أزمة بوينج.. وأشباح الحروب التجارية

رشا عبدالوهاب –

أزمة ثقة ضخمة تواجهها شركة بوينج الأمريكية بعد كارثتين جويتين تسبب فيهما طراز «737 ماكس»، الأولى في إندونيسيا في أكتوبر 2018، وتسببت في مقتل 189 شخصا، والثانية في إثيوبيا في مارس الماضي، وأسفرت عن مصرع 157 شخصا.
وبعد ساعات قليلة من المأساة الإثيوبية، حيث تحطمت الطائرة بعد دقائق من إقلاعها، اتخذ عدد من الدول قرارا بوقف استخدام هذا الطراز من الطائرات، بمن فيهم الولايات المتحدة، مسقط رأس «بوينج»، التي ما زالت تعتبر أكبر شركات الطيران في العالم، على الرغم من النكسة التي لحقت بها نتيجة الحادثتين المأساويتين.
وشهدت الشركة تراجعا غير مسبوق على مؤشر الأسهم الأمريكي «ستاندر أند بورز 500»، بعد أن ثارت التساؤلات حول النسخة الأحدث من «عائلة 737»، وهو ما أفقدها «البقرة الحلوب» التي تدر أكثر من ثلث أرباحها، وتسببت في خسائر وصلت إلى حوالي 12 مليار دولار من قيمتها السوقية.
سقوط الطائرتين الإندونيسية والإثيوبية أعطى لهذا النوع من الطائرات، الذي تم تصنيفه على أنه الأكثر أمانا في العالم منذ ستينيات القرن الماضي، ضربة مزدوجة. والمفارقة أن الولايات المتحدة سبق وأن أوقفت طرازا آخر من بوينج وهو «دريم لاينر» في 2013، بسبب مشاكل فنية أيضا، وكلف الأمر الشركة خسائر بقيمة 20 مليون دولار وثلاثة أشهر لإصلاح المشكلة، إلا أن مشكلة ماكس أكبر بكثير.
وربما تكون بداية الإصلاحات للشركة تتمثل في إصلاح برمجيات الطائرات، حيث أظهرت التحقيقات الأولية في حادث الطائرة الإثيوبية حدوث خلل في نظام التشغيل الآلي للطائرة، حيث لم يستطع الطيار ومساعدوه التحكم في الطائرة التي اندفعت إلى الأسفل بدون توقف، واضطروا إلى تشغيل النظام اليدوي ثم العودة إلى الآلي إلا أن محاولاتهم باءت بالفشل وبكارثة كبرى في تاريخ الطيران المدني.
ومن الطبيعي، أن تقوم الشركة التي لديها حاليا 4600 طلب لشراء هذا الطراز بقيمة تصل إلى 550 مليار دولار إلى إصلاح الخلل وتحديث برمجياتها ووضع إرشادات جديدة لتدريب الطيارين، وقد تحتاج الشركة أكثر من مليار دولار لإصلاح الخلل الفني في أسطول طائرات بوينج 737، التي تم إنزالها في العشرات من الدول ومنعها من التحليق.
وعلى المستوى المنظور، يجب أن تسعى بوينج أن تضمن لزبائنها ولحكومات العالم أن طائراتها آمنة بكل الوسائل الممكنة. ويمكن النظر إلى المشكلات الحالية لكبرى شركات الطيران الأمريكية أنها تأتي في سياق تسارع نموها ومنافستها مع عملاق الطيران الأوروبي «إيرباص»، حيث دخلت الشركتان في سباق من أجل تصنيع طائرات منخفضة التكلفة لبيعها في الأسواق العالمية، فقد ولدت «ماكس 7373» في إطار محاولات بوينج للحاق ولتصنيع منافس لطراز «إيه 320 نيو».
وخلال السنوات القليلة الماضية، شهدت شركات الطيران عددا كبيرا من الحوافز لشراء أكبر عدد ممكن من الطائرات بداية من انخفاض تكاليف الوقود حتى الأرباح الضخمة، وهو ما دفع 11 ألف شركة طيران إلى الشراء من الشركتين الأمريكية والأوروبية منذ عام 2000، إلا أنه بعد حوادث «ماكس 737»، فإن صناعة الطيران تواجه خطرا كبيرا.
والأزمة الآن أكبر من حصرها في المشكلات التي تعانيها بوينج، فقد تحولت حادثة إثيوبيا إلى صراع سياسي بين الدول، فهناك الآن شبح حرب تجارية كبرى بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بسبب التنافس بين بوينج الأمريكية وإيرباص الأوروبية. فقد كشفت بروكسل عن قائمة واسعة من المنتجات الأمريكية، بداية من شمع العسل والكاتشاب حتى أجزاء السيارات، ستفرض عليها رسوما جمركية بقيمة حوالي 22 مليار دولار، انتقاما وردا على إعلان إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إجراءات مماثلة، تتمثل في تعريفات جمركية على واردات الاتحاد الأوروبي، ومن بينها الطائرات، بسبب دعم الأخير لإيرباص.
ولجأ الطرفان إلى التحكيم الدولي أمام منظمة التجارة العالمية بشأن الدعم الحكومي لهاتين الشركتين. اللجوء إلى المنظمة الدولية في هذا النزاع ليس جديدا، فقد بدأت فصوله منذ 15 عاما، فقد أكدت السلطات الأوروبية أن بوينج تلقت 19 مليار دولار من «الإعانات غير العادلة» من الحكومة الفيدرالية ومن الولايات بين عامي 1989 و2006.
ومؤخرا، اعتبر روبرت لايتزر الممثل التجاري الأمريكي في إدراة ترامب إن مساعدة أوروبا لإيرباص تمثل «إعانات ضارة».
الصراع المستعر بين الشركتين تسبب أيضا في صفقات دمج ضخمة، حيث أطلقت إيرباص «كونسورتيوم» أوروبيا. بينما اشترت بوينج منافستها السابقة شركة «ماكدونيل دوجلاس» عام 1997، هذه الاندماجات جعلت المنافسة تنحصر بين هاتين الشركتين، بينما اضطرت شركات مثل «لوكهيد مارتن» و«كونفير» في الولايات المتحدة، والشركة البريطانية لصناعة الطائرات والذخيرة وأنظمة الدفاع، والتي أصبحت الآن تسمى بشركة «بي. إيه. إيه»، وكذلك «فوكر» الأوروبية، إلى وقف الإنتاج خاصة أنها أصبحت غير قادرة على المنافسة واضطرت إلى الانسحاب من السوق.
وعلى الرغم من احتكار الشركتين للسوق، إلا أن شركات أخرى قررت خوض تجربة المنافسة مستغلة الوضع الحالي حيث تخطط وحدة الطيران التابعة لشركة ميتسوبيشي الصناعية العملاقة اليابانية لبدء تسليم أول طائرة ركاب محلية بداية من العام المقبل، كما أن الصين تمثل تهديدا قويا، وسط توقعات بأن تتمكن من منافسة الشركتين خلال السنوات العشر المقبلة، وتخطط بكين للاستمرار في العمل مع شركة الطائرات التجارية الصينية المملوكة للدولة «كوماك»، ومقرها شنجهاي، وهو ما قد يقلل من اعتماد الصين على بوينج وإيرباص. كما يوجد عدد من اللاعبين الأصغر نسبيا في هذه الصناعة المعقدة مثل شركة إيمبراير البرازيلية وبومبارديار الكندية.
وخلال 10 سنوات في الفترة من 2008 حتى 2016، تلقت إيرباص 9958 طلبية سلمت منها 5644، بينما تلقت بوينح 8978 طلبية وسلمت 5718. وخلال الأزمة الأخيرة، دخلت الصين على الخط، حيث وقعت صفقة تاريخية مع إيرباص لبيع 300 طائرة خلال زيارة تاريخية للرئيس الصيني شي جين بينج للتكتل الأوروبي.
وعلى الرغم من أن الصين طلبت في وقت سابق شراء طلبية مماثلة من بيونج خلال زيارة ترامب إلى بكين في 2017، إلا أن الصين لم تقدم أي طلبيات جديدة للشركة الأمريكية، في ظل الحرب التجارية التي أشعل ترامب فتيلها مع بكين.
وحاول الرئيس الأمريكي تقديم وصفة من أجل تغلب بوينج على أزمتها الكبرى حيث نصحها بإضافة مميزات جديدة لطائراتها، واختيار اسم جديد لطائرات الماكس.
وتستقي بوينج أسماء طرازتها المختلفة من صناعة المشروبات الغازية فهناك «الكلاسيك» و«الزيرو». وتحولت أيضا «بوينج» إلى ساحة صراع في الداخل الأمريكي، فقد أثارت الكارثتان الأخيرتان تساؤلات حول تساهل إدارة الطيران الفيدرالية مع الشركة، وقدرة الكونجرس على تجاهل صراع المصالح وتقديم رقابة فعالة على شركة بوينج القوية والتاريخية، حيث أسست عام 1916، وأصبحت رمزا للقوة الأمريكية مع الوقت.
ويعتبر عودة طراز ماكس 737 للتحليق في أجواء العالم واستعادة الثقة في الشركة حاسما لمستقبل بوينج، المحرك الرئيسي للاقتصاد الأمريكي. ويدور التساؤل الرئيسي حول أسباب قيام إدارة الطيران الفيدرالي بالسماح لهذا الطراز بالتحليق، في أعقاب حادث تحطم شركة «ليون أير» بإندونيسيا، والذي كان بسبب برنامج التحكم الآلي الجديد، والذي أعلنت شركة بوينج عن أنها تعمل على إصلاح الخلل. وحاول دينيس مويلنبرج الرئيس التنفيذي للشركة الدفاع عن نفسه في مواجهة عاصفة الغضب في الداخل الأمريكي وفي العالم، وفي مواجهة جحيم لا يتوقف من الخسائر المادية، قائلا إنه تم تأسيس لجنة لمراجعة سياسات وعمليات الشركة لتصميم وتطوير الطائرات، وكذلك وضع برامج تدريبية وتعليمية لزبائن ماكس.
ومن هنا أظهرت أزمة «بوينج» وجها قبيحا لصناعة الطيران، ويتمثل في الرغبة الاحتكارية وممارسات «الضرب تحت الحزام» من أجل التفوق وتملك السوق، وكذلك الرغبة في إطلاق أشباح الحرب التجارية من أجل حماية العمود الفقري للاقتصاد الأمريكي بغض النظر عن عامل الأمان لمئات المدنيين الذين يعتمدون على هذه الوسيلة في تنقلاتهم.