الزكاة تحقق التكافل الاجتماعي وتعزز أواصر المودة

الزكاة في القرآن الكريم –
زهرة سليمان أوشن –

« الزكاة منظومة في غاية الترتيب وهي حركة استثمارية في المال لها أبعادها وآثارها الطيبة على الفرد تزكية وتطهيرا وسموا عن الشح والأنانية وتجعله يشعر بالآخرين ويسهم في مد العون لهم مع جزيل الجزاء في الآخرة، ولها مصارفها التي نجدها في سورة التوبة التي تحدد من يستحقها وتؤدى وفق معايير منضبطة حتى تحقق المطلوب منها وتصل إلى أهدافها المطلوبة في سد احتياجات المحتاجين وتيسير أمورهم المادية دون إراقة ماء وجوههم مع تحقيق التكافل الاجتماعي وتعزيز أصر الترابط بين أفراد المجتمع».

الزكاة في اللغة تأتي بمعنى النماء والزيادة والبركة وتأتي أيضا بمعنى الطهارة وصفوة الشيء، فهي تشمل المعنين معنى الزيادة والطهارة، قال تعالى في كتابه الكريم على لسان سيدنا إبراهيم: (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم).. فهنا التزكية بمعنى التطهير والتصفية والمباركة لأتباع النبي صلى ربي عليه، وحدثنا الله تعالى عن نبي الله يحيى فقال عنه: (وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقية)، ويأخذ لفظ الزكاة هنا المعنى المعنوي والنفسي، وينسحب معنى الزكاة إلى المجال المادي أو المالي، يقول الله تعالى (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم). فإخراج جزء من المال والتصدق به يبارك في المال ويطهره وينقيه مما يمكن أن يكون لحق به من دخن في كسبه. وهي ركن من أركان الإسلام وهي فرض على المسلم الذي تنطبق عليه الشروط وعليه أن يؤديها، ومنكرها كافر لأنه جحد ركنا من أركان الإسلام. قال تعالى: (وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة)، وفي الحديث عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت». وقد وردت آيات كثيرة في القرآن الكريم تحث على الزكاة ولعلي -أحبابي-أصحبكم في رحلة مع أهم الآيات التي تحدثت عن الزكاة وأتتبع سياقها وأقف عند أهم معانيها.
ويؤكد القرآن في عديد الآيات على أهمية الزكاة وأنها فريضة وشعيرة لها امتداد عميق وأن كل الرسل قد أمروا بها اتباعهم، فها هو القرآن يوجه كلامه لبني إسرائيل فيقول لهم: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ، وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ وَأَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ). وفي آية أخرى يتحدث القرآن عن الميثاق الذي أخذه مع بني إسرائيل، فإذا الزكاة والإنفاق يأتي ضمن أهم بنودها قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ). ويكرر القرآن الحديث عن هذا الميثاق مع بني إسرائيل في سورة المائدة ولا زالت الزكاة تتصدر الأوامر الإلهية فيه مع عهود بحسن الجزاء في الآخرة لمن التزم بهذه الأوامر واستجاب لمولاه، يقول تعالى: (وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ). ويورد القرآن الكريم كلام عيسى عليه السلام وهو في المهد فإذا به يذكر وصايا الله له والتي من بينها الزكاة، قال تعالى: (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا). ففي كل الآيات السابقة تأكيد على أن الأنبياء السابقين لرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم قد أمروا اتباعهم استجابة لأمر الله تعالى بالزكاة وأن الأمر بإنفاق المال من أهم ما افترضه الله على عباده.
وقد تختلف تفاصيل وطريقة أداء الزكاة من شريعة لأخرى ولكن هناك تأكيدا واضحا على أهمية الزكاة.
وقد أكدت آيات قرآنية كثيرة على فرضية الزكاة وضرورة الالتزام بها باعتبارها ركنا مهما من أركان الإسلام ودليلا على الانتماء الحقيقي لهذا الدين وصدق اتباعه، ولعلي أورد بعض الآيات الدالة على هذا الأمر، يقول تعالى: (وَأَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ). ويقول سبحانه: (لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ، إنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ).
وللزكاة مصارفها التي نجدها في سورة التوبة التي تحدد من يستحق أن يتلقى الزكاة، وهذا يدل على أن الزكاة لها أحكامها وأماكن صرفها، وأنها شعيرة منظمة تؤدى وفق معايير منضبطة حتى تحقق المطلوب منها وتصل إلى أهدافها المطلوبة في سد احتياجات المحتاجين وتيسير أمورهم المادية دون إراقة ماء وجوههم مع تحقيق التكافل الاجتماعي وتعزيز أصر الترابط بين أفراد المجتمع، قال تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ). وللزكاة مواعيدها التي تصرف فيها فلزكاة الفطر موعدها قبل حلول عيد الفطر، ويزكي المسلم ماله إذا توفرت فيه الشروط وبلغ النصاب المحدد ويصرفه في موعده عند مرور الحول عليه، وها هي آية الأنعام تدعو لإخراج زكاة الزروع في موعدها، قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)، ومن خلال الآيات السابقة لا بد أن أؤكد أن الزكاة منظومة في غاية الترتيب وهي حركة استثمارية في المال لها أبعادها وآثارها الطيبة على الفرد تزكية وتطهيرا وسموا عن الشح والأنانية وتجعله يشعر بالآخرين ويسهم في مد العون لهم مع جزيل الجزاء في الآخرة، قال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ)، وقد يتحدث القرآن عن الزكاة بتعابير أخرى فيحدثنا على أنها حق المال أو حق الفقراء في هذا المال يقول تعالى: (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا).
وفي سورة الذاريات يذكر الله تعالى جزاء المتقين وأوصافهم التي استحقوا عليها هذا الجزاء ومنها أنهم كانوا يؤدون حقوق الفقراء والمساكين في هذا المال، قال تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ، كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ، وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ، وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ). وتقترن الصلاة دائما بالزكاة في الآيات القرآنية ولو رجعت أيها القارئ الكريم للآيات التي سقتها سابقا لوجدت ذلك جليا، فالله يريد أن يتطهر المسلم ويسمو بدنيا وروحيا ويرقى عن الشح والأثرة والتعلق بالدنيا عبر هاتين العبادتين الجليلتين الصلاة وما فيها من رقي في التواصل مع الله وعروج إليه وخشوع وتضرع بين يديه والزكاة وما فيها من قيم البذل والعطاء.