الصناعات الحرفية.. واجهة لروح النهضة

يشكل الاهتمام بالصناعات الحرفية ورعايتها إحدى واجهات الانتباه إلى التراث والموروث الوطني وترقيته، بل إدماجه في صميم مفردات العصر الحديث، ويمثل ذلك جوهر معنى النهضة التي تعني ارتباطا ما بين الأمس واليوم من أجل المستقبل، يقوم على الاستفادة من معطيات التاريخ وتراث الأجداد في سبيل صناعة الحياة المستقبلية المشرقة للجميع.
غير أن عمليات انتقال تراث الماضي إلى المستقبل، لابد أن يمر عبر الحاضر ويخضع لعمليات من التداول المعرفي والمراجعات الفكرية والمساءلات التي تقود إلى نتائج طيبة بشأن الأخذ بالموروث، وحيث يصبح ذلك التراث قابلا للتعايش مع الحياة الإنسانية الجديدة، ويكون للأجيال الصاعدة أن تتماهى معه بشكل إيجابي وفاعل.
وقد أنشأت السلطنة الهيئة العامة للصناعات الحرفية لتقود هذا العمل الوطني والمبادرات التي تعمل على تطوير التراث الحرفي ونقله إلى مساحات أرحب في التلاقي مع الحياة الإنسانية، وفي الوقت نفسه فإن ثمة اهتماما متعاظما بتراث السلطنة في كافة القطاعات إيمانا بأن الحداثة تأتي من عمق الانتماء للتاريخ، ولكن بعد أن يخضع للنقد والغربلة والقراءة العصرية.
في هذا الإطار يمكن الحديث عن الأهمية الكبيرة للمعارض الحرفية التي تنظمها الهيئة العامة للصناعات الحرفية مثل معرض سوق الحرف بالسيب، الذي يهدف إلى التعريف بالصناعات الحرفية المختلفة وتسويق منتجاتها، حيث إن مثل هذا المعرض وغيره، يعتبر مهما في رفد التجربة وتعزيز التواصل مع المواطنين والزوار والسياح في السلطنة.
فالزائر يحتاج إلى فضاء مكاني معين يستطيع أن يصل إليه ليحصل على مبتغاه من المنتجات والمعرفة كذلك، فالمنتج الحرفي ليس مجرد مادة جامدة بل هو يأخذ حيوية من خلال عمقه التاريخي والروح المختزنة فيه التي تحكي عن قصص الآباء والأجداد والماضي التليد. وهنا لابد من ثقافة ذلك الصانع أو البائع وهو يقدم ذلك المنتج للمشتري، بحيث يجعله قريبا من صورة معرفية وليس مجرد شراء منتج أو أيقونات جمالية فحسب.
تتيح مثل هذه المعارض العديد من الفرص للشباب الواعدين ورواد الأعمال، فهي مصدر للرزق قابل للتطوير والتحديث وليس من حد لذلك سواء الابتكار والعمل المستمر على الإضافة، وربما هذه هي روح الشباب المتطلع الذي يؤمن بالجديد ويستعين بالمثابرة في تقديم ما هو أفضل حتى يحقق ذاته ومن خلال تحقيق الذات يكون أيضا قد أفاد مجتمعه ووطنه.
يبقى القول بأن مفهوم المنتج الحرفي في حد ذاته هو مسألة بقدر وضوحها إلا أنها تخضع للابتكار، كما أن المنتجات التقليدية نفسها يمكن أن تخضع للتطوير دون أن تفقد خواصها، ولن يحد ذلك سوى العقل الوقاد الذي لا يفتر عن الرؤية الجمالية المتعطشة لتقديم المبتكر والجديد والحيوي المتماشي مع روح هذا العصر.
يمكن أن نشير في النهاية إلى مشروع كلية الأجيال التي تصب أيضا بشكل ملموس في موضوعات التراث والموروثات والحرفيات عامة، وهي ذلك المشروع الذي جاء بتوجيه من المقام السامي في سيح الشامخات 2013، ويتوقع أن يكون له ثمرات طبية على مستويات عديدة في شأن النظر إلى الصناعات الحرفية وتطويرها وفق مناهج علمي وأسس حديثة، وكل ذلك يخدم في مشروع النهضة ومسيرة النماء المستدام معرفيا وإنسانيا.