بين السياسات الواقعية والأوهام السياسية

د. صلاح أبو نار –

خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة توالت مؤشرات معلنة حظيت بالكثير من الاهتمام، تخبرنا أن «صفقة القرن» المنتظرة سوف تقوم واشنطن بإعلانها رسميا قريبا. وحمل هذا الأمر معه أكثر من مفارقة مثيرة للسخرية.

تخبرنا الأولى أن الصفقة المنتظرة في حقيقة أمرها، قيد التنفيذ العملي والصاخب منذ ما يقرب من عامين. وتفيدنا الثانية أن القواعد الحاكمة للصفقة التي طرحتها علينا تلك المؤشرات، معروفة ومتداولة منذ ما يزيد عن عام، وأن ما سنعرفه هو مجرد المقترحات المفصلة لتطبيق مبادئ تواجه رفضا عاما حتى داخل المؤسسات الأمريكية ذاتها.
ونخرج مما سبق بنتيجة مضمونها أن الجديد في الأمر كله هو توقيت الإعلان الرسمي لتفاصيل الصفقة، الذي حددته واشنطن وتل أبيب لأسباب سياسية داخلية أساسا. أمريكيا يستعد ترامب للانطلاق في سباق رئاسته الثانية، وهو يستعد لذلك بعد خروجه من معركة انتخابات التجديد النصفي للكونجرس مهزوما، ومن معركة تحقيق مولر نصف منتصر في معركة لا تزال لها ذيول كثيرة وصعبة، عبر قضايا تنظرها محاكم فيدرالية والنشر المفصل لوقائع التقرير. وبالتالي سيكون من المهم له إعادة تقديم أوراق اعتماده، لقواعد جماعات الضغط اليهودية واليمين المتطرف والصهيونية المسيحية. وإسرائيليا اجتاز نتانياهو محنة إعادة انتخابه رئيسا للوزراء، وأصبح راغبا في اتخاذ قرارات اكثر جسارة في المسألة الفلسطينية، في مواجهة مخاطر تحالف يميني يحمل داخله قدرا هائلا من الهشاشة السياسية وانطلاق التحقيق الرسمي في تهم الفساد الموجهة إليه في نوفمبر القادم.
ونحن يمكننا أن نرصد أبعاد ما دعوناه التطبيق العملي لصفقة في عدة ظواهر. تبلورت صورة القضية الفلسطينية في الوعي العربي والضمير العالمي في عدة أركان. إنها قضية وطن سليب وارض محتلة وشعب طُرد من أرضه ومقدسات دينية، وعبر مسار جولات الصراع التاريخية الثلاث والتحولات السياسية التي رافقتها، تشكل إجماع سياسي عربي وعالمي على حلها عبر مبادئ: حق تقرير المصير، وبناء دولة مستقله ذات سيادة علي جزء من أرضه المحتلة عاصمتها القدس، وحق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى أراضيهم المحتلة، والتفاوض كمنهج لحل الصراع وبناء الاتفاقات عبر الاحتكام للمبادئ التي أقرتها الشرعية الدولية. ولقد انطلقت عملية أوسلو عبر إجماع عام ونظري على هذه المفاهيم، ولكن داخل هذا الإجماع كانت هناك تناقضات عميقة تفصل جانبي الصراع. وقادت تلك التناقضات في النهاية الى الشلل العميق الذي حل بعملية أوسلو، بعد أن كان المأمول منها أن تتحول الى منصة لاستكمال المسيرة. ويمكن القول إن المسيرة العملية لصفقة القرن هي مسيرة الانقضاض على تلك المبادئ الأساسية، وليس الانقضاض على أوسلو التي كانت قد ماتت كعملية سياسية خلفت ورائها الهياكل السياسية المشلولة للسلطة الوطنية الفلسطينية. وأصبح المطلوب الآن الانقضاض على تلك المبادئ حتى لا تستخدم من جديد كمدخل لإحياء أوسلو كحد أدنى، أو خلق إطار بديل أكثر كفاءة واتساقا والتزاما من إطار أوسلو. والمفارقة ان هذا هو بالضبط مطلب اليمين الديني الصهيوني، الذي تبنته حرفيا إدارة الرئيس ترامب. وعلى هذا الأساس يمكننا فهم قرارات ترامب المتوالية. قرار الاعتراف بالقدس الذي يستهدف إطلاق عمليه تراجع للإجماع الدولي بشأن القدس، وقرار الانسحاب من اليونيسكو الذي يستهدف إطلاق عملية كسر للإجماع الدولي بشأن السيطرة الإسرائيلية على المناطق المقدسة في القدس والضفة، وقرار الانسحاب من الأونروا الذي يستهدف تهيئة المجال لتصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين ومعهم حق العودة، وقرار رفض حل الدولتين الذي يستهدف حق الفلسطينيين في تقرير المصير والدولة المستقلة ذات السيادة، وقرار عدم اعتبار بعض مناطق الضفة الغربية أرضا محتلة الذي يستهدف دعم شرعية الاستيطان الإسرائيلي، وقرار الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية علي الجولان الذي يسعى لإضفاء الشرعية الواقعية على كل توسعات إسرائيل في 1967، ومن ضمنها الضفة الغربية، والأخطر منهج القرارات الأحادية والعداء المعلن للسلطة الفلسطينية كمدخل لتقليص جدوى فكرة التفاوض ذاتها.
وخلال الفترة من فبراير حتى أبريل الراهن توافرت لدينا عدة تصريحات منسوبة الى كبار رجال الإدارة الأمريكية، ترسم لنا المبادئ العامة الموجهة لخطة ترامب المتوقع إعلانها. ولدينا في هذا الصدد حديث جاريد كوشنر مع سكاي نيوز ارابيا في 18 فبراير 2018، وحديث ديفيد فريدمان السفير الأمريكي في إسرائيل أمام آيباك في 26 مارس، وحديث جورج بومبيو أمام مجلس الشيوخ في 27 مارس، وتقرير واشنطن بوست بتاريخ 14 أبريل والذي ينسب معلوماته إلى مسؤولين كبار داخل البيت الأبيض لا يريدون ذكر أسمائهم.
ولا تختلف المبادئ التي نجدها داخل هذه التصريحات عن ما حللناه أعلاه، لكنها تمنحها لنا مجددا عبر مزجها في صيغ سياسية تسعى لإخفاء التراجعات الجارية، وبدائل سياسية تسعى للترويج لهذه التراجعات باعتبارها مكاسب. سوف تكون ابرز الملاحظات هي هذا الحرص الواضح عل إشهار رفض حل الدولتين، وفي معرض تفسير هذا الرفض ستطرح حجتين. حجة أنيقة ونظرية تظهر في الواجهة وتتظاهر بالعمق التاريخي، تقول إنه الحل الذي سيطر علي مسار عمليه استمرت ثلاثة عقود وأثبتت التجربة عقمها وعدم واقعيته، وحجة ثانية واقعية نجدها علي أطراف النقاشات، وتقول: ان الدولة الفلسطينية تشكل تهديدا للأمن الإسرائيلي. ومع غياب فكرة حل الدولتين العمدي ستغيب كل منظومه فكرة التحرر الوطني، فلا حديث عن ارض محتلة أوعن حدود أصلية أوعن حق تقرير مصير أوعن سيادة وطنية. فكل هذا أحيل للاستيداع السياسي، وعندما يتحدث كوشنر عن الحدود مثلا يتورط في حذلقة عقيمة من نوع: الحديث عن الحدود هو نفسه حديث عن إلغاء الحدود. وفي مقابل غياب هذه المفاهيم والمبادئ، تتقدم منظومة مفاهيم هلامية، ومصاغة بطريقة تجعلها خالية من المغزي السياسي، يحددها كوشنر في أربعة مبادئ. الأول: الحرية وتعني حرية الفرص وحرية العقيدة والعبادة، ولكن كوشنر لا يذكر منها حق تقرير المصير. والثاني: الفرصة وتعني حق الناس في ان تكون لهم حياة افضل، وان لا ينخرطوا فيما يعتبره صراعات تاريخية عقيمة ورثوها عن أجدادهم وتحرمهم من بناء فرص أفضل لحياتهم. والثالث: الاحترام ويعني حق الناس في الكرامة واحترام الآخرين. والرابع: الأمن ولا نجد استفاضة في شرحه. وحاصل هذا كله أن تلك الخطة جوهرها الاقتصاد، أي إنشاء بنى أساسية ومؤسسات تنمية بشرية ومشاريع توفر وظائف ومحطات كهرباء ومياه ومدارس. وكل هذا لا غبار عليه ومطلوب، ولكنه سيتم في ظل بقاء الاحتلال والمستوطنات، بل ومع إطلاق العنان لكل هذا. ولان هذا هو جوهرها فإن عملية الإعداد لإطلاق الخطة لا تهتم كثيرا بالتفاوض مع أهل السياسة الفلسطينية، بل تهتم أساسا بالتفاوض مع مصادر التمويل الخارجية.
ولكن السؤال الملح الذي يطرح نفسه: ماهي حظوظ تلك الخطة من النجاح؟ على المدي المتوسط والبعيد، لا يمكن لخطة تتجاهل العمق السياسي والتاريخي للمسألة الفلسطينية ان تحقق أي نجاح حقيقي. ولكن ماذا بشأن المدى القريب؟ هنا ستتقدم حسابات السياسة. يتطلب الأمر هنا سلطة فلسطينية على استعداد للتعاون والاندماج في الخطة، وكل المؤشرات تقول: ان هذا أمر مستحيل رغم تردي وضع السلطة الفلسطينية. تبدو هذه السلطة عاجزة عن مواجهة الخطة، لكنها أيضا تبدو غير مستعدة للاندماج فيها مهما كان الثمن. هل يمكن ان يكون الحل هو البحث عن بديل مذعن للقيادات الراهنة من داخل مؤسسات السلطة ذاتها؟ يصعب تصور ذلك، ولو حدث سيواجه صعوبات ضخمة تشل تماما إمكانيات فعله السياسي والاجتماعي الواسع. ولا يمكن الاعتماد علي بديل بهذه الهشاشة، لكي يؤتمن علي استثمارات بهذه الضخامة. هل يمكن ان يكون الحل هو تجاوز السلطة كليا والاتجاه مباشرة صوب الفلسطينيين عامة او قوى اجتماعية معينة ونافذة فيهم في محاوله لاجتذابهم ضد السلطة؟ يتطلب هذا ماهو اكثر من اشعال الطموحات الاقتصادية العامة، والتحالفات السياسية الخاصة. في ظل مجتمع فلسطيني تشبع بخطاب وطني جذري لعقود طويلة، يستلزم هذا حداً ادني من إشباع المطالب الوطنية الفلسطينية، وهذا امر لا يمكن ان يتحقق بدرجة معقولة في ظل التركيبة السياسية الحالية للإدارة الأمريكية وسيطرة اليمين الصهيوني الراهنة. وهل يمكن ان تتقدم هذه الخطة عبر وساطة إقليمية ما؟ يصعب تصور ذلك في ظل رفض الداخل الفلسطيني، إذ لابد لتلك الوساطة بافتراض إمكانية وجودها، من قاعدة فلسطينية داخلية قوية وشرعية تتعاون معها. وإذا صحت تلك التحليلات كيف يمكننا تفسير هذا الذي يجري؟ من يقرأ أحاديث كوشنر القابض علي مسار العملية كلها، سوف يذهل من طريقة التفكير السياسي للرجل. ومن يتأمل مستوى الوعي التاريخي في تفكير قادة مثل ترامب ونتانياهو سوف يذهل من غياب المنظور التاريخي لوعيهم للصراعات الجارية. ومثل هذا النقص يولد رهانات مفرطة على السياسة والقدرة على فرض آليات الإذعان السياسي، داخل صراعات تاريخية ممتدة ومركبة يصعب تصور إخضاعها المباشر والفوري والدائم لتلك الآليات السياسية المؤقتة والعابرة.
وخلاصة الأمر أننا أمام أزمة في تكوين القيادات ونمط ثقافتها وادراكها للواقع، تحمل معها مشاريع وهمية تمتلك قدرة مؤقتة على الإقناع، وتجد داخل مشاهد سياسية عابرة بطبيعتها سندا يمنحها ضرورة ومصداقية مزيفة.