عقبات على الطريق

إميل أمين –

يمكن القطع بأن قضية ما لم تحتل مكانة أو زمانا طويلا مثلما فعلت القضية الفلسطينية، وذلك في العالمين العربي والإسلامي على حد سواء، فمنذ ثلاثينات القرن العشرين وحتى الساعة، أضحت هي قضية العرب المركزية، ولا تزال.

على انه قبل التساؤل الى أين تمضي القضية الفلسطينية قبل صفقة القرن الموعودة، ينبغي علينا ان نشير الى ان هناك بعدا مثيرا في عمق أعماق تلك الإشكالية، ما يجعلها مختلفة كل الاختلاف عما شابه من قضايا الصراعات على الأراضي المحتلة حول الكرة الأرضية.
إشكالية القضية الفلسطينية هي أنها متصلة بأراضٍ مقدسة من قبل أزيد من مؤمني نصف العالم، من الإبراهيميين الموحدين يهود ومسيحيين ومسلمين، وكل منهم لديه مقدساته في تلك الأرض، والمقدسات مطلقات لا تقبل القسمة ولا التفاوض، ولا يمكن التوصل الى حلول وسط بشانها، فلا احد يقبل قسمة الغرماء، ومن يعاني من الضعف اليوم، سيظل في الانتظار الى ان تقوى شوكته ذات يوم، ليذيق الطرف الآخر سوء العذاب، لتتبدل الأدوار، وهذا ما رأيناه في تلك البقعة منذ ألفي عام وحتى الساعة.
قبل بضعة أيام كانت مجلة «الفورين بوليسي» الأمريكية ذائعة الصيت تميط اللثام عن وثيقة سرية تكشف جزءا جديدا من صفقة القرن التي ستعلن عنها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد شهر رمضان المقبل.
وبحسب الوثيقة التي أرسلها صهر الرئيس ترامب السيد جاريد كوشنر، مستشار ترامب في 11 يناير الماضي الى كبار المسؤولين في البيت الأبيض فانه لا تبدو في الأفق فكرة قيام دولة فلسطينية مستقلة، بل حل وكالة الأونروا، وإيقاف المساعدات عن الوكالة الأممية بشكل كامل في المناطق العربية، واستيعاب اللاجئين الفلسطينيين في تلك الدول التي يقيمون فيها، وإقناع السلطة بتولي المسؤولية عن الفلسطينيين الذين يقطنون غزة والضفة الغربية المحتلة.
وثيقة كوشنر أيضا لا تعير أي التفاتة إلى حق العودة بالنسبة للفلسطينيين المشردين حول العالم منذ العام 1948 وحتى الساعة، الأمر الذي يظهر نقصا كبيرا في نزاهة الوساطة الأمريكية.
وفي وقت سابق قال منسق مكافحة الإرهاب في وزارة الخارجية الأمريكية «ناثان سيلز»، ان بلاده تتخذ تدابير وقائية، تحسبا لمعارضة الخطة الأمريكية المعروفة إعلاميا بصفقة القرن ولم يفصح منسق مكافحة الإرهاب في وزارة الخارجية الأمريكية عن طبيعة هذه التدابير.
مهما يكن من أمر، فإن قضية صفقة القرن لم يحن موعد الحديث عنها، ولا نوفر القول ان كل ما نسمعه او نقراه، يمكن ان يعد في اطار التوقعات والتخمينات، بل وحتى التسريبات وهي أبدا ودوما عادة ما تكون بالونات اختبار لقياس ردات الفعل العالمي تجاهها، وعليه يمكن لصانع القرار شرقا او غربا في تعديل او تبديل دفة توجهاته.
السؤال الحيوي الآن الى أين تمضي القضية والشعب الفلسطيني في الوقت الذي ترسم فيه أبحديات تلك الصفقة؟
في لقاءه الأسبوع الماضي في القاهرة كان محمود عباس ابومازن يدعو مجلس وزراء الخارجية العرب الى توفير دعم سياسي ومالي للشعب الفلسطيني، وتوفير شبكة أمان للسلطة الفلسطينية لمواجهة ما اطلق عليه التعنت الاسرائيلي، وعدم احترام الاتفاقيات المبرمة معه السلطة منذ عام 1993، متهما اسرائيل بعدم احترام الشرعية الدولية، وبعدم التزامها بأي اتفاق دولي أو قرار دولي منذ عام 1947، ومشيرا الى ان التحديات الراهنة هي الأخطر في تاريخ القضية الفلسطينية.
يعن للمرء التساؤل ما هي إشكالية الجانب الفلسطيني في الداخل اليوم، وهل هي قضية اقتصادية ام سياسية من جانب؟ بالطبع يمكن الإشارة الى ان إيقاف الولايات المتحدة الامريكية الدعم المالي الذي درجت على تقديمه لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين» الأونروا « منذ فترة قد أدى الى حالة مأساوية لأوضاع اللاجئين وزاد من الأعباء الملقاة على عاتق الدول التي تستضيفهم في المحيط العربي، ومن هنا يمكن للمرء تفهم ما نادى به وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي في الاجتماع الأخير في جامعة الدول العربية بالقاهرة، إذ أشار الى ضرورة تنفيذ القرارات التي اعتمدت في السابق والالتزامات المالية، خاصة فيما يتعلق بتفعيل شبكة الأمان العربية المالية والتي تم التحدث عنها كثيرا، وقد شدد الرجل على ان هناك حاجة ماسة لها الآن، سيما في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها الشعب الفلسطيني.
هل الإشكالية مالية؟ ان كان الأمر على هذا النحو فقد تم حل الإشكالية بعد ان اقر مجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية التزام الدول العربية دعم موازنة دولة فلسطين، وتنفيذ قرار قمة تونس تفعيل شبكة أمان مالية بمبلغ 100 مليون دولار أمريكي شهريا دعما لدولة فلطسين لمواجهة الضغوط السياسية والمالية التي تتعرض لها.
والشاهد انه وان كانت الدول لا تقوم على الإعانات والتبرعات، إلا ان الواقع الفلسطيني يحتاج الى تكاتف جهود الأشقاء العرب، ومن هنا يمكن النظر الى الإشكاليات المالية وحلها في إطار الشراكة والأخوة العربية – العربية.
غير ان واحدة من العقبات الكبرى التي لا يمكن حلها الا داخل إطار البيت الفلسطيني – الفلسطيني عينه، وهي عقبة الانقسامات بين الفلسطينيين انفسهم، فما هو قائم بين فتح وحماس، لا يمكن ان يعبد الأرض لمسيرة سلام حقيقية من الجانب الإسرائيلي.
والمؤكد ان ملف المصالحة الفلسطينية قد بات عبئا كبيرا على الأطراف العربية القريبة من القضية الفلسطينية، وقد كان ابو مازن واضحا جدا في حديثه في القاهرة عن الدور المعطل للوفاق الوطني مع حماس في سياق تهيئة البيت الفلسطيني في الداخل.
التساؤل الآن هل يمكن النظر الى النسيج الاجتماعي الفلسطيني الداخلي على انه وحدة واحدة متماسكة يمكنها ان تدخل في مفاوضات جديدة وجدية مع الجانب الأمريكي من اجل صفقة القرن؟
الجواب دون مواراة او مداراة هو انه لا يمكن لبيت منقسم على ذاته ان يثبت بهذا الشكل، بل انه لن تقوم له قائمة طالما باتت الانقسامات الداخلية تضرب جوانبه يوما تلو الآخر، ومن دون أي إرهاصات لحلول ومصالحات في الأفق.
ضمن العقبات التي تواجه القضية الفلسطينية مشهدان، الدولي عامة والأمريكي خاصة.. ماذا عن هذين الموقفين؟
الشاهد انه فيما يخص المشهد الدولي، فانه مرتبك كثير الارتباك، وربما منذ نهاية الحرب العالمية الثانية لم تعرف البسيطة حالة قلق مركب وليس بسيط كما هو الحال الآن، فلم تعد هناك ثنائية دولية احد أطرافها يعد ضامنا للفلسطينيين او راعيا لهم بدرجة تسمح لهم بالوقوف في وجه الولايات المتحدة الأمريكية ومخططاتها بالنسبة لهم.
العالم الآن رقعة شطرنج الكل يستخدم فيها البيادق المختلفة من اجل تحقيق اكبر قدر من المكاسب الذاتية، وتطويعها لخدمة أغراضه الخاصة، لا من اجل صالح القضية الفلسطينية.
اما بالنسبة الى الموقف الأمريكي فانه يعد في حد ذاته عقبة بالفعل، فقد أعطى من لا يملك من لا يستحق مرة أخرى، والحديث هنا عن الرئيس الأمريكي الذي اعتبر ان القدس عاصمة دولة إسرائيل واتخذ قرار نقل السفارة الأمريكية إليها، مخالفا بذلك كافة الأعراف والقرارات الدولية التي تنظر الى القدس بوصفها أرضا محتلة، ولا يجوز التصرف فيها، بل على المحتل المحافظة على وحدتها الجغرافية، وعدم تغيير أي طابع فيها وتحديدا الطابع الديموغرافي.
في هذا الإطار لا يمكن ان تكون واشنطن شريكا او وسيطا، بل عقبة، وفي حال تم التأكيد على ان صفقة القرن لن تتجاوز الطروحات والشروحات الاقتصادية دون الدخول في صلب القضية والاحتلال، والنص على قيام دولة فلسطينية مستقلة فان الأمر سيعد وعن حق مضيعة للوقت ولا طائل من وراءه.
العقبة النهائية ربما توجد على الجانب الإسرائيلي، وهي كذلك بالفعل، وهذا ما بينه معالي يوسف بن علوي الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية في حديثه الى شبكة التلفزيون الروسي في فبراير الماضي حين صرح بالقول: «لقد قلنا لرئيس الوزراء الإسرائيلي السيد بنيامين نتانياهو صراحة وبقوة لا أمان لدولة اسرائيل إلا بقيام الدولة الفلسطينية».
قد تكون هذه بعض من اهم العقبات في الطريق الى صفقة القرن، وليس من باب التشاؤم يرى المرء أنها تحول دون التوصل الى حلول عاجلة، لكن من باب الواقعية، وربما يكون ترك الأوضاع على ما هي عليه الآن افضل من مقترحات تؤدي الى نتائج اكثر سوءا في الحال والاستقبال.