صفقة القرن والمصير المتوقع

عوض بن سعيد باقوير – صحفي ومحلل سياسي –

إن ملامح تلك الصفقة لا تعطي أي أمل وسوف تكون محاولة جديدة لتصفية القضية الفلسطينية وهو أمر لن ينجح لأسباب موضوعية تمت الإشارة إليها ومن الصعب إن لم يكن من المستحيل التوقيع أو الاستجابة لصفقات لا تعطي الشعب الفلسطيني حقوقه، ومن هنا فإن النظام الرسمي العربي يعي هذه الحقيقة وهذه المسؤولية التاريخية والتي لا يمكن المغامرة بشأن معاييرها القانونية والأخلاقية.

أخيرا تم التصريح من قبل مستشار الرئيس الأمريكي ترامب جاريد كوشنر بأن خطة السلام الأمريكية المعروفة إعلاميا بصفقة القرن سوف يتم الكشف عنها في شهر يونيو القادم بكل تفاصيلها على الصعيدين السياسي والاقتصادي، ومن هنا فإن الترويج لتلك الصفقة بدأ مبكرا من خلال زيارات لعدد من الدول العربية من قبل كوشنر وأيضا من خلال بعض التسريبات والتي تتحدث عن مزايا تلك الصفقة والترويج للشرق الأوسط الجديد أو الكبير كما تحدث عنه شيمون بيريز رئيس إسرائيل السابق.
إذن القضية الفلسطينية أصبحت المحور الأساسي لتلك الصفقة من خلال أفكار مبتكرة كما يروج لذلك أصحاب هذا المخطط والذي يهدف في نهاية المطاف إلى تصفية القضية الفلسطينية بشكل كامل بدليل القرارات الانفرادية وغير القانونية والتي اتخذها الرئيس ترامب خاصة حول مدينة القدس المحتلة.

القضية الفلسطينية

القضية الفلسطينية ومنذ النكبة عام 1948 وهي القضية المركزية للعرب وهناك تعاطف عالمي من الشعوب وهناك قرارات الشرعية الدولية وقد تمادت إسرائيل خلال العقود السبعة الأخيرة بسبب الدعم الأمريكي وأيضا الضعف العربي والخلافات الفلسطينية – الفلسطينية ونحن هنا نتحدث عن الإشكال المزمن بين حركتي فتح وحماس. وعلى ضوء ما يحاك للقضية الفلسطينية من مؤمرات تهدف إلى تصفية القضية ومن خلال ما سوف يكشف النقاب عنه في خطة السلام الأمريكية، فإن ذلك قد يكون له جانب إيجابي وهو أولا إظهار الموقف العربي المتماسك والذي ظهر مؤخرا في القمة العربية في تونس وثانيا لم شمل الشعب الفلسطيني وأيضا إيجاد مصالح حقيقية بين حركتي حماس وفتح في ظل تلك المتغيرات المتسارعة والتحديات الخطيرة التي تحيط بمصير القضية الفلسطينية.
ورغم ما يحاك من خطط لوأد حقوق الشعب الفلسطيني ورغم الضعف العربي وتآكل التلاحم العربي الدور السلبي لجامعة الدول العربية والظروف الدولية المحيطة فإن القضية الفلسطينية سوف تظل القضية الملهمة والصامدة للشعب الفلسطيني والأحرار في العالم لأنها قضية عادلة.
لقد مرت على القضية الفلسطينية العديد من المؤمرات خلال الخمسين عاما الأخيرة وخاصة من قبل الإدارات الأمريكية المتعاقبة خاصة خلال محادثات كامب ديفيد وواي ريفر في عهد الرئيس الأسبق بيل كلينتون والضغط الكبير الذي تعرض له الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات والسيناريو الآن يتكرر وموقف القيادة الفلسطينية نفسه برئاسة الرئيس الفلسطيني محمود عباس يظل ثابتا مع المشروع الوطني الفلسطيني.

خطة السلام الغامضة

عند الحديث عن الصفقة فإن ذلك يعني تنازلات من الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي وهذا منطق مغلوط فإسرائيل تحتل أرض فلسطين وكل القرارات الدولية تصنف وجود إسرائيل في الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس بمثابة احتلال، ومن هنا فإن مبدأ التنازل الفلسطيني مرفوض وأن السلام العادل والشامل يفرض على الكيان الإسرائيلي أن ينسحب من الأراضي الفلسطينية التي احتلها في حرب عام 1967 وإذا كانت خطة السلام لا تتضمن هذا المبدأ فإن الفشل الكامل سوف يكون مصير صفقة القرن وسوف يكون مصيرها مصير سابقتها في كامب ديفيد وواي ريفر وهي أفكار متشابهة وهي التنكر لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس الشرقية.
ويعد الجانب الاقتصادي هو الجانب الذي يراد له تمرير خطة السلام الأمريكية من خلال التعويضات للفلسطينيين ولمصر والأردن مقابل موضوع التوطين أو التخلي عن موضوع اللاجئين الفلسطينيين وهناك حديث حول مليارات الدولارات التي سوف تكون ضمن الخطة والتي سوف يتم الإعلان عنها في شهر يونيو القادم.
وتشير كل التسريبات التي تحدثت عنها عدد من الصحف الأمريكية البارزة كصحيفة نيويورك تايمز إلى أن موضوع الدولة الفلسطينية المستقلة هو موضوع محل شك وقد يكون الحديث عن حكم ذاتي في المرحلة الأولى ويتم تأجيل موضوع القدس والسيادة إلى مفاوضات نهائية وهو أمر مشكوك فيه.
إن صفقة القرن هي من أخطر مشروعات التسويات تاريخيا على القضية الفلسطينية وهي تأتي في ظل مناخ سياسي تم الاعتماد والتعويل عليه من خلال نظام سياسي عربي ممزق وفي ظل حروب أهلية عربية عديدة وفي ظل خلافات متواصلة تمنع أي تكتل عربي ضد أي مخطط محتمل، ومن هنا فإن المعركة السياسية حول صفقة القرن سوف تكون كبيرة وسوف يكون هناك صمود شعبي فلسطيني وعربي مؤثر وهو المتغير الأهم في إفشال الصفقة وليس المواقف السياسية.

الصمود الشعبي

الموقف السياسي للسلطة الوطنية الفلسطينية ثابت ورافض لأي تسوية سياسية لا تستجيب لتطلعات الشعب الفلسطيني وهنا يأتي الانسجام بين الموقف السياسي والصمود الشعبي وهذا أمر مهم في ظل خطة السلام الأمريكية المرتقبة، فالشعوب هي التي تحدث الفرق وهناك مشاهد واضحة رأيناها في الجزائر والسودان، كما أن الموقف الرسمي الأردني هو الآخر ثابت انطلاقا من الولاية الهاشمية على الأراضي المقدسة الإسلامية في القدس المحتلة وهذا يعني أن ذلك الموقف الرسمي الأردني ينسجم مع الموقف الشعبي الأردني خاصة أن الشعبين الأردني والفلسطيني بينهما من الوشائج والتاريخ المشترك الكثير وهما من أكثر الشعوب العربية تقاربا وتلاحما، وعلى ضوء قرارات القمم العربية الأخيرة في السعودية وتونس فإن صفقة القرن مصيرها الفشل إذا لم تستجب لتلك الطموحات الفلسطينية واسترداد الحقوق الثابتة وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس الشرقية على ضوء المبادرة العربية والتي أقرتها قمة بيروت عام 2002 في بيروت ومن هنا فإن الضغوط الأمريكية هي ضغوط مؤقتة ولن يكتب لها النجاح فالشعب الفلسطيني الذي ناضل وكافح أكثر من مائة عام لن يتنازل عن حقوقه الثابتة ومشروعه الوطني.
إن خطة السلام الأمريكية والتي يشرف عليها كوشنر وبولتون ومستشارو البيت الأبيض هي صفقة تعتمد على التعاون الاقتصادي وجمع الأموال وإيجاد مشروع مارشال لدول الشرق الأوسط وهندسة المنطقة من جديد وهذا الأمر هو الأكثر خطورة وجدلية في صفقة القرن.
إذن الموقف الشعبي الفلسطيني سوف يكون هو الفيصل في موضوع صفقة القرن، ومن هنا فإن ما يحدث في المنطقة من حروب وتوترات بين إيران والولايات المتحدة هو جزء أصيل من صفقة القرن وهو إيجاد منطقة مهادنة للمشروع الأمريكي في ظل إدارة أمريكية هي الأكثر انحيازا وتعاطفا مع الكيان الإسرائيلي وضد المصالح العربية.
وفي ظل تلك المتغيرات وترقب الإعلان عن خطة السلام الأمريكية فإن المطلوب هو الحد الأدنى من التضامن العربي وحماية القضية الفلسطينية وهي قضية العرب المركزية من أي تصفية محتملة، وإذا كان مشروع السلام الأمريكي سوف يتماشى مع قوانين وقرارات الشرعية الدولية فإن العرب هم دعاة سلام ولديهم مبادرة حقيقية لا تزال قابله للنقاش والحوار أما إذا كان الحديث عن هندسة المنطقة سياسيا واقتصاديا وتطبيق مارشال الشرق الأوسط فإن الخطر قادم لا محالة، وهنا سوف يتجلى أهم متغير والذي يعوّل عليه في المقام الأول وهو صمود الشعب الفلسطيني والشعوب العربية وأحرار العالم لمنع تلك الصفقة، وبالتالي يكون مصيرها عددا من الخطط والتسويات والتي ترمي إلى إهدار الحقوق الثابتة والمشروعة للشعب الفلسطيني والذي سوف يناضل ويكافح للحفاظ على مشروعه الوطني وحقه في الحياة في دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة، وهو أمر لن يتنازل عنه الشعب الفلسطيني ولن يكون هناك مجال لأي تسويات تحاول طمس ملامح المشروع الوطني الفلسطيني.
إن ملامح تلك الصفقة لا تعطي أي أمل وسوف تكون محاولة جديدة لتصفية القضية الفلسطينية وهو أمر لن ينجح لأسباب موضوعية تمت الإشارة إليها ومن الصعب إن لم يكن من المستحيل التوقيع أو الاستجابة لصفقات لا تعطي الشعب الفلسطيني حقوقه، ومن هنا فإن النظام الرسمي العربي يعي هذه الحقيقة وهذه المسؤولية التاريخية والتي لا يمكن المغامرة بشأن معاييرها القانونية والأخلاقية.